شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 9

شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 9

الدرس في شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح المقدمة التاسعة وتقسيم العلم

يشرح الشيخ المقدمة التاسعة للإمام الشاطبي ويقسم العلم إلى أقسام، مع التركيز على القسم الأول الذي يعتبر العلم الأصيل. يميز بين العقليات والنقليات في إفادة العلم القطعي.

أقسام العلم وخصائص كل قسم

يناقش المقطع أقسام العلم وخصائص كل قسم، حيث يميز بين العلم القطعي والعلم الظني، ويشرح خصائص العلم القطعي ثم ينتقل إلى القسم الثاني من العلم.

ملح العلم وفضوله وأقسامه

يتناول الموضوع ملح العلم وفضوله، ويعدد المؤلف تسعة أمور تعد من فضول العلم، ويشرح أقسام ملح العلم وخصائصها وكيف يمكن أن ترتقي بعض الأقسام إلى مرتبة العلم الأصيل.

استثناءات الوفاق وأهميتها

يناقش أن حصول الوفاق في بعض الأمور قد يكون استثناءً وليس قاعدة عامة، ويبرز أهمية فهم القواعد العامة مع مراعاة الاستثناءات.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح مقدمة كتاب الموافقات للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ عبد الله بالمرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس التاسع. قال الإمام الشاطبي رحمه الله: المقدمة التاسعة: «من العلم ما هو منه العلم لا من صلبه، ومنه ما ليس من صلبه ولا منحه». فهذه ثلاثة أقسام. القسم الأول هو الأصل والمعتمد، والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين. وذلك ما كان قطعيا وراجعا إلى أصل قطعين. والشريعة المحمدية منزلة على هذا الوجه. ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. لأنها ترجع إلى أحوط المقاصد التي بها يكون صلاح الدارين، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات وما هو مكمل لها ومتعلق بأطرافها. وهي أصل الشريعة. وإن قامت البراهين القطعية على اعتبارها، وسائل الفروع مستمدة إليها. فلا إشكال في أنها علم أصيل راسخ الأساس، ثابت الأركان. هذا وإن كانت وضعية لاعقلية، فالوضعيات قد تجاري العقليات في إفادة العلم القطعي. وعلم الشريعة من جلها، إذ العلم بها مستفاد للاستقراء التام، أنه من شدة أفرادها حتى تصير في العقل مجموعة في كليات مضطردة عامة، ثابتة غير زائلة ولا متغيرة، حاكمة غير محكوم عليها. وهذه خواص كليات العقليات. وأيضا فإن الكليات العقلية مقتبسة من الوجود، وهو أمر وضعي لاعقلي. فاستوت مع الكليات الشرعية لهذا الاعتبار، وارتفع الفرق بينهما. فإذا لهذا القسم خواص ثلاث، بهم يمتاز عن غيره. إحداها: العموم والاضطراد. فلذلك جرت الأحكام الشرعية في أفعال المكلفين على الإطلاق. وإن كانت إحدى الخاصيات لا تتناهى. فلا عمل يفرض، ولا حركة ولا سكون ينبع، إلا والشريعة عليه حاكمة، إفرادا وتركيبا. وهو معنى قولها: عامة. وإن فرض في نصوصها أو معقولها قصور ما، فهو راجع إلى علوم كالعرايا وضرب الدية على العاقلة، والقراض والمساقات، والصاع في المصراة، وأشباه ذلك. فإنها راجعة إلى أصول حاجية أو تحسينية أو ما يكملها، وهي أمور عامة. فلا خاصة في الظاهر إلا وهي عامة في الحقيقة والاعتبار. وفي أبواب الفقه يبين ذلك. والثانية: الثبوت من غير زوال. فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخا، ولا تخصيصا لعمومها، ولا تقييدا لإطلاقها، ولا رفعا لحكم من أحكامها. لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال. بل ما أثبت سببا فهو سبب أبدا لا يرتفع. وما كان شرطا فهو أبدا شرط. وما كان واجبا فهو واجب أبدا. أو مباحا فهو مباح أبدا. وهكذا جميع الأحكام. فلا زوال لها ولا تبدل. ولو فرض لقاء التكليف إلى غير نهاية، لكانت أحكامها كذلك. والثالثة: كونها حاكمة لا محكوما عليها. بمعنى كونها مفيدة لعمل يترتب عليه، مما يليق بها. فلذلك انحصرت علوم الشريعة فيما يفيد العمل أو يصوب نحوه، لا زائد على ذلك. ولا تجد في العمل أبدا ما هو حاكم على الشريعة. وإلا قلب كونها حاكمة إلى كونها محكوما عليها. وهكذا سائر العلوم. فإذا كل علم حصر له هذه الخواص الثلاث، فهو من صلب العلم. وقد تبين معناها، والبرهان عليها في أثناء هذا الكتاب. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه المقدمة التاسعة من المقدمات التي قدم بها هذا الكتاب العظيم النافع الماتع. وفي هذه المقدمة مسائل عدة، أقسام وتفريعات وتفاصيل، وتحت كل ذلك تأصيلات وعدة جمل وعبارات. وكل هذا لإيصال شيء، وهو ما أشار إليه في بداية هذه المقدمة، وهو أن العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: منها ما هو صلب العلم، وهو المعتمد، كما ذكر. إما قطعي أو يرجع إلى قطعي. ومنها ما هو ملح، يعني ليس من الأصل. ومنها ما هو ليس صلبا ولا ملحا. وسيأتي الكلام على هذه الأقسام الثلاثة إن شاء الله. ولأن هذه المقدمة طويلة، وفيها عبارات كثيرة تحتاج إلى وقفات. فحسبنا أن نقف على أهم ما يظن أنه ينبغي الوقوف عليه. فيقال باختصار: القسم الأول الذي أشار إليه، يريد أن يشير به رحمه الله إلى أصل الشريعة. فالعلم المقصود به ها هنا هو علم الشريعة، الذي هذا الكتاب يدور حوله. فهو يتكلم عن مقاصد الشريعة. فهذا العلم بهذا الاعتبار الذي هو صلب العلم وأصله، قال رحمه الله: أنه قطعي أو يرجع إلى قطعي. وقد تقدم معنا الكلام على هذا في المقدمات السابقة، بما يغني عن الإعادة. لأن ما سمي قطعي أولا، اختلف فيه. فمنه المتواتر المتفق عليه، ومنه سواء مما ذكر ونص عليه، أو كان بقول الأكثرين منهم. ومنه ما هو ليس بمتواتر، ولكن تحتف به بعض القرائن، فيرتقي بمرتبة المتواتر والقطعي. وتقدم هذا. ولهذا قال: قطعي أو راجع إلى أصل قطعي. وهذا الراجع إلى أصل قطعي، باعتبارات معناه، أو باعتبارات أخرى، فهو يصير مثل القطعي. ثم أوضحها هنا بثلاثة أشياء: الشيء الأول، بين في هذا القسم أن معنى القطعي لا ينحصر في العقليات. فجعل مقارنة بين العقليات والنقليات. فما كان من النقل قطعيا، اعتبره الكثير ممن تكلم في هذا العلم، أنه بمثابة القطعي. ولكن إن نظرنا إليه بنظرة عدل، سألنا: كيف صار العقلي قطعي؟ كيف صار العقلي قطعي؟ أشار رحمه الله هنا: أنه إنما صار العقلي قطعي باعتبار ماذا؟ التجربة، وكذلك التكرار، حتى صار هذا العقلي في الوجود قطعي. ولو تأملناه لعلمنا أنه يرجع في الحقيقة إلى معنى ليس بقطعي. إلى معنى ليس بقطعي. وهذا هو الذي يريد أن يصل إليه. يقول: كما أن العقليات بالتجربة صارت قطعية، فكذلك النقليات، فإن منها ما هو قطعي بلا شك ولا خلاف. ومنها ما علم بالقرائن المحتف به، أنه يصير بمعنى القطعي. بل هو أولى من بعض تلك العقليات. فجعل هذه المقارنة، لأن الكليات المقتبسة في العقليات، مقتبسة من الوجود. والوجود أمر وضعي. مثال ذلك: كيف علمنا أن النار محرقة؟ هذا عقلي. ليس كذلك. بماذا؟ بالحس. والحس شيء وجودي. فهو مقتبس من أين؟ من الوجود. كما قال: مقتبس من الوجود. بالحس علمنا أن النار محرقة. وبالحس علمنا أن كل ما أدخل في النار فإنه سيحترق. هذا الذي اتفق عليه العقلاء. نكتشف كذلك بالوجود والحس، أن فيه استثناءات. صحيح أم ليس بصحيح؟ صحيح. عند من يأخذ بالعقل فقط، سيقبل بعض الاستثناءات، وبعضها لن يقبلها. فهناك من الألبسة، وهي معروفة، كان يستخدمها بعض السحرة والكهنة، فيدخلون في النار ولا يحترقون. وبعض ما يدهن به، فيدخل في النار فلا يحترق. اليوم، هل هذا يخفى؟ ما يخفى عند الكثير ممن له معرفة، يعرف أنه بالتجربة علم أن هناك أشياء تدخل في النار ولا تحترق. ما الذي أثبت هذا؟ الذي كان بالأمس مشكوك فيه. العقليات كما يقولون: قطعية. ينبغي أن لا يختلف فيها. لا في زمان ولا في مكان. هذا معنى العقلي عندهم. بينما بعض العقليات صارت في زمان سابق مشكوك فيها، بل مكذبة. وفي زمان لاحق صارت ماذا؟ عقلية متفق عليها. كيف هذا؟ لأن هذه الحقيقة وصل إليها بالتجربة، وبوجودها. لو قيل لإنسان في السابق: الحديد يتكلم، هل سيقبل هذا؟ ما سيقبل. اليوم، شيء عادي. حديد يتكلم، شيء عادي. ها أنت ترى صورة الإنسان، هو نفسه أمامك. في الماضي، ما أحد سيصدقك. اليوم، صار شيء عجيب. بل الخيال يأتي بشيء أوسع من هذا. أنك تشوف هذه الصور كأنها موجودة. يعني كم يقولون الآن: الشاشات الثلاثية الأبعاد، توجد ثلاثية الأبعاد في الشاشة. الآن، يوجد ثلاثية الأبعاد في الهواء. يعني لو أنت من الزمان الأول، ربما تظن أنك تعانق تظن أنه في شيء أمامك، وهو خيال، ليس شيء أمامك. بالإضاءات، صار هذا العقل صار يقبل مثل هذا. كيف قبله؟ بالتجربة. فإذا ليس كل ما قيل فيه: عقلي، فإنه ماذا؟ قطعي. بل من العقل ما هو ليس بقطعي. طيب، فإذا أخبرنا الله سبحانه وتعالى، وقوله الحق، بأن النار كانت بردا وسلاما على إبراهيم، هل نشك بهذا؟ ما نشك بهذا. بل نحن على يقين في هذا الخبر الذي أخبرنا الله به، أعظم من أن نخبر بأن النار محرقة، أو أن الثلج مبرد، ونحو ذلك. فلماذا؟ لأن من القطعي في النقل، ما هو أعظم من القطعي في العقل. بل ما احتف به مما لم يسمى قطعي في النقل، قد يكون أقوى من بعض العقلي. هذا الذي أراد أن يوصله رحمه الله تعالى. وهذا صحيح. والذي يعلم صدق ما جاء عن الله، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يشك بهذا. بل لا يحتاج أن يسأل: هل هذا خبر متواتر أو لا؟ ما دام صح عن الله، أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنحن لا نشك به. أهل الإسلام الذين آمنوا بالله، ورضوا به ربا، وبالإسلام دين محمد صلى الله عليه وسلم نبيا، يؤمنون بكل ما نقل في الشرع، وصح. ولو كان خبر واحد، أعظم من إيمانهم بالعقليات. هذا يقين، ولا يشك بهذا أحد. بل هذا أقوى من تلك العقليات. قد يخالف بعض الناس، لا نبالي بهم. نحن لا نشك أن الجذع حن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن حجرا رد السلام على النبي صلى الله عليه وسلم. حتى لو قالوا: هذه أخبار آحاد، ما نقبلها. نحن لا نشك أن الإسراء والمعراج حقيقي، كان بروح وجسد النبي صلى الله عليه وسلم. أما العقلانيون، يقولون: ماذا؟ كان الإسراء والمعراج للروح، ليس للجسد. لأن العقل يحيل هذا. لكن عند من آمن، وقوي إيمانه، يعلم أن العقل لا يحيل هذا. إذا كان اليوم على رفعة الإنسان، يستطيع أن يصل إلى أعلى أماكن بالفضاء، كيف لا يمكن هذا لرب السماوات والأرض أن يقدر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يفعل مثل هذا؟ فالشاهد، هذا خلاصة ما أردنا أن نذكره. ثم قدم، ثم بين. قال: وهذا القسم له ثلاثة خواص. الخاصية الأولى: أن فيه العموم والاضطراد. يعني من علامات هذا العلم الذي هو صلب العلم، أن فيه العموم والاضطراد. يعني يكون مضطردا وعاما، ليس فيه ما ينافي هذا العموم والاضطراد. بخلاف ما هو دونه. وسيأتي في القسم الثاني والثالث. ثم ضرب بعض الأمثلة في هذا، ليبين ويبرهن على هذا المعنى. فما علم من الشرع بهذا الوجه، فهو يقين. وهو كذلك أصل وقطع في هذا الباب. ما في أحد من عوام المسلمين يشك في فرضية الصلاة الخمس. ما أحد يشك. لكن عند أهل التأويل والتخيل، يشكون. ولذلك جعلوا أن هذه الشريعة، كما ذكر شيخ الإسلام وغيره، لها ظاهر وباطن. فالظاهر ما يظهر للناس، والباطن ما ظنوا أنهم يعلمونه. فلذلك كذبوا بالكثير من الشرع، مما هو في الحقيقة قطع، ولا شك فيه. فهذا الأمر الأول، أو الخاصية الأولى. والخاصية الثانية، قال: الثبوت من غير زوال. يعني لا يحصل لها النسخ. فما كان من هذا القسم من العلم، فإنه لا يحصل له نسخ. ولا ينافيه أنه كان بعد أن لم يكن. فهذا لا ينافي أنه ماذا؟ من هذا النوع من العلم. بل على الصحيح، ولو حصل فيه نسخ بعد ثبوته بالشرع، فإنه يكون من القطع. مثلا: تحريم الخمر، تدرج الشرع بتحريم الخمر. هل هذا قطعي أو ليس بقطعي؟ الصحيح أنه قطعي. ما في شك بهذا. ولو حصل فيه تدرج بالحكم، واختلف أهل العلم: هل هذا التدرج كان نسخا، أو بداية التشريع، أو تدرج في تشريع؟ وسواء كان الأول أو الثاني، فلا خلاف بأنه هو في النهاية ماذا؟ قطعي. والأمر الثالث: كون هذا القسم حاكما لا محكوما عليه. حاكما لا محكوما عليه. وبمعنى آخر: أنه تتفرع منه أشياء، وليس هو متفرع من غيره. وهو يتسلط على غيره، ولا يتسلط غيره عليه. وهذا مما يوصف به هذا القسم. وذلك تأكيدا أنه من القطعي. تأكيد أنه من القطعي. فبعض الأحكام قد تكون ليست كذلك، وهي التي سيأتي ذكرها إن شاء الله في القسم الثاني والقسم الثالث. طيب، قال رحمه الله: والقسم الثاني، وهو المعدود في ملح العلم، لا في صلبه، ما لم يكن قطعيا، ولا راجعا إلى أصل قطعي. بل لا ظني، أو كان راجعا إلى قطعي، إلا أنه تخلف عنه خاصة من تلك الخواص، أو أكثر من خاصة واحدة. فهو مختل، ومما يستفز العقل ببادئ الرأي والنظر الأول، من غير أن يكون فيه إخلال بأصله، ولا بمعنى غيره. فإذا كان هكذا، صح أن يعد في هذا القسم. فأما تخلف الخاصية الأولى، وهو الإطراد والعموم، فقادح في جعله من صلب العلم. عدم الإطراد يقوي جانب الاضطراب، ويضعف جانب الاعتبار. إذ النقص فيه يدل على ضعف الوثوق بالمقصد الموضوع عليه ذلك العلم. ويقربه من الأمور الاتفاقية الواقعة من غير قصد. فلا يوثق به، ولا يبنى عليه. وأما تخلف الخاصية الثانية، وهو الثبوت. فيأباه سلم العلم وقواعده. إنه إذا حكم في قضية، ثم خالف حكمه الواقع في القضية، في بعض المواضع أو بعض الأحوال. كان حكمه خطأ وضلالا. من حيث أطلق الحكم فيما ليس بمطلق، أو عدم فيما هو خاص. فعدم الوثوق بحكمه. وذلك معنى خروجه عن سلم العلم. وأما تخلف الخاصية الثالثة، وهو كونه حاكما ومبنيا عليه. فقادح أيضا. لأنه إن صح في العقول، لن يستفد فيه فائدة حاضرة، غير مجرد راحة النفوس. فاستوى مع سائر من يتفرج به. وإن لم يصح، فأحرى في الاتراح. كمباحث السفسطائيين، ومن نحا نحوهم. ولتخلف بعض هذه الخواص أمثلة، يلحق بها ما سواها. أحدها: الحكم المستخرج لما لا يعقل معناه على الخصوص في التعبدات. كاختصاص الوضوء من الأعضاء المخصوصة، والصلاة بتلك الهيئة، برفع اليدين والقيام والركوع والسجود. وكونه على بعض الهيئات دون بعض. واختصاص الصيام بالنهار دون الليل. وتعيين أوقات الصلوات بتلك الأزمنة المعينة دون ما سواها من أزمنة الليل والنهار. واختصاص الحج بالأعمال المعلومة، وفي الأماكن المعروفة، وإلى مسكن مخصوص. وأشباه ذلك مما لا تهتدي العقول إليه بوجه، ولا تقور نحوه. فيأتي بعض الناس فيطرق إليه. فيكره من يزعم أنها مقصود الشارع من تلك الأوضاع. وجميعها مبني على ظن وتخمين، غير مطرد في بابه، ولا مبني عليه عمل. بل كالتعليم بعد السماع للأمور الشاذة. وربما كان من هذا النوع ما يعد من القسم الثالث، لجنايته على الشريعة في دعوى ما ليس لنا به علم، ولا دليل لنا عليه. والثاني: تحمل الأخبار والآثار على اتزام كيفيات لا يلزم مثلها، ولا يطلب اتزامها. كحديث المسلسلة التي أتي بها على وجوه ملتزمة في الزمان المتقدم، على غير قصد. فالتزمها المتأخرون بالقصد. فصار تحمله على ذلك القصد تحريا له. بحيث يتعنى في السياحة لها، وينحث عنها بخصوصها. مع أن ذلك القصد لا ينبني عليه عمل، ولا يصحبه العمل. لأن تخلفه في أثناء تلك الأسانيد لا يقدح في العمل بمقتضى تلك الأحاديث. كما في حديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن». فإنهم التزموا فيه أن يكون أول حديث يسمعه التلميذ من شيخه. فإن سمعه من غيره، لم ينبن ذلك الاستفادة بمقتضاه. وكذلك سائرها. غير أنهم التزموا ذلك على جهة التبرك وتحسين الظن، خاصة. وليس بمطرد في جميع الأحاديث النبوية، أو أكثرها. حتى يقال: إنه مقصود. فطلب مثل ذلك من ملح العلم، لا من صلبه. والثالث: التأليف في استخراج الحديث من طرق كثيرة، لا على قصد طلب تواتره. بل على أن يعد آخذا له عن شيوخ كثيرة، ومن جهات شتى. وإن كان راجعا إلى الآحاد بالصحابة أو التابعين أو غيرهم. فالاشتغال بهذا من الملح، لا من صلب العلم. خرج أبو عمر بن عبد البر، وأبو حمزة بن محمد الكناني. قال: خرج حديثا واحدا عن النبي صلى الله عليه وسلم من مئتي طريق، أو من نحو مئتي طريق. قال: فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل. ويعجبني بذلك. فرأيت يحيى بن معين في المنام. فقلت له: يا أبا زكريا، قد خرجت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم من مئتي طريق. قال: فزجر عني ساعة. ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت الهاجرة التكاثر. هذا ما قال. وهو صحيح في الاعتبار. لأن تخريجه من قرب يسيرة، تاف في المقصود منه. فصار الزائد على ذلك فضلا. والرابع: العلوم المأخوذة من الرؤية، مما لا يرجع إلى إشارة، ولا نذارة. إن كثيرا من الناس يستدلون على المسائل العلمية بالمنامات، وما يتلقونه منها تصريحا. فإنها وإن كانت صحيحة، فأصلها الذي هو الرؤية، غير معتبر بالشريعة في المكاشفات. كما في رؤية الكناني المذكورة آنفا. فإن ما قاله فيها يحيى بن معين صحيح. ولكنه لم احتج به، حتى عرضناه على العلم في اليقظة. فصار الاستشهاد به مأخوذا من اليقظة، لا من المنام. وإنما ذكرت الرؤية تأنيسا. وعلى هذا يخرج ما جاء عن العلماء من الاستشهاد بالرؤية. والخامس: المسائل التي يختلف فيها، فلا ينبني على الاختلاف فيها فرع عملي. إنما تعد من الملح. كالمسائل الملغاة عليها، قبل في أصول الفقه. ويقع كثير منها في سائر العلوم، وفي العربية منها كثير. فمسألة الشقاق الفعل من المصدر، ومسألة اللهم، ومسألة أشياء، ومسألة الأصل في بعض الإسم. وأن البناء البحث فيها على أصول مطردة. ولكنها لا فائدة تجنى ثمرة من الاختلاف فيها. فهي خارجة عن صلب العلم. والسادس: تحقيق المعاني العلمية والعملية. وكثيرا ما يجري في مثل هذا لأهل التصوف في كتبهم، وفي بيان مقاماتهم. فينتزعون معاني الأشعار، ويضعونها للتخلق بالاختلاق. وهو في الحقيقة من الملح. إلا في الأشعار الرقيقة من إيمانية الطباع، وتحريك النفوس إلى الغرض المقصود. ولذلك اتخذه الواعظ دينا، وأدخله في أثناء وعظهم. وأما إذا نظرنا إلى الأمر في نفسه، فالاستشهاد بالمعنى، وإن كان شرعيا، فمقبول. وإلا فلا. والسابع: الاستدلال على تثبيت المعاني بأعمال مشار إليها بالصلاة، بناء على مجرد تحسين الظن، ما زائد عليه. فإنه ربما تكون أعمال جمة، حسنا. ومذكور في كتب الاجتهاد. فإذا أخذ ذلك بإطلاق، فيمن يحسن الظن به، فهو عديم الضبط. ومن هذا القسم، لأي ميل الناس إلى من ظهر منه صلاة وفضل. ولكنه ليس من صلب العلم، لعدم اقتراض الصواب في عمله، ولجواز تغيره. فإنما يؤخذ إرساء هذا الباعث، والثامن: كلام أغمار الأحوال من أهل الولاية. فإن الاستدلال به من قبيل ما نحن فيه. وذلك أنهم قد أوغلوا في خدمة مولاهم، حتى أعرضوا عن غيره جملة. فما نطقوا به، إلى أن تكلموا بلسان الاضطرار لكل ما سوى الله. وأعرضوا عن مقتضاه. وشأن من هذا شأنه، لا يطيقه الجمهور. وهم إنما يكلمون به الجمهور. وهو إن كان حقا، ففي رتبته لا مطلقا. لأنه يخشى في حق الأكثر من الحرج، أو تكليف ما لا يطاق. بل ربما ذم بإطلاق. بل ربما ذم بإطلاق ما ليس بمذموم، على وجه دون وجه، وفي حال دون حال. فصار أخذه بإطلاق، موقعا في مفسدة. بخلاف أخذه على الجملة. فليس على هذا من سنن العلم. وإنما هو من ملح العلم، ومستحسناته. والتاسع: حمل بعض العلوم على بعض، في بعض قواعده. حتى تحصل الفتيا في أحدها، بقاعدة الآخر. بغير أن تتفق القائمتان في أصل واحد حقيقي. كما يفخر الفراء النهوي أنه قال: من برع في علم واحد، سهم عليه كل علم. فقال له محمد بن الحسن القاضي، وكان حاضرا في مجلسه ذلك، وكان بخيلا: فأنت قد برعت في علمك، فخذ مسألة أسألك عنها من غير علمك. ما تقول في من سها في صلاته، ثم سلم نساؤه، فسهى في سجود السهو أيضا؟ قال الفراء: لا شيء عليه. قال: وكيف؟ قال: لأن التصحير عندنا لا يسخر. فكذلك السهو في سجود السهو، لا يسقط له. لأنه منزلة تصحيح التصحير. فالسجود للسهو، هو جبر للصلاة. والجبر لا يجبر. كما أن التصحير لا يسخر. فقال القاضي: ما حسبتك أما النساء يرد مثله. فأنت ترى ما في الجمع بين التصحير والسهو في الصلاة من الضعف. إلا أن يجمعهما في المعنى أصل حقيقي. فيعتبر أحدهما بالآخر. فلو جمعهما أصل واحد، لم يكن من هذا الباب. فمسألة الكسائي مع أبي يوسف القاضي، بحضرة الرشيد. رؤي أن أبي يوسف تخلل الرشيد، والكسائي منعه، ولمازحه. فقال له أبو يوسف: هذا الكوفي قد استفرغك، وغلب عليك. فقال: يا أبا يوسف، إنه ليأتيني بأشياء يشتغل عليها قلبي. فأقوى الكسائي على أبي يوسف. فقال له: يا أبا يوسف، هل لك في مسألة؟ قال: نعم. أم فقه؟ قال: بل فقه. فرح الرشيد حتى فحص برجله. ثم قال: ألق على أبي يوسف فقه. قال: نعم. قال: يا أبي يوسف، أفتني في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار. وفتح أم. قال: إذا دخلت، طلقت. قال: فأخطأت يا أبا يوسف. ورحك الرشيد. ثم قال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال: أب، فقد وقع الطلاق. وإن قال: إن، فلم يجب، ولم يقع الطلاق. قال: فكان أبو يوسف بعدها لا يدعو أن يأتي الكسائي. فهذه المسألة جارية على أصل المغوي. لا بد من البناء عليه في العلمين. فهذه أمثلة تمشش الناظر إلى ما وراءها. حتى يكون على بينة فيما يأتي من العلوم. ويذر. فإن كثيرا منها يستحسنها الناظر، باستحسانها ببادئ الرأي. فيقطع فيها عمره. وليس وراءها ما يعتد به، معتمدا في عمل أو اعتقاد. فيخيب في طلب العلم سعيه. والله الواحد. ومن طريف الأمثلة بهذا الباب، محدثنا بعض الشيوخ: أن أبا العباس من بذاء سئل. فقيل له: لما لم تعمل إن في هذه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾. فقال في الجواب: لما لم يؤثر القول في المقال؟ لما لم يؤثر القول في المقال؟ لم يؤثر العامل في المعمول. فقال السائل: يا سيدي، وما وجه الارتباط بين عمل إنا، وقول الكافر في النبيين؟ فقال له المجيب: يا هذا، إنما جئتك بنوارة، يحسن رونقها. فأنت تريد أن تحققها بين يديك، ثم تطلع منها ذلك الرونق. أو كلاما هذا معناه. فهذا الجواب فيه ما ترى. ومعرضه على العقل، يتبين ما بينه وبين ما هو من صلب العلم. أورد رحمه الله تعالى هذا القسم الثاني، مما هو معدود في ملح العلم، لا بصلبه. وخلاصة هذا القسم: أنه ينقسم إلى قسمين. فإما منه ما يلحق بالعلم، ولكنه لحوقه به، فيه شيء من التفصيل، وغلبة الظن. ومنه ما لا يلحق بصلب العلم، ولكنه من الملح التي يستأنس، ويستفاد منها. ولا تترك بالكلية. وفي ثنايا ما ذكره رحمه الله، فوائد جمه، وأمثلة لطيفة، فيها من العلم الشيء الكثير. ويطول في هذا المقام، المقتصر الوقوف خلف كل ما ذكره، والتعليق على كل مثال وفقرة. ولكن حسبنا التنبيه على أهم ما ذكر، لنستفيد تأكيد هذا الأصل، الذي سبقت الإشارة إليه. أولا: أنه أشار رحمه الله في معنى هذا القسم، أنه ما تخلفت فيه تلك الخصائص الثلاث، التي قلنا في القسم الأول، وهو صلب العلم وأصله. ما توفرت فيه ثلاث خصائص: العموم والاضطراد، وكونه ثابتا لا يزول. وكونه حاكما لا محكوما عليه. مثال: إنما الرضاعة من المجاعة، مضطرد. إذا رضع الخمس الرضاعات المشبعات قبل السنتين، يثبت حكم الرضاعة. أو لا يثبت؟ يثبت. إذن هذا عام بكل أحد حقق هذا الوصف. ليس كذلك؟ بل ومضطرد. ثابت لا يزول. تتحقق خمس رضاعات مشبعات في السنتين، في سن الرضاع، يثبت الحكم، ولا يزول. حاكما لا محكوما عليه. يعني لا يلحق شيء من الاستثناءات والتقييدات وغير ذلك. نعم، هو كذلك. طيب، رضاع الكبير؟ فيه خلاف. ليس كذلك. فيه خلاف. إذن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لمولى أبي حذيفة، أن يرضع سالم. هل يضطرد؟ ها؟ فيه خلاف. إذن هو بمعنى الأول. هل عام؟ ها؟ لا. هل حصل فيه معنى العموم والاضطراد؟ فيه خلاف. ثبوت لا يزول؟ فيه خلاف. حاكم لا محكوم؟ فيه خلاف. إذن في أي قسم نضعه؟ هل نضعه في الأول، أو في الثاني؟ ها؟ في الثاني. نضعه في الثاني. لكن ممكن نرجح فيه، نستثني، نوجهه توجيهات. أو لا يمكن؟ الصحيح أنه يمكن. فهذا مما لا يقال: أنه لا يقاس عليه. بل يقال: يقاس عليه، بنفس الوصف، ونفس الشروط، ونفس القيود. لأن الشرع، وهذا من مقاصد الشريعة، لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. العلة في الإذن لسالم مولى أبي حذيفة، إذا وجد مثله، يؤذن لمثله. يؤذن لمثله. إنسان تبنى شخصا يتيما، وهذا الشخص كبير، يحتاج أن يرضع حتى تحصل به التحريم، ويدخل على أهل البيت. وليس له أهل. فهل يجوز أن يثبت به هذا الحكم؟ الصحيح أنه يجوز. وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وغيره. وضرب المؤلف رحمه الله هنا مثالا لما هو من هذا القسم، الملح، بأوصاف العبادات. كون الوضوء اختص بهذه الأعضاء. لماذا؟ هل بهذا مقصد شرعي؟ ذكر العلماء أشياء، لكن كما ذكر رحمه الله تعالى: هذه تخمينات. وهذه كذلك استئناسات. لكن أن نجعلها من مقاصد الشريعة التي ينبني عليها عمل، لا ما نستطيع أن نجعلها تدخل في باب مقاصد الشريعة التي ينبني عليها عمل. نعم، نذكر منها فوائد. نذكر منها أشياء. لكن في النهاية لا ينبني عليها عمل. كذلك ما ذكره في الصلاة، وفي الحج، وفي الصيام، وغير ذلك مما ذكره رحمه الله تعالى. ثم انتقل لذكر أقسام وصور تدخل تحت هذا القسم. وخلاصة هذه الأقسام الكثيرة التي ذكرها: أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام. قسم منها باعتبارات، يرتقي من قسم الملح إلى القسم الأول. لكن بشروط وقيود. مثل المثال الذي ضربناه في رضاع الكبير. رضاع الكبير هو من هذا القسم، وينتقل إلى القسم الأول بشروط وقيود. والقسم الثاني: وهو مما يستفاد من هذه الأقسام، أن بعض ما في هذه الأقسام، يستأنس بها. يستأنس بها. ولكن لا يستقل بها. فهي تثبت تبعا، لا تثبت استقلالا. مثل الرؤية. الرؤية يستأنس بها. ولكنه لا يستدل بها. نستأنس، ولا نستدل. فليس من مصادر التشريع. الرؤية من الصالحين أبدا. وإلا صار من الفوارق بين أهل الحق وأهل الباطل، القول بأخذ الأحكام من الرؤى. فالمتصوفة والباطنية، وكثير من أهل الضلال، حتى الخوارج، يمنون أحكاما من الرؤى. فيستدلون بها، مستقلة. يعني على وجه الاستقلال. وهذا ليس من طريقة الكتاب والسنة. وكل ما استدل به، إنما هو للاستئناس، لا للاستقلال والإنفراد. وأما القسم الثالث: وهو ما يحتاج إلى شيء من التفصيل، فيما يتعلق بأحد هذه العلوم. ما يتعلق بأحد هذه العلوم. مثل ما ذكره في المثال عن الكسائي رحمه الله. الأصل أن هذا العلم، علم اللغة، ليس ينفرد، أو يتفرد، بالوصول إلى الأحكام الشرعية به. لا يمكن أن يتوصل إلى الأحكام الشرعية به. يعني المثال الذي ذكره قبل ذلك، بين الفراء ومحمد بن الحسن، حصل فيه الوفاق. مع أن المسألة مختلف فيها. يعني ليس ما ذكره بحكم المسألة: أنه لا سهو لمن سها. السهو، ليس هذا متفق عليه. بل الفقهاء اختلفوا بهذا. وإن كان هو قول بعض الفقهاء، كأهل الرأي الحنفية. لكن هذا حصل فيه الوفاق. ولكن لا نجعل الاستدلال على المسائل الشرعية، يكون بالقواعد اللغوية أبدا. ما يكون هذا. هذا غير صحيح. ومن ظن أنه يمكن أن يكون مصدرا للتشريع، فإنه قد أخطأ. كما ذكر رحمه الله تعالى. وإنما حصل الوفاق. فهناك بعض الأشياء يحصل فيها الوفاق. وكون حصل فيها الوفاق، لا يعني أنها قاعدة مضطردة. واضح. ولهذا ذكرت في هذا القسم، القسم الثاني: أنه من الملح الذي لا يضطرد. فهذا فقط يكون ملحا من مل