الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 39، الدرس التاسع والثلاثون : من : (ونختم الكلام بخاتمة في بيان الفرقان بين الحق والباطل ... واتخاذ عباده من دونه أولياء إخلالاً بحقه ومعاداة له ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الله أمر بالإيمان بالأنبياء والرسل وطاعة محمد صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن على قلبه بوساطة جبريل. يجب الإيمان بمحمد وجبريل خصوصا.
يجب الإيمان بجميع الأنبياء دون تفريق، وطاعتهم واجبة كوسائط بين الله وعباده، مع التحذير من الغلو فيهم. التوكل على الله وحده دون غيره، وعبادته وحده.
ينتقد تفضيل زيارة القبور على أداء الحج، ويشبه هذا السلوك بالمشركين، ويعتبره إخلالا بحق الله ومعاداة لأوليائه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. يظهر بها طريق الهدى من الضلال، فذلك أن الله سبحانه كما تقدم التنبيه عليه أمرنا أن نؤمن بالأنبياء وما جاءوا به، ففرض علينا طاعة الرسول الذي أرسل إلينا ومحبته وتوقيره والتسليم لحكمه. وأمرنا أيضا أن لا نعبد إلا الله وحده ولا نشرك به شيئا، ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابا من دون الله. ميّز بين حقه الذي لا يشاركه فيه أحد لا ملك ولا نبي، وبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته وأنبيائه عموما، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل فخير مرسل، الذي جاءوا بالوحي قصصا. فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا، فاصطفى من الملائكة جبريل بسلامته، واصطفى من البشر محمدا صلى الله عليه وسلم. وأخبر أن هذا القرآن الذي نزل به إلى هذا الرسول مبلغا له عن الله، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ إلى قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿تَنْزِيلُ رُوحِ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾، يبين أن روح القدس نزل بآيات القرآن من ربه. فبعض الكفار لما زعم أنه يتعلم من بشر، فالله تعالى لينفي أن يكون الرسول تعلم من البشر قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، فدل على أن هذا اللسان العربي المبين تعلمه من الملائكة ولم يتعلمه من بشر ولا من تلقاء نفسه، بل جاء به روح القدس، وروح القدس هو جبريل وهو الروح الأمين. فإنه أكبر أن جبريل نزله على قلبه، وأكبر أن الروح الأمين نزل به عليه، فعلم أن جبريل وهو الروح الأمين، فقال هنا: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾، فعلم أنه روح القدس. فقال بصورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ كما ذكر ذلك في سورة النجم. فقال في سورة الحاقة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَاجِزِينَ﴾. فهذا محمد صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه الكلام، وهذا قول عامة العلماء. وقد غلط بعض من شذ فزعم أن جبريل غلط كما غلط من هو أعظم غلطا منه، فزعم أن التي بالتكوير في محمد صلى الله عليه وسلم، وسبحانه وتعالى إنما يبقون إلى هذا تارة وإلى هذا تارة، برفض الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين أنه قول رسول بلغه أن يبلغه لم يحدث به شيئا من تلقاء نفسه. ولم يتفق بين أن يكون ذلك الرسول بلغه إلى هذا وهذا، بل بلغه إلى الإنس والجن، فهو قوله هذا وقوله هذا. فقد غلط بعض الناس وأنه وضعه إلى الرسول لأنه أحدث القرآن العربي وعذر به عن المعنى الذي فهمه، وهذا باطل من وجوه. إذ لو كان هذا حقا تناقض القرآن، فإن كون هذا أحدث القرآن العربي يناقض كون الآية أحدثه، فإنه إذا أحدثه أحدهما امتنع كون الآخر هو الذي أحدثه، بخلاف ما إذا بلغه فإنه يبلغه هذا إلى هذا وهذا إلى الناس، والناس يبلغونه بعضهم إلى بعض. كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَتُنْذِرَ الْأُمَّةَ﴾، وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بلغوا عني ولو آية، وتحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وبصدد هذا له موضع آخر، والمقصود هنا أن الله أوجب علينا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم خصوصا، وبالملك الذي جاء به القرآن خصوصا، فإن سائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم مجملا. وأما محمد صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر به، وأن نصدقه في كل ما أخبر به. وغيره من الأنبياء علينا أن نؤمن بأن كل ما أخبر به عن الله فهو حق، وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا إليهم. ومحمد صلى الله عليه وسلم أمرنا بما أمرتنا به الرسل من الدين العام، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان بالملائكة والنبيين، وحمل الشرائع. بعد ما ذكره في سورة الأنعام، بل وعامة السور المكية، فإن ذلك مما اتفق عليه الرسل. ولكن بعض الأمور التي يقع بمثلها النسخ، مثل عبادة السر وحل بعض الأقوات، أفرمتها واتقاد من ستهم ناسخوه، وهو مما تنوعت فيه الشرائع. وقص الله محمدا صلى الله عليه وسلم في أغرض الشرائع والمناهج، فقص هذا له موضع آخر. والمقصود هنا أن الله تعالى أمرنا بالإيمان بالأنبياء كلهم وبجميع ما أوتوا، كما قال تعالى: ﴿آلَمُوءْمِنُونَ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. فالأنبياء وسائط بين الله عز وجل وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده وعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته، وغير ذلك مما كان وسيكون. وأما محمد صلى الله عليه وسلم فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع العرب، فقد ختم الله به الأنبياء، وأتى له من الفضائل ما فضله به على غيره. وجعله سيد ولد آدم، وخصائصه وفضائله كثيرة معظمة، لا يسع هذا الموضع ذكرها. وهو سبحانه مع هذا نهانا عن الشرك بهم، والغلو فيهم، وميز بين حقه تعالى وحقهم. فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾. فهذا بيان أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا من دون الله، مع وجود الإيمان بهم، ما لم يحصل بعبادة الأوثان. فإن الأوثان تستحق الهيجنة وأن تكسر كما كسر إبراهيم الأصنام، وكما حرق موسى العجل، وكما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يكسر الأصنام ويهدم بيوتها. فقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، فهذا من تمام التوحيد والإيمان بالملائكة والأنبياء. بل الصالحون يستحقون المحبة والموالاة والتكريم والثناء، مع أنه يحرم الغلو فيهم والشرك بهم. في الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم». وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، فالرب أعلم بإذتهم، ما يعلمهم إلا قليل، ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. والرسل كلهم يبينون أن العبادة والتقوى حق لله وحده، وحق الرسل طاعتهم. قال نوح عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾، وكذلك قال عادم صالح شعيب غيرهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَمَّةَ وَأَطِيعُونِ﴾، وكذلك قال صالح شعيب كلهم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. وكذلك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، فأنكر سبحانه أن يتقى غيره كما أمر أن لا يرغب إلا إليه. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فقد أمر الله تعالى بغير موضع بأن يخشى ويطاع، ولا يخشى ويطاع غيره. فقالوا: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، ففي إيتاء الله ورسوله كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. فما أعطاه رسول الله للناس فهو حقهم بالقول والعمل، كالفيء الذي قسمه الله وآتاه، فالذي حق لهم فذلك من الفيء، وسائر ما أعطى فحق لهم. فما أباحه لهم فحق لهم، وما نهاهم عنه فحرام عليهم. فهذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾، ولم يقل: ورسوله، لأن الله تعالى وحده حسب عده، أي كافيه، لا يحتاج رب كفايته إلى أحد، لا رسول ولا نبي. فقال الذين قالوا للناس: ﴿تَجَمَّعُوا لَكُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، والنبي إن يكن به مصره، بشلافهم يوليها النبي: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، كما قاله جبريل للعلم. فمن قاله: حسبي الله وحده، ومن اتبعث حسبي، فقد أخلص ولم يجعل مع الله أحدا حسبه، فجعله بعض المقلدين حسبه، وهذا مخالف لسائر آيات القرآن. فقال: ﴿لَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، فلوحده قاف عده. فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، فهذا قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾، ولم يقل: ورسولك، ثم قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. ولو قال: ورسولك، بل جعل الرغبة إليه وحده، كما قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، فالرغبة تستدعي التوكل. وقد أمر أن يتوكل إلا عليه، فقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فالتوكل على الله وحده، والرغبة إليه وحده، والرهبة منه وحده، ليس للملائكة والأنبياء في هذا حق، كما ليس لهم حق في العبادة، ولا يجوز أن يعبد إلا الله وحده، ولا يرغب ولا يرهب إلا الله وحده. كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، إذا توكل على غير الله، فهو مشرك. ولا يجوز التوكل إلا على الله وحده، ولا الجبالة إلا لله وحده، ولا الرهبة إلا لله وحده. والملائكة والأنبياء وغيرهم، كان هذا تحكما للتوحيد، ولم يكن هذا شتم لهم ولا تنقص لهم، ولا عيبا لهم. وإن كان فيه بيان نقص درجتهم عن درجة الربوبية، فنقص المخلوق عن الخالق من لوازم كل مخلوق، ويمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق. والملائكة والأنبياء كلهم عباد لله يعبدونه، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُقَرَّبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَصِفُ الظَّالِمِينَ﴾، فإذا نفي عن مخلوق ملك أو نبي أو غيرهم ما كان من خصائص الربوبية، فبين أنه عبد لله، كان هذا حقا واجب الأول. وكان إثبات إطراء للمخلوق، فإن دفعوا عن ذلك كان عاصيا بالمشرك، وكان قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله». فقول: «عبد الله ورسوله»، والله تعالى قد وصف به حين أصله وحين تحدى وحين أسرى به. قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾. وأن الباطل قول لمن وصف به بعبدية، إنه عظيم مسبة من أقل ذلك. كما ذكر الطالب من المفسرين أن وفد نجران قال: يا محمد، إنك تهجو صاحبنا وتقول إنه عبد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس بعيد لشيث أن يكون عبدا لله، أن يكون عبدا لله، أن يكون عبد الله». فنزل: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، أي لم يأنف المسيح من ذلك ولم يتعظم من جعله عبدا لله. فهذا المصدر الغلاة أنه يصد وعابد، ولهذا لما سأل النجاشي جعفر بن أبي طالب: ما تقول في المسيح عيسى؟ قال: هو عبد الله ورسوله وكلمته التي القاها إلى مريم وروح منه، رفع النجاشي عيدا، فقال: ما زاد المسيح على ما قلت هذا العود. فنقرت بطائفته، فهم يجعلون قول الحق المقلد صدا له، وهم يسبون الله ويصفونه بالنقائص والعيوب. كما في الصحيح عن أبي ورقاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وهم ينبغي له ذلك، فكذبني، وأما ينبغي له ذلك، وأما شكله فقولوا: إني اتخذت ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد». وأما تجريد مريم فقولوا: ﴿إِنَّهُ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾، وليس أول ما قلت: يا غن علي من إحداثه وراء البطار من حديث ابن عباس. فتصبر سبحانه أن هؤلاء يتبعونك، فإذا كان المعاذ المجبول يقول عن النصارى: «لا ترحموهم فتسبوا الله ما سبّوا إياه أحد من البشر». وهذا نبيل ما يكره الله تعالى عنه، شكلا بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وكانوا يمكنون على محمد صلى الله عليه وسلم أن يذكر آياتهم بما تستحق، وهم يغفرون بذكر الرحمن، ولا يمكنون ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ كَفَرَ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾. فإذا رأيت الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا، هذا الذي يذكر آياتهم أن يعيبها، وهم بذكر الرحمن يمكفرون. وكانوا يمكنون على محمد صلى الله عليه وسلم أن يذكر آياتهم بما تستحق، وهم يغفرون بذكر الرحمن، ولا يمكنون ذلك. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. ففي إيتاء الله ورسوله كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. فما أعطاه رسول الله للناس فهو حقهم بالقول والعمل، كالفيء الذي قسمه الله وآتاه. فالذي حق لهم فذلك من الفيء، وسائر ما أعطى فحق لهم، فما أباحه لهم فحق لهم، وما نهاهم عنه فحرام عليهم. وهؤلاء من جنس النصارى والمشركين، فلذلك قد يعيبون نرى عن شركهم، كالحج إلى القبور التي يحطون إليها عادة، وهم يستقبحون بحرمة الحج إلى بيت الله، ويجعلون الحج إلى القبور أو ظلمونها. وقد ينأون عن الحج اعتيابا للقبور، ويقولون: هذا الحج الأكبر. وهؤلاء من جنس المشركين وعباد الأوثان. وكذلك هذا المطرود وأنصاره يغلب من هنا عن الحج إلى قبور الأنبياء والصالحين، إخلارا بحقهم ومعاذاة لهم. ونحن ننهى عن ذلك، وهم لا يرون الشركة بالله، ودعاء ضيغم واستغاثة عباده بدون أوليائه إخلارا بحقهم ومعاذاة لهم.