شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 6

شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 6

الدرس في شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في طرق معرفة المطلوب في الشريعة

يشرح الإمام الشاطبي طريقتين لمعرفة المطلوب في الشريعة: الطريقة التقريبية المناسبة للجمهور، والطريقة التفصيلية غير المناسبة. يُوضح أن الشريعة اعتمدت الطريقة التقريبية في التبيين.

أسلوب الشريعة في عرض المفاهيم والتعاريف

يتناول أسلوب الشريعة في عرض المفاهيم، مشيرًا إلى استخدام القرآن والسنة لأسلوب سهل في التوضيح للجمهور. يُبرز أهمية مصدر التلقي في تحديد منهج الفرد.

انتقاد التعقيد في العلوم الشرعية واستخدام المنطق والفلسفة

يناقش كيف أدى استخدام المفاهيم الفلسفية والمنطقية إلى الغموض وتعقيد الأمور، ويشير إلى أهمية اتباع نهج السلف والأمة في الوصول إلى المقصود بأيسر الطرق.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح مقدمة كتاب الموافقات للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ عبد الله بالمرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مرّ معنا في المقدمة الخامسة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وكانت مسائل كثيرة، خلاصتها تجتمع في ماذا؟ خلاصة مقدمة الخامسة مسائل ما هي؟ المسائل التي ليست من علم الأصول. لا عبارة أدق كما ذكره المؤلف رحمه الله، ما قال هكذا، نريد عبارة أدق شوية، الذي لا ينبني عليه عمل. طيب، انتبهوا لهذا، كل مسألة لا ينبني عليها عمل فهي ليست من هذا العلم. وأشار إلى أشياء وتفاصيل، وعلمنا خلاصة ذلك فيما ذكره رحمه الله تعالى، ومراده بالعمل كما مر معنا في القاعدة التي قبلها، أي مما له ارتباط بهذا العلم، إما بتفاصيل تتعلق بهذا العلم، تتعلق بفروع هذا العلم، وهي أعمال الجوارح، أو كذلك أشياء تتعلق بماذا؟ بالقلب ومتممات، نعم، وهذا هو قول عمل القلب، عمل الجوارح. فالمقدمات يفسر بعضها بعضًا، ويكمل بعضها بعضًا. ومرت معنا أشياء كثيرة، وكما قلنا نحن في قراءة مختصرة لأن الوقت المقرر ضيق، فلذلك ما نستطيع نتوسع، وإنما نحاول نفهم خلاصة المقدمة، والأشياء المشكلة نقف عندها، ولعل الله يسر بمجالس أخرى يكون فيها شيء من البسط. طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام الشاطبي رحمه الله: المقدمة السادسة: وذلك أن ما يتوقف عليه معرفة المطلوب قد يكون له طريق تقريبي يليق بالجمهور، وقد يكون له طريق ما يليق بالجمهور، وانفرد تحقيقًا. فأما الأول فهو المطلوب الملتبس عليه، كما إذا طلب معنى الملك، فإنه خلق من خلق الله يتصرف في أمره، أو معنى الإنسان، فقيل إنه هذا الذي أنت من جنسه، أو معنى التخوف، فقيل التنقص، أو معنى الكوكب، فقيل هذا الذي نشاهده في السماء، ونحو ذلك، فيحصل فهم الخطاب مع هذا الفهم التقريبي، حتى يمكن الانتقال. وعلى هذا وقع التبيين بالشريعة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»، ففسره بنظيره الظاهر لكل أحد، وكما تفسر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغة، من حيث كانت أظهر في فهم منها. وقد بيّن عليه الصلاة والسلام الصلاة والحج بفعله وقوله على ما يليق بالجمهور، وذلك سائر العلوم، وهي عادة العرب والشريعة عربية. ولأن الأمة أمية، فلينبغ لها من البيان إلا الأمي. وقد ترى هذا في كتاب المقاصد مشروحًا، والحمد لله. فإذا التصورات المستعملة في الشريعة إنما هي تقريبات من أنظار مترددة، وما قام بقام البيان القريب. وأما الثاني، وهو ما لا يليق بالجمهور، فعدمه مناسبة للجمهور أخرجه عن اعتبار الشرع له، لأن مسايرته صعبة المرام، وما جعل عليكم في الدين من حرج. كما إذا قيل: معنى الملك، سأثير به على معنى الأغرض منه، وهو ماهية مجردة عن المادة أصلا، أم يقال: جوهر بسيط دون نهاية، ورد عقلي أو قريب. نعم، الإنسان، فقيل: هو الحيوان الناطق المائت، أو يقال: بالكوكب، فيجاب: لأنه جسم بسيط كني مكانه الطبيعي نفس الفلك، إن شاء لي أن يدير متحرك عن الوسط، أو المشتبه عليه، أو سير عن المكان، فيقال: هو الكوكب البادي من الجرم الحاوي المماس للكوكب الظاهر من الجسم المحوي، وما أشبه ذلك من الأمور الدقيقة التي ما تعرفها العرب، ولا يصل إليها إلا بعد قطع أزمة في طلب تلك المعاني. ومعلوم أن الشارع لم يقصر إلى هذا، ولا تنفذ به. وأيضًا، كأنها لتسور على طلب معرفة ماهيات الأشياء، وقد اعترف أصحابه بصعوبته، بل قد نقل بعضهم أنه عنده متعذر، وأنه لا يمكن أن يعرف شيء من الأشياء على حقيقته، إذ الجواهر لها فصول مجهولة، وجواهر عرفها أخص أمور سلبية. فلا بد من رجوع إلى أمور محسوسة أو ظاهرة من طريق أخرى، وذلك لا يفعل بتعريف ماهيات هذا في الجوهر. وأما العرب، فإن ما يعرفونه باللوازم، إذ لم يقدر أصحاب هذا العلم على تعريفه بعد ذلك. وأيضًا، ما ذكر في الجواهر وغيرها من الذاتيات ليقوم البرهان على أنها لا تخرج سواها، ولنبنز أن يطالب بذلك، وليس للحاكم من يقول: لو كان ثم وصف آخر ما قامت عليه. إذ كثير من الصفات من ظاهر، وليقال أيضًا: لو كان ثم ذاتية أخرى ما عرفت الماهية دونه، ما عرفت الماهية دونه، لأننا نقول: إنما تعرف الحقيقة إذا عرف جميع ذاتياتها. فإذا جاز أن يكون ثم ذاتية لن نعرف حصر الشك في ظاهر الله. فظهر أن الفدود عمل ما شرعه أرماب الفدود يتعذر الالتفات بها، ومثل هذا لا يجعل من العلوم الشرعية التي يستعمل بها فيها. وهذا المعنى يتقرر، وهو أن ماهيات الأشياء لا يعرفها على الحقيقة إلا ماليها، فتسور الإنسان على معرفتها رمض في عماية هذا كله في التصور. وأما في التصديق، فالذي يليق منه من الجمهور ما كانت مقدمات الدليل فيه ضرورية أو قريبة من الضرورية، حسب ما يتميز في آخر هذا الكتاب بحول الله وقوته. فإذا كان كذلك، فهو الذي ثبت طلبه بالشريعة، وهو الذي نبه القرآن على أمثاله، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَا يَخْلُقُ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى آخرها، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِيهَا آيَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَرَأَيْتُمُ الَّذِي تُمُونُ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾. وهذا إذا احتيج أن يدرج في التصديق، وإلا فتقرير الحكم كافر. قال: هذا النوع من البرهان برسله الصالح الكث الشريعة، وللمؤالف والمخالف. ومن نظر في استدلالهم على إثبات الأحكام التكليفية، ألم أنهم قصدوا أيسر الطرق وأقربها إلى عقول القادمين، لا يكون عن ترتيب متكلف، ولا نقل مؤلف، بل كانوا يرمون كلام على عواهله، ولا يمعنون كيف وقع في ترتيبه، إذا كان قريب المأخذ، سهلًا متبسطًا. وإن كان راجعًا إلى مضمون الأرضين في التحصيل، فمن حيث كانوا يتحرون إيصال المقصود، لا من حيث احتداء من تقدمهم. وأنه إذا كان القريب مرتبًا على قياسات مرتبة، أو هي مرتبة، إلا أن في الإيصالي لمطلوب بعض التوقف للعقل، فليس هذا التوقف بشرعي، ولا تجده في القرآن، ولا في السنة، ولا في كلام السلف الصالح. إن ذلك مكلفة للعقل، ومحارة له قبل بروق مقصود، وهو بثلاث: وضع التعليم. ولأجل المقاصد الشرعية إنما هي في عادة الأمر وقتية، فلن يقضيها ما كان في الثاني وقتيا. فلن وضع النظر في الدليل غير وقتيًا، لكان مناقضًا لهذه المقاصد، وهو غير صحيح. وأيضًا، فإن براهين ليست على حد واحد، ولي جارية على التساوي في كل مطلب، إلا في الضروريات وما قاربها، فإنما لا تثبت في ما يعتد به. فلن وضعت الأدلة على قد ذلك، لتعذر هذا الطلب، ولكان التأليف خاصًا لعلماء، أو أدى إلى تأليف ما لا يطاق، أو ما فيه خرق، ومن الله يتفر عن الشريعة. وسيأتي في كتاب المقاصد لتقييم هذا المعنى. بسم الله الرحمن الرحيم، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه القاعدة السادسة، وهي تدرج في الدخول في مسائل هذه القاعدة السادسة، هذه المقدمة السادسة، تدرجًا منه رحمه الله في الدخول في المقصود، في التنبيه على ما ينبغي وما لا ينبغي مما أدخل في هذا العلم. وكما مر معنا، رأينا أنه ابتدأ بأصل العلم، ثم بمكوناته، ثم ببعض فروعه ومسائله، ثم الآن ينتقل إلى الكلام على ما ذكره من كتب في هذا العلم، في مسألة الحدود والمهيات. والمراد بالحدود والمهيات، أي التعاريف التي توضع في التعريف بالأشياء في هذا العلم. ودخل إلى هذا المعنى، وهذا المقصود بهذه التوطئة، فبين رحمه الله تعالى أن معرفة المطلوب الذي يرد به الشريعة بالنسبة للجمهور هو الأسلوب السهل اليسير. فهذه هي طريقة القرآن والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. والمراد بالجمهور، أي عموم الناس، أي عموم الناس. ثم ضرب أمثلة على ذلك من الأدلة التي ذكرها في الأخير، وهكذا كذلك في البداية. ووضح ببعض الألفاظ، فتعريف الإنسان بالنسبة لعامة الناس شيء واضح، لا يحتاج إلى تعريف. فلو قيل: من هو هذا الإنسان؟ قيل: أنت الذي من جنسه، من جنسه هو كمثلك، فهذا هو الإنسان، ما يحتاج إلى أن نذهب إلى شيء بعيد. فلو قلت: هو الحيوان الناطق المائت، ممكن، لو سألت أي واحد وأقمته، قال: ما عرفت. هل تعرف ما هو الحيوان الناطق المائت؟ كثير من الناس ما سيعرفه، سيقول: ما عرفنا. فلو قلت لهم: الإنسان، قالوا: سبحان الله، يعني تعرف الشيء بما ماذا؟ يبهمه، لا بما يعرفه. وهذه هي طريقة الفلاسفة. طريقة الفلاسفة هي الطريقة الثانية التي أشار إليها بقوله: وأما الثاني، وهو ما لا يليق بالجمهور، فعدم مناسبة للجمهور أخرجوا عن اعتبار الشرع له. ومعناه أنهم سلكوا مسلكًا ينافي مقصد الشريعة في ماذا؟ في توضيح هذا الدين وتسهيله للناس. المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو ماذا؟ وهذا، تيسير رسلهم للصراط المستقيم، والدين القويم الذي أحبه الله عز وجل للخلق. ولا شك أن ما كان هذا مقصده، فإذن لابد أن تكون وسيلته هي أيسر وأسهل طريق توصل لذلك. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبسط كلامه وجوارحه لإيصال هذا الدين بأيسر طريق وأسهل طريق، حتى يفهم الناس ويعلمونه. فعلم عليه الصلاة والسلام بالقول وبالفعل وبالتقرير، وكل هذا من باب تيسير ماذا؟ وصول هذا الدين للناس. وهذا هو من أعظم المواضع التي حصل فيها الخلاف بين أهل السنة ومن خالفهم. والإشكال دخل على أهل الأهواء ممن سلك مسلك المتكلمين والفلاسفة والمنطقيين، هو من ثلاثة أمور، أمور كثيرة، لكنها تختصر بثلاثة أمور. أولها: أن هؤلاء أخذوا من معين ليس من معين أهل الكتاب والسنة. وهذا من أعظم أسباب الخلاف والفوارق بين أهل السنة ومن خالفهم من أهل الأهواء. فمصادر التلقي والتلقين سبب عظيم في حصول ماذا؟ الاتفاق والافتراق بين أهل الحق وأهل الباطل. لما كان مصدر أهل السنة الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، اتحدت كلمتهم، ولو تباعدت بلدانهم، ولو اختلفت ماذا؟ أزمانهم. ما أحد التقى بالآخر، ولكن مذهبهم واحد، قلهم واحد، استقامتهم واحدة. هل التقى علماء السنة في الحجاز بعلماء السنة بالأندلس؟ ما التقى بعضهم ببعض، يمكن بعضهم ما رأى بعض، ومع ذلك طريقتهم واحدة، ومنهجهم واحد. وأزمنتهم مختلفة، وأماكنهم مختلفة، ولكن جمع بينهم ماذا؟ اتحاد مصدر التلقي والتلقين. فإن مصدر التلقي والتلقين أمر مهم. ولما أخذ أهل الأهواء من المتكلمين من أهل الأهواء، ومن المنطقيين وغير ذلك، أدخل عليهم أشياء كثيرة أبعدتهم عن الصراط المستقيم. ومن ذلك احتفاؤهم بالغرائب في الحدود والماهيات والتعاريف. الأمر الثاني: أنه كذلك وجد في بعض من عرف طريق الحق من اغتر بطريق أهل الباطل، لأن الباطل لا يكون واضحًا جليًا في كل ما فيه. ففي بعضه شيء من الشبه، فيوجد في بعض مسائل أهل الباطل أشياء، لكن توضع في مكانها، توضع في مكانها. فإذا وضعت في غير مكانها، كان هذا من ماذا؟ من الإغراب، ومن كذلك الإيهام والتضليل. مثلًا، استخدام ماهيات الأشياء في العلوم التطبيقية يحتاج إليها. فالذي يريد مثلا أن يبني بناء يحتاج أن يعرف مكونات هذا البناء، فيقول: مثلا يحتاج إلى حديد وإسمنت وكذا وكذا، ومكوناته تكون بهذه النسب، وهكذا. وكذلك الذي ينظر إلى المادة باعتبار مكوناتها الغذائية، فإنه قد يحتاج أن ينظر إلى ماهياتها. فمثلا التمرة باعتبارها تمرة بالنسبة لعموم الناس معروفة، منها التمرة، التمرة هي ثمرة شجرة النخل. فإذا قال إنسان يعرفها: هي تلك الثمرة الصيفية الموسمية الغنية بالبوتاسيوم والكالسيوم والحديد بنسبة كذا وكذا وكذا وكذا، هل واحد سيعرفها؟ ما سيعرفها؟ حتى الأطباء الذين يعرفون مكونات الثمار ربما يتيه في معرفة هذا الشيء. وهذا الذي سلكه بعض المنطقيين، أخذوا ما كان في العلوم التطبيقية، مثل: علم الطب والهندسة والفلك ونحو ذلك، في معرفة مكونات الأشياء، فنقلوها إلى علوم الإلهية كما يسمونها، وهي علوم ماذا؟ الشرعية. فنقل ذلك إلى العلوم الشرعية، أثمر ماذا؟ خطأ عظيما. لماذا؟ لأنهم أغمضوا أكثر من أن يوضحوا. أغمضوا أكثر مما يوضحوا. فلما يأتي يدخل في تعريف الأشياء بهذه الماهيات وبهذه القواعد، صاروا بهذا يضعون الناس في زيادة بعد في معرفة الشريعة. وهذا الذي فعله هؤلاء، فلما نقل هؤلاء هذه الأشياء، فنظر بعض من غلب جانب العقل على جانب الشرع، اغتر بهذا الجانب، أن هؤلاء عندهم معرفة في مكونات الأشياء. فلما يأتي لما يقول: الإنسان حيوان، يقول: فعلا هو من جنس الحيوان، وناطق، فعلا هو من جنس الناطق، ومائت، أي من جنس الذي يموت، فاغتر بمثل هذا. قال: حتى يكون عندنا قواعد نسير عليها، نميز بين الحيوان وغير الحيوان، وبين الناطق من غير الناطق، وبين المائت من غير المائت. فرد عليهم بعض أهل الشرع، قالوا: لو سلكتم بهذا المسلك، مع إغماضكم وإيهامكم، فإنكم لا تنتهون من القيود والشروط، تحتاجون إلى قيود وشروط كثيرة. تحتاجون تزيدون: عاقل، ما يكفي هذه الثلاثة، ما كفت. فهناك ناطق الببغاء ناطق، ومائت، ولكنه ماذا؟ غير عاقل. وقس على ذلك في أشياء كثيرة. فإذن مثل هذا أوقع كذلك هذا المعنى في إدخال بعض هذه العلوم. الأمر الثالث: الإغراب الذي سلكه بعض من كتب في هذه العلوم، كانوا يرون أن كلام الناس متكرر، فيريد أن يغرب حتى يلفت الانتباه إليه. يريد أن يغرب فيلفت الانتباه إليه، مثل ما كان أهل الحديث عنده أحاديث معروفة، فيأتي إنسان، وأهل الغرائب كما قال إمام مسمين وغيره: قال: من غرابتها فرأت، يعني الذي يأتي بالغريب غالبًا يكون من الضعيف والموضوع، وما لا أصل له. وهؤلاء كذلك، ومثل الذين انشغلوا في باب اللغة كذلك إلى إغراب في الألفاظ، فتشدق البقر الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك الإغراب في العلوم، صار بعض الناس يظن أن كتاباته ستكون أقوى إذا أتى إليها بأشياء غريبة. ومن أين تأتي هذه الغرائب؟ يأخذها من كتب المنطقيين وأهل الكلام وغير ذلك، ويبدأ يتكلم. فإذا لم يعرفها بعض من كتب هذا العلم، تفاخر وتعالى على أقرانه بأنه ذكر أشياء ما عرفها غيره. وبمثل هذا تدرج دخول مسائل علم الكلام في كتب أهل الإسلام. والصواب والأحرى كما ذكر رحمه الله: أن تخرج هذه الأشياء من هذا العلم، أن تخرج هذه الأشياء من هذا العلم. فخلاصة ما أشار إليه رحمه الله: أن طريقة الجمهور، وطريقة الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة والعلماء والأمة، هو الوصول للمقصود بأيسر وأسهل طريق. ومن ذلك التعريف، وهذا هو قوله رحمه الله في الحدود ومعرفة كذلك الماهيات. فقوله: كون هذه الأشياء، أي ماهيات هذه الأشياء، ماهيات هذه الأشياء. وقوله: الجواهر والأعراض، الجواهر أي الذوات والأجسام، والأعراض أي الأوصاف. وهذه من اصطلاحات المنطقيين، من اصطلاحات المنطقيين. وقوله: الحدود، أي التعاريف، أي التعاريف. وكذلك أشار رحمه الله تعالى في ثنايا ذلك إلى مسألة التصديق وما يلحق به، وهو يشير بهذا أن الأدلة الشرعية فيها غاية من السهولة واليسر. فإذا كان الأمر لا يحتاج إلى تدليل، فالواضح لا يحتاج إلى توضيح. وإذا احتاج إلى تدليل، فإنه يؤتى له بما يؤكده ويبرهن صحته، كما بيّن في هذه الأمثلة التي ذكرها رحمه الله تعالى. فهذه الأدلة توضح يسر وسهولة الأدلة الشرعية في التعامل مع المسائل. وهكذا كذلك مع النقاش للمؤالف والمخالف. والمراد بالمؤالف، أي الموافق، والمخالف، أي الذي على غير الطريق. فالخطاب الذي يسلك مع المسلمين: يا أيها الذين آمنوا، كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، ونحوها من الخطابات التي تتعلق بالمسلمين، سهلة يسيرة. والخطابات التي تتعلق بالكافرين، سواء كانوا عربًا أو عجمًا، كذلك سهلة يسيرة، كذلك. فليس فيها شيء من التكلف، ولا كذلك ماذا؟ النظم الذي يزيد في الإغمار، بل غاية في اليسر والتسهيل. هذا ما أشار إليه. وخلاصة ما ذكره رحمه الله في هذا الفصل، وفي ثنايا الكلام، عبارات هي من عبارات المتكلمين والمنطقيين، أوردها رحمه الله تعالى ليستدل بها على ما سلكوه من الغموض في كتاباتهم، وفي تعريفاتهم فيما يتعلق بهذا العلم. فأراد رحمه الله أن يبين أن مثل ذلك لا ينبغي أن يكون في ثنايا كتب هذا العلم، علم الأصول. وليس هو من مقاصد الشريعة الصحيحة، بل مقاصد الشريعة تدعو إلى أن يوصل هذا الدين بأيسر وأسهل وأوضح طريق. وما سلكه هؤلاء ليس كذلك. إلى هنا، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.