الدرس في شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ منهج بعض العلماء في التعامل مع العلوم الشرعية ويبين ابتعادهم عن منهج السلف. يشير إلى أهمية التمسك بالكتاب والسنة وسنة السلف.
يُشدد على أن العلم وسيلة للعمل وليس غاية في ذاته، ويستدل بالآيات والأحاديث على أهمية العلم النافع. يُميز بين العلم النافع وغير النافع.
يؤكد على أهمية الإخلاص في طلب العلم ويحذر من الطلب للتباهي أو الكسب الدنيوي. يعرب عن رغبته في الاستمرار في استكمال المقررات مع المستمعين.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح مقدمة كتاب الموافقات للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السابع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. إنه لا بد أن يكون مهمتنا هذه للحق ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنظراً لما ذكره المولى رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالمألوف عند الجمهور وعند غيرهم فيما يتعلق بهذه الشريعة، وكيف أن الشريعة سلكت مسلكاً في هذا الباب، حصد بالفرقان بين هذه الحقائق، ما هو هذا المسلك؟ أسلوب السلف اليسير، فهذا هو طريقة الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة وعلماؤها وأئمتها. وهذه هي الطريقة التي تعامل بها عموم الأمة. وما سلكه بعض الناس من سلوك الطرق الصعبة والوعرة في إيصال العلوم، هو من التكلف، مع ما فيه من المكاسب الكثيرة. وسبب ذلك يرجع إلى ثلاثة أمور. الأول: التمسك بالتلقه عندهم، وليس طريقة السلف، وليس كتاباً وسنة، وما كان عليه سلف الأمة. الثاني: أخذوا ما هو من العلوم اللغوية والفلسفية واستخدموها بالعلوم الشرعية، وما يسمونه بالعلوم العقلية. وهذا خطأ. الثالث: أخذوا من علم الطب والهندسة وغيرهما من العلوم والقواعد والقوانين، واستخدموها في القسم الشرعي. وهذا من أفطر الأمور. فالتلقين عندهم ليس طريقة السلف، ليس كتاباً وسنة، وما كان عليه سلف الأمة. وأما الثاني، فهو أنهم يتخيرون ما يصدق هواهم. وأما الثالث، فهو استخدامهم للعلوم اللغوية والفلسفية في العلوم الشرعية. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وقال هو التحليل: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فالتوحيد لا بد له من طلب التعبود لله وحده، أو زين مقتضى له، بل لجليل التوحيد. هذا ما يريده بصائر السؤال، أن لا تذكر إلا أجله. وهو واضح، لأن التعبود لله هو المقصود من العلم. وما يأتي به البعض لا يتصف بصادق ما يأتي به، لمدينة كانت على أن روح العلم هو العمل، وإلا فالعلم آلة وعرض السعي به. قال الله تعالى: ﴿رَفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وقال: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. وقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ الضَّالِّينَ﴾. وقال قوم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. وعلى هذا، فإن العلم وسيلة من الوسائل، ليس مقصوداً لنفسه في كل نظر شرعي، وإنما هو وسيلة للعمل. وكل ما ورد في فضل العلم، فإنما هو وسيلة لجهة ما هو متعلق بعمله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة». وقال الحسن رحمه الله: «يعتبر الناس بأعمالهم، ودعوا أقوالهم، فإن الله لم يدع قولاً إلا جعل له عملاً يصير به إليه». وقال ابن سيرين: «إن الناس أحسنوا القول، فمن وافق قوله عمله، فذلك الذي أصاب الحق». وقال الثوري: «إنما أهلك الخلق اتباعهم أقوال العلماء، وتركهم أعمالهم». وعلى هذا، فإن العلم الشرعي الصحيح هو الذي يُراد به العمل. فهو علم لابد أن يُفهم منه العمل. وهذا أعظم ما يُميز العلم النافع من غيره. وثانيها: أنه يُذمر التعبد لله وحده. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وقال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد». وقال: «كل عمل ليس عليه أمر الله، فهو مردود». وأورد رحمه الله تعالى إشكالين وأجاب عليهما. الإشكال الأول: لا ينافي كون العلم الذي ينفع أن يكون العلم بنفسه فيه فضل. والإشكال الثاني: هل يمكن أن يوجد علم مع عدم عمل؟ الجواب: نعم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. فالعلم وسيلة، وأعلى ذلك العلم بالله. وردت فيه فضيلة لصاحبه، حتى ينصر به قبل التباهي. وهو الإيمان بالله. فإن كان هذا التناقض، فإنه ليسط العلم بالله لأجل ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». وقال: «إن العلماء ورثة الأنبياء». وقال: «من تعلم علماً لغير الله، أو يبتغي به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار». وأورد رحمه الله تعالى قصراً يبين أموراً متعلقة بما ينافي العلم الصحيح. أولها: أن يقصد بالعلم ما ينافي الإخلاص به. وثانيها: أن يقصد بالعلم الكداء، لا لأجل المقصد الشرعي الصحيح. وثالثها: أن يكون من الأمر الخفيف الذي قد لا يظهر لكل أحد، ولكن يعلمه بنفسه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علماً لغير الله، أو يبتغي به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار». وقال: «إنما الأعمال بالنيات». وقال: «كل عمل ليس عليه أمرنا، فهو رد». فإذا تعارض هذا الجهاد مع مصلحة الإنسان بنفسه، ومع المصلحة المتعدية، فأيهما يقدم؟ الصحيح: أن الإنسان عارف نفسه، فإن كان يستطيع أن يجاهد نفسه، وكانت المصلحة مترجحة، فيقدم مصلحته. وإن كان الأقوى يعرف من نفسه أنه سيغلب وسيجبن، فلا يحرق نفسه ليغيظ للناس. والأمر الثالث الذي أشار إليه رحمه الله تعالى: هو من يكون من الأمر الخفيف الذي قد لا يظهر لكل أحد، ولكن يعلمه بنفسه. وعلى هذا يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «استفت نفسك، وإن أفتاك الناس وأفتوك». قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾. وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وإن شاء الله تتمة المخاطبة التي بعدها. والله خيراً. بهذا اليوم نكون قد انتهينا من الدورة. وإن شاء الله ينتهي إخواننا أصحاب الاختبارات. والذي يدخل بالاختبار يعادل المقررات السبع. ومن أحب أن يواصل معنا في الأيام القادمة، فسنستمر حتى نكمل المقررات كاملة. والله المستعان.