الدرس في شرح الفرائد البهية 41، تابع : القاعدة الحادية والعشرون:الفرض أفضل من النفل. القاعدة الثانية والعشرون:الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من المتعلقة بمكانها. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ حديث أبي أمامة الباهلي حول أجر تارك المراء ويحلل معناه، ويبين أن حسن الخلق يشمل الواجب والمندوب والنفل. يفسر الحديث ويفند استدلال البعض به على أن النفل أفضل من الواجب.
تناول شرحًا للقاعدة الثانية والعشرين التي تنص على أن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من تلك المتعلقة بمكانها. يقدم أمثلة توضح كيفية تطبيق هذه القاعدة في مختلف المواقف.
يشرح تفضيل الصلاة في بعض الأمكنة على بعضها الآخر ويبين كيفية تطبيق قاعدة صلاة الجماعة في البيوت عند عدم وجود مسجد. يشير إلى استثناءات القواعد بقرائن معينة وتطبيقها في مختلف الظروف.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال والشيخ عز الدين زاد واحدة نظر فيها، وهي غير واردة. قلت: وقد رأيت صورتين عن ابن أبي الصيف الإمام في اليمن، هما حديث أجر تارك المراء، ثم حديث أجر من قد صبر، يعني يشير بهذا رحمه الله تعالى إلى الاستثناءات التي ذكرت. فإن عز الدين، والمراد به ابن عبد السلام، زاد واحدة وهي كذلك، كما قال غير واردة، يعني لا تدخل في هذا المعنى، وهي كما أشار في التعليق. وقد ذكر في الأصل لو فاتته الصلاة لا يعلم عينها، فيصلي الخمس، فصارت صلاة الفرض داخلًا في ذلك، فيكون قد تنفل ليؤدي الفرض، ولكن كما قال رحمه الله: هو في الحقيقة صلى أحد هذه الصلوات فريضة، فلم يكن النفل أفضل من الفرض. فالكلام على آحاد الصلاة، فليس هناك عمل واحد نفل أفضل من فرض. فالمثال لا يصح. فهمنا هذا يعني إنسان نسي فريضة، نسي ما هي الفريضة التي نسيها، تذكر بعد كم يوم أنه نسي فريضة من الفرائض لعمل أو لسفر أو لغيره أو لمرض، فأراد أن يصلي، فما درى ما هي هذه الفريضة، فقال: إذن أصلي نافلة الصلوات الخمس. وما كان فريضة فهو أحدها. مع أنه على الصحيح إذا نسي التعيين فلا يجب عليه، ولكن لو فعل مثل هذا، هل صار النفل أفضل من الفرض؟ الجواب: لا، لأنه لا يوجد شيء معين نفل صار أفضل من الفرض. واضح، لأنه لم يعين، وإنما أحد هذه الصلوات الخمس فرض، أحد هذه الصلوات فرض. ثم قال: قلت: وقد رأيت صورتين عن ابن أبي الصيف الإمام في اليمن، يعني كذلك. وقف الناظم على صورتين ذكرهما ابن أبي الصيف الإمام في زمانه، محمد بن إسماعيل الشافعي من أهل اليمن، وهو من سكان مكة كما أشار، توفي سنة ستمائة وتسعة هجرية. وهاتان الصورتان أخذهما كما أشار من الحديث، هما حديث أجر تارك المراء، ثم حديث أجر من قد صبر. وحديث تارك المراء هو حديث أبي أمامة رضي الله عنه، أرضاه الباهلي، وقد ورد من حديث ابن عمر وأنس معناه، لكن من حديث ابن عمر وأنس ضعيف، ومن حديث أبي أمامة حسن، رواه أبو داود والترمذي. ولفظه على الصحيح ليس كما ذكره المعلق، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، ومعنى ربض الجنة أي طرف الجنة الخارج منها، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». فإذا تأملنا هذا الحديث وجدنا كما هو متدرج لمن ترك المراء ومحق في ربض الجنة، ومن ترك الكذب وإن كان مازحًا في وسط الجنة، ومن حسن خلقه في أعلى الجنة. لكن ذكروا الحديث خطأً، فقالوا: من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة، ومن تركه وهو محق بني له بيت في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلىها. فقالوا: هذا فيه دليل أن النفل يعني يريدون حسن الخلق أفضل من الواجب، وليس الأمر كذلك، بل حسن الخلق منه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو نفل. وكونه أعلى من ترك الكذب وإن كان مازحًا هذا أوجب، فاستحق فضلًا أكثر؛ لأنه تناول كما لا يخفى الواجب والنفل في معنى حسن الخلق، وذاك أخص فيمن ترك الكذب خاصة. ولما كان الكذب أشد، فإنه كان في تركه فضل أكثر، ولما كان المراء أخف، كان فضله أقل. فإذا المثال لا يصح. أخف. وأما الحديث الآخر الذي أشار إليه، حديث الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه، وهو لو تأمل فيه على تقدير صحته مرفوعًا، ولم يصح مرفوعًا، فإنه ليس فيه ما أشار إليه؛ لأن معناه على تقدير صحته، ولو موقوفًا: أن الصبر على أداء الفرائض له فيه ثلاثمئة درجة، والصبر عن المحارم ستمئة درجة، والصبر على المصيبة تسعمئة درجة. فقالوا: الصبر على المصيبة نفل، فهو مقدم وقدم على الفرض، على المحارم وعلى أداء الفرائض. وليس الأمر كذلك، بل لو قدر صحته لصار الصبر على المصيبة كذلك فرض؛ لأن الصبر على المصائب أربعة مراتب: صبر واجب يمنع من التسخط على قضاء الله وقدره، فهذا واجب. وصبر متضمن لمعنى الرضا، وهذا فضل بعد أداء الواجب في عدم التسخط. وشكر بعد الرضا، وهذا فضل، لكن يتضمن كذلك للقدر الواجب الذي لا يقع معه البلاء التسخط على البلاء. فإذا لا يصح كذلك هذا المثال. والله أعلم. ثم قال رحمه الله تعالى: قال القاعدة الثانية والعشرون: الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من المتعلقة بمكانها. قال: فضيلة العبادة المعلقة بنفسها أولى من المعلقة بما لها من المكان فيما صرحوا به، فكن فهيمًا. لكنه خرج عن هذا صور، منها الجماعة القليلة أبر في المسجد القريب إن تعطل من الكثير في سواه، فعقل. والجمع في المسجد أولى منه في غير وإن كان كثيرًا، فعرفي. يشير هنا رحمه الله إلى قاعدة أخرى من القواعد التي سماها كلية جزئية، وهي عند أكثر أهل العلم دون ذلك قاعدة أو قاعدة صغرى. ويعبر عن هذه القاعدة أحيانًا بقولهم: المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكان العبادة. وإن شئت فقل: الفضيلة المتعلقة بعين العبادة أولى من مكانها. ومعنى هذه القاعدة كما يظهر: أنه إذا حصل ترجيح بين فضل لعبادة في ذاتها وعينها، وبين فضلها في مكانها، قدم فضلها في عينها وذاتها على فضلها في مكانها، كما سيأتي توضيح إن شاء الله في الأمثلة. وقوله: فضيلة العبادة المعلقة بنفسها أولى من المعلقة، يعني فضيلة العبادة المعلقة بذاتها ونفسها، كما سيأتي ما معناه ككونها مثلًا صلاة فيها فضل في كونها جماعة أولى من المعلقة بمكانها. هنا شيء محذوف؛ لأنه ذكر في البيت الذي بعده أن يكون التعليق بالمكان مثل سيأتي في المثال. وقوله: بما لها من المكان فيما صرح به فكن فهيما، يعني ما تعلق بذاتها ونفسها مقدم على ما تعلق بمكانها. وصرح به أي العلماء. فكن فهيما يعني افهم معنى القاعدة حتى تحسن تطبيقها. واستثناء ما استثناه العلماء منها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فمثلًا لو صلى إنسان في مسجد وحده لا أحد يصلي في المسجد، ولكن في موضع ليس بعيد عن المسجد، وربما في بيته هو يصلون جماعة، فأيهم أفضل: أن يصلي في المسجد وحده، أو يصلي في بيته مع أهل بيته جماعة؟ الجواب: يصلي مع أهل بيته جماعة أفضل من أن يصلي في المسجد منفردًا؛ لأن صلاة الجماعة فضيلة متعلقة بنفسها وذاتها. والصلاة في المسجد ليس فضلها لذات المسجد، ولكن لأجل الجماعة فيها. وسيأتي إن شاء الله لهذا المعنى استثناء؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وهكذا قل في نظائر لها. فمثلًا كما قلنا في المكان نقول كذلك في الزمان: لو أراد إنسان أن يتصدق في رمضان لشدة أو لحرصه على زيادة الأجر في رمضان، ولكن وجد أن زمان آخر غير رمضان الناس يحتاجون للصدقة أشد من رمضان، فهنا أيهما يقدم: المتعلق بالزمان أو المتعلق بحاجة المتصدق عليه للصدقة؟ الثاني يقدم؛ لأن هذا تعلق به ذات الصدقة. الصدقة شرعت أصلا لماذا؟ لدفع ضرورة المضطرين وليسد حاجة المحتاجين. فإذا كان الناس يحتاجون في غير رمضان فهو مقدم على رمضان. مثلا في بعض البلاد الساحلية التي يكثر عمل الناس على البحر، يشتد حاجة الناس مع فقرهم وفاقتهم في وقت الخريف، والغالب وقت الخريف في هذه الأيام مثلًا لا يأتي في رمضان، لا يأتي في رمضان، إنما يأتي في نصف السنة الميلادية. فإذا كان كذلك والناس في ذاك الوقت أشد فقرًا وفاقة لعدم وجود سبيل للكسب، وربما في رمضان يتيسر لهم من الأرزاق وأسباب الرزق ما لا يتيسر في غيره، فإذا قارن الإنسان أيهما أفضل: أن يتصدق في رمضان لفضيلة الزمان، أم يتصدق في غير رمضان لشدة حاجة الناس للصدقة؟ نقدم هنا ماذا؟ الثاني؛ لأنه متعلق بذات العبادة وحاجة الناس لهذه العبادة على المتعلق بالزمان. كما أنه متعلق بالمكان. ثم قال رحمه الله: لكنه خرج عن هذا صور، منها الجماعة القليلة أبر، يعني يقول: خرج عن هذا صور من هذه الصور أن الجماعة القليلة أبر في المسجد القريب إن تعطل من الكثير في سواه، يعني مثلًا عندنا مسجد الحارة فيها جماعة قليلة، ومسجد آخر بعيد فيه جماعة كثيرة. فإن كان ذهابنا إلى هناك لأجل الجماعة الكثيرة سيعطل الجماعة في هذا المسجد، فإذا الصلاة في هذا المسجد أفضل من الصلاة في ذاك المسجد. واضح حتى لا تعطل الجماعة في هذا المسجد. قال: والجمع في المسجد أولى منه في غير وإن كان كثيرًا، فاعرفي. الجمع في المسجد أولى، يعني أن تجمع تصلي الجماعة في المسجد أفضل من غيره، وإن كان كثيرًا، فاعرفي. يعني لو صليت في بيتك مهما صليت فلن يكون مثل صلاتك في المسجد، وهي صلاة واحدة؛ لأن فضل الصلاة في الجماعة في المسجد فيه الفضل الخاص المتعلق بذات العبادة. فلو أديته بأكثر عدد لم يصل إلى ذاك الفضل كما تقدم سبقة الإشارة إليه. ومن ذلك كذلك الاستثناءات: أنه قد يحتف ببعض المفضول ما يعله أفضل لكونه متعلقًا بذاته وصف خاص في الشرع. مثلًا صلاة النافلة في البيت أفضل من الصلاة في المسجد؛ لأن الشرع حتى على صلاة النافلة في البيت هذا هو الأصل، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تجعل بيوتنا قبورًا بترك الصلاة فيها، وحثنا على صلاة النافلة في البيت. فأفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، فدل على فضل صلاة النافلة في البيت. لكن مع ذلك إذا احتف بهذه النافلة ما يجعلها أفضل خارج البيت، فيحرصك عليها خارج البيت أولى من البيت، مثل صلاة الليل في رمضان، ربما في البيت تفتر، وكذلك ربما في البيت يحصل لك عدم انضباط واستمرار، فكونك تصلي مع الناس في جماعة خير من أن تصلي وحدك فتفتر. ومن علم من نفسه أنه ينشط ويستمر فصلاته في بيته أفضل. وعلى هذا يحمل قول عمر رضي الله عنه كما في صحيح مسلم: «والذين ينامون عنها خير من الذين أحضرونها»، يعني ينامون آخرون لآخر الليل فيصلونها في بيوتهم أفضل من الذين صلوها في المسجد في أول الليل. فإذا وجد في المسجد في آخر الليل وكان أنشط للإنسان وأكثر وأضبط، فإذا صلاتها في المسجد مع الجماعة في آخر الليل أفضل. أو كذلك تعلق بذات الشخص نفع متعدي، مثل إمام ينظر في نفسه يستطيع أن يصلي في بيته منفردًا، لكن إذا صلى في المسجد جماعة سن للناس سنة حسنة، صلوا بصلاته ونشطوا بنشاطه وأتموا بإمامته. فأيهما أفضل في حقه: المتعدي أم القاصر؟ المتعدي أليس كذلك؟ وهكذا نطبق القواعد، فرب قاعدة تكون أقوى من أخرى، فتدخل عليها. ومثله كذلك في المثال الذي مثل به: لو أن إنسان بجانب بيته مسجد لا يصلي فيه أهل تلك القرية، وهذا يحصل كثيرًا في القرى تعطل بعض المساجد عن الصلاة، فيصلون الناس في بيوتهم. فكونه يخرج فيحيي هذا المسجد لكن بجماعة خير له من أن يصلي في البيت مع جماعة أكثر. مثلًا إنسان مع أهل بيته ينصحهم: تعالوا صلوا في المسجد، يقولون له: بعيد، ما في أحد، ظلمة، سنصلي هنا. فإن رأى أنه وحده سيذهب إلى المسجد، فإذا يصلي معهم؛ لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ. لكن إذا استطاع أن يأخذ أحدًا معه فيقيم جماعة في المسجد، فكونه يقيم جماعة في المسجد فيعمر المسجد ويحييه ويسن سنة حسنة ويدعو الناس إليه أفضل من أن يصلي في جماعة ولو كانوا أكثر منه، لكن جماعة وجماعة. واضح: جماعة وجماعة، ولو كانت جماعته أقل ترجحت بماذا؟ بذات الصلاة في المسجد، وبكونها جماعة وإن كانت أقل؛ لأنه يسن سنة حسنة ويحيي ويعمر هذا المسجد. لكن لو كانت المقارنة بين فرد يصلي في المسجد أو يصلي مع جماعته في جماعتهم في بيوتهم، فإذا ماذا يفعل؟ يصلي معهم في البيت حتى يجد من يعينه فيصلي في المسجد فيحيي هذه السنة. وهكذا نفهم أن هذه القاعدة قد تدخل عليها بعض القرائن فتكون في بعض الأحوال من المستثنيات. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.