الدرس في شرح الدروس المهمة 30، تابع الدرس الخامس من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، ولها أحكام وتفاصيل مذكورة في كتب الفقه. الزكاة تنقسم إلى قسمين: الأنصبة والمقادير المقدرة في الأموال، والصدقة الواجبة لدفع الضرر عن غيره.
الصيام ينقسم إلى قسمين: صيام حسي وصيام معنوي، ويتطرق إلى أهمية الصيام في تحقيق التقوى والخير الدنيوي والأخروي. كما يشير إلى بعض الحكم والفوائد من فرض الصيام.
فرض الله الحج لحكم عظيمة منها إدخال التقوى إلى القلوب وتوحيد المسلمين وتذكيرهم بنعم الله. الحج من أركان الإسلام الخمس التي لا يقوم إلا بها، وله نوافل مثل العمرة.
يدعو الإسلام الإنسان إلى العمل بأوامر الله سبحانه وتعالى. هذا العمل يأتي في إطار الامتثال لأوامر الله وتحقيق رضاه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، أخذنا في الدرس السابق الكلام على شيء من أركان الإيمان، ومما أخذناه الكلام على الركن الأول والثاني، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ويوم الكلام، إن شاء الله، على الركن الثالث وما يتيسر مما يأتي بعده. قال رحمه الله تعالى: «وإيتاء الزكاة»، أي ومن أركان الإسلام إيتاء الزكاة، فإيتاء الزكاة هو الركن الثالث من أركان الإسلام. وعلمنا فيما سبق معنى الركن، وأنه ما لا يتم الشيء إلا به، وهو من ما هي الشيء. والزكاة هي ما فرضها ربنا جل وعلا في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، رحمة بالعباد. وهكذا كذلك تطهيرا للمال، فهو رحمة بما يكون من مواساة الفقراء والمساكين وغير ذلك مما هو مقرر في الشرع في مصارف الزكاة الثمانية. وهو سبب كذلك لتثبيت أواصر المحبة والمودة بين الأغنياء والفقراء، فيحصل التراحم والتآلف. وهو كذلك التطهير للمال مما قد يقع فيه مما ينافي الكمال في أخذه من حله ووضعه في حله، كما قال الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. وهو تطهير للنفوس من الشح والبخل، وتعويد لها على الكرم والجود والعطف. وهو كذلك سبب ببركة هذا المال وزيادته. وبهذا نعلم أن فريضة الزكاة، وكونه ركن من أركان الإسلام، كان لحكم عظيمة جليلة. فالله جل وعلا غني عن أن يفرض على الناس ما يضرهم أو يأخذ منهم ما ينفعهم، بل سبحانه لا يفرض عليهم إلا ما ينفعهم وما يدفع الضر عنهم، والزكاة من ذلك. وتفاصيل أحكام الزكاة مذكورة في كتب الفقه، لكن المقصود هنا أن نعرف فرضية هذه الزكاة وأنها ركن من أركان الإسلام. وهي على قسمين: قسم هو الأنصبة والمقادير المقدرة في الأموال التي يجب فيها الزكاة، وهي أربعة: الذهب والفضة وما قام مقامهما من العملات الورقية وغيرها، الثاني بهيمة الأنعام وما قدر من زكاة كل نوع في الغنم وفي البقر وفي الإبل. والثالث الزروع كذلك على المقادير والوصف الذي جاء حده في الشرع، والرابع عروض التجارة على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، فيشمل ذلك السلع والعقار وغيره مما هو معروض للبيع والشراء. فهذه الأربعة هي القسم الأول مما فرض فيه مقادير معينة شرعًا، هي مقادير الزكاة. وأما القسم الثاني مما تجب فيه الصدقة، وهو يدخل في معنى الزكاة، حق كل من أعطاه الله عز وجل مالًا يستطيع أن يدفع به الضرر عن غيره، فإنه يجب عليه أن يواسي المضطرين بما معه من مال. ويدل على هذين المعنيين الأحاديث التي رويت في هذا المعنى. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت عيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم ينظر إلى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». الشاهد أن هؤلاء لما كانوا لا يؤدون الزكاة في هذه الأموال، أي الذهب والفضة، وذكر نحوها في الإبل والبقر والغنم، فإنهم يعذبون. ومما ذكر في الإبل أنه يعطى من ضرعها لا يحبس ضرعها. وهذا يدل على النوع الثاني من الصدقة الواجبة، وهي ما تندفع به ضرورة أرباب الضرورات. فلذلك نبه أهل العلم إلى أن الحق الواجب في المال ينقسم إلى قسمين: قسم بتلك المقادير في الأصناف الأربعة، والقسم الثاني دفع ضرورة أرباب الضرورات في كل مال. فمن كان عنده سيارة فإنه يجب عليه أن يدفع ضرورة أرباب الضرورات بما أعطاه الله في هذا المال. ومن كان عنده مسكن وله فيه سعة يجب أن يدفع ضرورة أرباب الضرورات. وهكذا يقال في كل مال له فيه سعة يدفع به ضرورة أرباب الضرورات. وبه نعرف حكمة ربنا سبحانه وتعالى في فرض ما فرض في هذه الفريضة، فهو غني عن أموالنا وعن عطائنا جل وعلا، وهو القائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ولكن المقصود من ذلك هو حصول هذه المنافع والحكم التي يكون بها خير الدنيا والآخرة. قال رحمه الله: «وصوم رمضان» كذلك من أركان الإسلام، صيام شهر رمضان. وهكذا كذلك فرض ربنا جل وعلا هذه الفريضة في كتابه وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، رحمة بالخلق جل وعلا، وكذلك تحصيلًا للمنافع الكثيرة للعباد في الدنيا وفي الآخرة. وإلا فهو سبحانه وتعالى غني عن جوعنا وعن عطشنا وعن تعبنا ونصبنا. ولكنه سبحانه فرض هذه الفريضة كما قال جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فمن أعظم أسباب وحكم فرض فريضة الصيام هو تحصيل التقوى، الذي به يحصل الخير للناس في الدنيا بالاستقامة على دين الله، والذي من أعظم بواعث ذلك تقوى الله. وهكذا في الآخرة بالفوز برضى الله وجنته. وهكذا من أعظم بواعثه وأسبابه تقوى الله جل وعلا، مع ما فيه من فوائد وحكم كثيرة. فمن هذه الحكم أنه سبب لتذكر نعمة الله عز وجل في الطعام والشراب والشهوة، فيشكر العبد ربه سبحانه وتعالى في هذه النعم وغيرها. ومن حكمه تذكر حال الفقراء والمساكين الذين يلازمهم الجوع والعطش وقلة ذات اليد في النكاح، فيدعو هذا المسلم أن يواسي هؤلاء بما يعينهم على دفع ضرورتهم. ومن حكمه كذلك أنه سبب لتهذيب النفس بكسر شهوتها وقوتها، والذي يتبعه كسر كل معاني سوء من العجب والغرور والكبر والرياء والأنانية وغير ذلك من الصفات الذميمة. ومن حكمه تعويد النفس على الصدق والإخلاص وعدم الالتفات إلى العجب والرياء وحب الظهور، فيتعود الأعمال الخفية وطاعات السر. ومن حكمه كذلك أنه سبب لصحة الأبدان بتنقيتها من سموم الطعام والشراب وفضلاته، ولهذا صار من أسباب صحة الأبدان عند الأطباء قديمًا وحديثًا استعمال الحمية، ومنه الصيام. فإذا تأملنا مثل هذا وبعضهم ذكر أشياء كثيرة، علمنا عظيم حكمة الله عز وجل ورحمته في فرض هذه الفريضة على الناس، لأنه سبب لدخول أسباب السعادة والخير الديني والدنيوي. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وفي فريضة الصيام تفاصيل كثيرة تذكر في كتب الفقه. ويكفي أن نعلم ها هنا أن الصيام ينقسم إلى قسمين: الصيام الحسي، وهو الإمساك التعبد لله بالإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. والصيام المعنوي، وهو الإمساك عن كل ما حرم الله بامتثال واجباته وترك محرماته. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». ومعنى قوله «من لم يدع قول الزور» قول الزور معروف، هو ما كان بمعنى البهتان أو أعظم، ومنه الكذب والغيبة والنميمة وغيرها من الأقوال الباطلة. فهو غير منحصرة بإثم معين، ولكنه كل باطل لا يرضاه الله ويغضب عليه في الأقوال. فمنه السب والشتم وغيره، والحلف بغير الله. وهكذا كذلك فعل الزور، فهو كل فعل يبغضه الله ولا يرضى عن صاحبه بفعله، فيتناول ما سبق مما يجب على الصائم الحرص عليه من امتثال الواجبات والحذر من المحرمات. وبهذا المعنى نعرف أهمية هذه الفريضة والخير الذي يدخل على العبد فيها في الدنيا وفي الآخرة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصيام جنة»، ومعنى جنة أي كالترس الذي يتقى به المحارب. وكذلك الركن الخامس من أركان هذا الدين، دين الإسلام، «حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا»، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فقوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فيه فريضة الحج، وتقديم حقه التأخير يدل على الحصر. وكما قال أهل العلم، وبين ذلك الإمام الشنقيطي رحمه الله، أن هذا الأسلوب من أقوى الأساليب التي يعرف بها الأمر. الشاهد أن فرض هذه الفريضة جاء في الكتاب وفي السنة. والله عز وجل فرض هذه الفريضة كذلك لحكم ينتفع بها العباد في الدنيا وفي الآخرة، وإلا فهو سبحانه غني عن تعبنا وعن نصبنا وعن سعينا وسفرنا وعن دبائحنا وتلبيتنا وعن سائر ما يبدله الحاج في حجه من مشقة. ولكن لحكم عظيم كثيرة فرض ربنا جل وعلا الحج على العباد. فمن هذه الحكم أنه سبحانه وتعالى فرض هذه الفريضة ليصل التقوى إلى القلوب، وتكاد تكون هذه الخصلة موجودة في كل أركان هذا الدين. كما قال سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾، ومعناه أن ما تذبحون وما تنهرون من دماء في الحج لن يصل إلى الله، فالله غني عنه. ومعناه هو سبب لدخول التقوى لكم. وبه نعرف عظيم إنعام الله في فرض مثل هذه الفرائض، وأنه فرضها جل وعلا ليحصل الخير للخلق بدخول التقوى، الذي كما سبق يحصل الخير في الدنيا وفي الآخرة، والخير الديني والدنيوي. وهكذا فيه حكم أخرى، من هذه الحكم أنه سبب لتذكر نعمة الله عز وجل في الوطن بين أهله وذريته، وهكذا تذكر نعمة الله في الأمن، وهكذا نعمة الله عز وجل في سائر ما أعطاه من نعم وهو بين أهله حيث يفتقدها المسافر. وهكذا كذلك من حكمه أنه سبب لحصول التآلف بين أهل الإسلام، فهو بمثابة الاجتماع العظيم للأمم، يجتمع الناس من مشارق الأرض ومغاربها، فيحصل في ذلك التراحم والتعاطف والتآلف، لأن الجميع جاء لله سبحانه وتعالى ويريد ما عند الله. ومن حكمه أنه سبب لحصول الوحدة والإتلاف والاجتماع الحقيقي لأهل الإسلام، فتتحد الأجساد والقلوب على ثوابت وأصول واحدة. ومن حكمه كذلك أنه سبب كذلك لحصول توسعة المعارف والمدارك والمنافع للناس باختلاط بعضهم ببعض، الدينية بما يراه المقصر من أحوال المبرزين والمجتهدين، وما يكون من التناصح بالقول والفعل بينهم. والدنيوية بما يكون من انتفاع بعضهم ببعض في التجارات وفي العلوم والثقافات وغيرها مما ينتفع به الناس. وهو كذلك سبب لحصول أبواب أخرى من أبواب الإحسان في سفره وفي حجه وفي هديه، وغير ذلك مما هو من حكم هذه الفريضة. وبه نعرف حكمة الله عز وجل في فرضه على الناس مثل هذه الفريضة. وهكذا هذا يدفع المسلم أن يستزيد من مثل هذا الخير في هذه الفرائض جميعًا. فكما أن الله عز وجل فرض فرائض أحب من الناس أن يفعلوا مثلها من المستحبات، فجعل للصلاة نافلة ورواتب، وجعل للصيام كذلك نوافل، وهكذا للحج والعمرة نوافل. ويوم القيامة يكمل من نوافل هذه الطاعات فيما قد يقع من تقصير في تلك الفرائض، مع ما فيها من الحكم الكثيرة الذي ينتفع بها العبد إذا حقق هذه الفرائض على الوجه الأكمل الذي يحبه الله ويرضاه. وهكذا كذلك كون الإسلام فيه هذه الفرائض الخمس والأركان الخمس، ليس معناه حصر لما أوجب الله عز وجل في هذه الخمس. فقد أوجب الله عز وجل على العباد أشياء غير هذه الخمس. ولكن المقصود أن الأمور العظام التي لا يقوم الإسلام إلا بها هي هذه الخمس. وإلا فالواجبات كثيرة والمحرمات كثيرة التي يجب على المسلم أن يفعل الواجب منها ويترك المحرم مما حرم عليه في هذا الدين العظيم. وهذا يدعو الإنسان إلى العمل بكل ما أمره الله سبحانه وتعالى. ونكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.