تعليق - الرد على الأخنائي 24

تعليق - الرد على الأخنائي 24

الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 24، الدرس الرابع والعشرون : من : (وأما قوله ما من رجل يمر بقبر الرجل فيسلم عليه ... فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير ونظاشر هذا متعددة والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على حديث زيارة قبر النبي وتوضيح الزيارة المشروعة

يناقش الشيخ ابن تيمية صحة حديث زيارة قبر النبي ويوضح أن الزيارة المشروعة هي إتيان المسجد والصلاة فيه والسلام على النبي. يبين أن الأحاديث الدالة على استحباب زيارة القبر ضعيفة أو موضوعة.

توضيح المقصود بالسفر لزيارة قبر النبي والرد على استحبابه

يبين الكاتب أن المقصود بالزيارة هو السفر إلى مسجد النبي للصلاة والسلام عليه، وليس لمجرد زيارة القبر. يرد على من استحب السفر لزيارة القبر مستدلًا بالأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين.

تحذير من المبالغة في زيارة القبور وتخصيصها بالعبادات

يناقش المقطع النهي عن المبالغة في زيارة القبور وتخصيصها بالعبادات، مستشهدا بآثار الحسن والحسين أحفاد علي بن أبي طالب. يحذر من أفعال مثل مسح القبر والدعاء عنده والسفر إليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رد على الأفناء: وأما قوله: «ما من رجل يمر في قبل الرجل فليسلم عليه إلا رد الله عليه روحة روحة حتى يرد عليه السلام، وما من مسلم يسلم علي إلا رد الله عليه روحي حتى أرد عليه السلام»، فإنما فيه مدح المسلم عليه والإخبار بسماعه السلام وأنه يرد السلام، فيكافأ المسلم عليه، لا يبقى للمسلم عليه فضل، فإنه بالرد تحصر المكافأة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، ولهذا كان الرد من باب العدل المأمور به الواجب لكل مسلم إذا كان سلامه مشروعًا. وهذا كقوله: «من سأل ما أعطينا ومن لم يسألنا أحب إلينا»، هو إخبار بإعطاءه السائل، ليس هذا أمرًا بالسؤال، وإن كان السلام ليس مثل السؤال، لكن هذا اللفظ إنما يدل على مدح الراد، وأما المسلم فيقف الأمر فيه على الدليل. وإذا كان المشروع لآل مدينته أن لا يقفوا عند الحجرة ويسلموا عليه، علم قطعًا أن الحديث لم يرغب في ذلك. ومن يبين ذلك أن مسجده كسائر المساجد، لم يفتص بجنس من العبادات لا يشرع في غيره، وكذلك المسجد الأقصى، ولكن فضل بأن العبادة فيه أفضل، بخلاف المسجد الحرام، فإنه مخصوص بالطواف واستلام الركن وتقبيل الحجر وغير ذلك. وأما المسجدان الآخران، فما يشرع فيهما من صلاة وذكر واعتكاف وتعلم وتعليم وثناء على الرسول وصلاة عليه وتسليم وتسليم عليه وغير ذلك من العبادات، فهو مشروع في سائر المساجد. والعمل الذي يسمى زيارة لقبره لا يكون إلا في مسجده، لا خارجًا عن المسجد، فعلم أن المشروع من ذلك العمل مشروع في سائر المساجد، لا اختصاص لقبره بجنس من أجناس العبادات، ولكن العبادة في مسجده أفضل منها في غيره لأجل المسجد لا لأجل القبر. ومن يوضح هذا أنه لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم باسم زيارة قبره، لا ترغيبًا في ذلك ولا غير ترغيب، فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة عندهم. ولهذا كره من كره من علماء إطلاق هذا الاسم. والذين أطلقوا هذا الاسم من علماء، إنما أرادوا به إتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه، إما قريبًا من الحجرة وإما بعيدًا عنها، وإما مستقبلًا للقبلة وإما مستقبلًا للحجرة. وليس فيها إمامة المسلمين، لا الأربع ولا غيرهم، من احتج على ذلك برواية في زيارة قبره، بل إنما يحتجون بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، مثلا، وهو أنه كان يسلم، أو بما روي عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام»، وذلك احتجاج برواية السلام لا برواية الزيارة. وليس في شيء من مصنفات المسلمين التي يعتمدون عليها في الحديث والفقه أصل عن الرسول ولا عن أصحابه في زيارة قبره. أما أكثر مصنفات جمهور العلماء، فليس فيها استحباب شيء من ذلك، بل يذكرون المدينة وفضائلها وأنها حرم، ويذكرون مسجده وفضله وفضل الصلاة فيه والسفر إليه وإلى المسجد الحرام ونحو ذلك من المسائل، ولا يذكرون استحباب زيارة قبره لا بهذا اللفظ ولا بغيره. فليس في الصحيحين وأمثالهما شيء من ذلك، ولا في عامة السنن مثل النسائي والترمذي وغيرهما، ولا في مسند الشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة، وإنما ذكروا ما يتعلق بالقبر، لكن بغير لفظ زيارة قبره، كما روى مالك الموطأ عن عمر أنه كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر. وكما قال أبو داود في سننه: باب ما جاء في زيارة القبر، وذكر قوله: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». ولهذا أكثر كتب الفقه المختصرة التي تحفظ ليس فيها استحباب زيارة قبره، مع ما يذكرونه من أحكام المدينة. وإنما يذكر ذلك قليل منهم، والذين يذكرون ذلك يفسرونه بإتيان المسجد، كما تقدم. ومعلوم أنه لو كان هذا من سنته المعروفة عند أمته المعمول بها من زمن الصحابة والتابعين، لكان ذكر ذلك مشهورًا عند العلماء الإسلام في كل زمان، كما اشتهر ذكر الصلاة عليه والسلام عليه، كما اشتهر عندهم ذكر مسجده وفضل الصلاة فيه. فلا يكاد يعرف مصنف للمسلمين في الحديث والفقه إلا فيه ذكر الصلاة والسلام عليه وذكر فضل مدينته والصلاة في مسجده. ولهذا لم يحتاج المنازعون في هذه المسألة إلى ذكر سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وسنة خلفائه وما كان عليه أصحابه. لم يقدر أحد منهم على أن يستدل في ذلك بحديث منقول عنه إلا وهو حديث ضعيف، بل موضوع. وليس معهم بذلك نقل عن الصحابة ولا عن أئمة المسلمين، فلا يقدر أحد أن ينقل عن إمام من أئمة المسلمين أنه قال: يستحب السفر إلى مجرد زيارة القبور، ولا السفر إلى مجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا السفر لمجرد زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده. فالكثير من المصنفات ليس فيها إلا ذكر المسجد والصلاة فيه، وهي الأمهات المصنفات ومسانيد الأئمة وغيرها. وفيها ما فيه ذكر السلام عند الحجرة، كما في صحيح البخاري ومسلم، وكما فهموه من قوله. ومنها ما يذكر فيه لفظ زيارة قبره، والزيارة والصلاة في مسجده. وفيها ما يطلق فيه زيارة القبر ويفسر ذلك بإتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه. وأن التصريح باستحباب السفر لمجرد زيارة قبره دون مسجده، فهذا لم أره عن أحد من أئمة المسلمين، ولا رأيت أحدًا من علمائهم صرح به. وإنما غاية الذي يدعي ذلك أنه يقضي من لفظ مجمل قاله بعض المتأخرين، مع أن صاحب ذلك اللفظ قد يكون صرح بأنه لا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة، أو أن السفر إلى غيرها منهي عنه. فإذا جمع كلامه عرف أن الذي استحبه ليس هو السفر لمجرد القبر، بل للمسجد. ولكن قد يقال: إن كلام بعضهم ظاهر في استحباب السفر لمجرد الزيارة. ويقال: هذا الظهور إنما كان لما فهم المستمع من زيارة قبره ما يفهم من زيارة سائر القبور. فمن قال: إنه يستحب زيارة قبره، كان يستحب زيارة سائر القبور، وأطلق هذا، كان ذلك متضمنًا لاستحباب السفر لمجرد القبر. فإن الحجاج وغيرهم لا يمكنهم زيارة قبره إلا بالسفر إليه. لكن قد علم أن الزيارة المعهودة من القبور ممتنعة في قبره، لكونه مما لا يدخل تحت العمل المقدور ولا المأمور به. فامتنع أن يكون أحد من العلماء يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة. وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه والثناء عليه هناك، لكن سموا هذا زيارة لقبره، كما اعتادوا. ولو سلكوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ومن تبعهم، لم يسموا هذا زيارة لقبره، وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه ودعاء له وثناء عليه في مسجده، سواء كان القبر هناك أو لم يكن. ثم تثير من المتأخرين لما رووا أحاديث في زيارة قبره، ظن أنها أو بعضها صحيح، ترتب من إدخال اللفظ ورواية هذه الأحاديث الموضوعة، غلط من غلط في استحباب السفر لمجرد زيارة القبر. وإلا فليس هذا قولًا منقولًا عن إمام من أئمة المسلمين. وإن قدر أنه قاله بعض العلماء، كان هذا قولًا ثالثًا في هذه المسألة. فإن الناس في السفر لمجرد زيارة القبور لهم قولان: النهي والإباحة. فإذا كان قول من عالم مجتهد ممن يعتد به في الإجماع إن ذلك مستحب، صارت الأقوال ثلاثة. ثم ترجع إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. والمقصود أن هذا كله يبين ضعف علة المفرق بين الصادر من المدينة والوارد عليها، والوارد على مسجدهم الغرباء والصادر عنه. وذلك أنه يمتنع أن يقال: إنه يرد على هؤلاء ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين فيها. فإن أولئك هم أفضل منه وخواصها، وهم الذين خاطبهم بهذا، فيمتنع أن يكون المعنى: من سلم منكم يا أهل المدينة لم أرد عليه ما دمتم مقيمين بها. فإن المقام بها هو غالب أوقاتهم، وليس في الحديث تخصيص، ولا أروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك. يبين هذا أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلون على عائشة لبعض الأمور ويسلمون عليه، إنما كان يرد عليهم إذا سلموا. إن قيل: إنه لم يكن يرد عليهم، فهذا تعطيل للحديث. وإن قيل: كان يرد عليهم من هناك ولا يرد إذا سلموا من خارج، فقد ظهر الفرق. وإن قيل: فلما يرد على الجميع، فحينئذ إن كان رده لا يقضي استحباب هذا السلام، بطل الاستقلال به. وإن كان رده يقضي الاستحباب، وهو من سلم من خارج، لازم أن يستحب لآل المدينة أن يستحب لآل المدينة السلام كلما دخلوا المسجد وخرجوا، وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وخلاف أول المفرقين. ومن آل المدينة من قد لا يسافر منها، أو لا يسافر إلا للحج والعمرة، قد يقيم بالمدينة العشر والشهر، فهذا يرد عليه في اليوم والليلة عشر مرات وأكثر، كلما دخل وكلما خرج. وذاك المدني المقيم لا يرد عليه قط، أو لا يرد عليه في عمره إلا مرة. وأيضًا فاستحباب هذا للوارد والصادر، تشبيه له بالطواف الذي يشرع للحاج عند الورود إلى مكة، وهو الذي يسمى طواف القدوم وطواف التحية وطواف الورود، وعند الصدور وهو الذي يسمى طواف الوداع. وهذا تشبيه بيت المخلوق ببيت الخالق، ولهذا لا يجوز الطواف بالحجرة بالإجماع، بل ولا الصلاة فيها أو إليها، لما ثبت عنه في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها». وأيضًا فالطواف بالبيت يشرع لآل مكة وغيرهم كلما دخلوا المسجد، وليس الوقوف عند القبر كلما دخل المدني يشرع باتفاق، فلم يبق الفرق غير المدني وغير المدني، له أصل في السنة، ولا نظير في الشريعة، ولا هو مما سنه الخلفاء الراشدون وعمل به عامة الصحابة. فلا يجوز أن يجعل هذا من شريعته وسنته. وإذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم، كان غايته أن يثبت به التسويغ، بحيث يكون هذا مانعًا من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون تساوي المسائل التي ساغ فيها الاجتهاد لبعض العلماء. أما أن يجعل من سنة الرسول وشريعته وحكمه ما لم تدل عليه سنته، لكون بعض السلف على ذلك، هذا لا يجوز. ونظير هذا مسحه للقبر، قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: قبر النبي صلى الله عليه وسلم يلمس ويتمسح به؟ قال: ما أعرف هذا. قلت: لأصحاب المنبر؟ قال: أما المنبر فنعم، قد جاء فيه. قال أبو عبد الله: شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح على المنبر. قال: فيروونه عن سعيد بن المسيد في الرمانة. قلت: ويروى عن يحيى بن سعيد يعني الأنصاري شيخ مالك شيخ مالك وغيره، أنه لما أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر ومسحه ودعا. فرأيته استحسن ذلك. ثم قال: لعله عند الضرورة والمشي. قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: ورأيته ورأيته أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية فيسلمون. قال أبو عبد الله: نعم، وروينا أن عمر رفعا. ثم قال أبو عبد الله لأبي بكر المروذي بنظير ما نقل عن ابن عمر وابن المسيب ويحيى بن سعيد. وهذا كله يدل على التسويغ، وأن هذا مما فعله بعض الصحابة، فلا يقال: فقد أجمعوا على تركه، بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء ببعض السلف، لم يتجاوز به شيئًا من عنده. وأما أن يقال: إن الرسول ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي، لا يكفي في ذلك فعل بعض السلف، ولا يجوز أن يقال: إن الله ورسوله يحب ذلك أو يكرهه، وإنه سن ذلك وشرعه أو نهى عن ذلك وترعه ونحو ذلك، إلا بدليل يدل على ذلك، لا سيما إذا عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك. فلو كان هو ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم، لفعلوه، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير. ونظائر هذا متعددة، والله أعلم. طيب لهنا إن شاء الله. وهذا من المؤلف رحمه الله كذلك. قال شيخ الإسلام تيمية رحمه الله في هذا المقطع: إنه أولًا لا يصح الاستدلال بالعموم، وأن هناك فرق بين قبر النبي عليه الصلاة والسلام وسائر القبور، وسبق ذكر بعض الفروق في ذلك. وثانيًا: أنه لم يثبت عن أحد من أهل العلم فضلًا عن الصحابة أو أحد من السلف القول باستحباب شيء مما يدعو إليه هذا المعترض. وأبان رحمه الله تعالى بما ذكره عنهم أنهم لم يكونوا على هذا الذي يدعيه، بل كانوا على خلاف ذلك من الحيطة. ثم ذكر رحمه الله تنزلًا لو قيل: إن أحدًا من أهل العلم قال بالاستحباب استحباب السفر أو الزيارة، فإنه قول ثالث في المسألة. وأقوال أهل العلم المعتبرين هي اجتهاد منهم، بين الصواب والخطأ، والأجر والأجرين. ويعرف أن منها راجح ومرجوح، فيرجع في ذلك إلى الدليل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وكما قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. ثم بيّن رحمه الله تعالى بعد ذلك بعض المسائل التي أبان فيها رحمه الله أن السلف كانوا يشددون، ولأئمة كانوا يشددون في مسألة عدم الغلو في قبره عليه الصلاة والسلام، ومر معنا ذلك. ولكن هنا أراد أن يبين رحمه الله أنه قد تروى بعض الآثار عن بعض الأئمة بما هي ليست فتوى ولا رأي، ولكنها كالتفسير لبعض ما يروى عن بعض آحاد السلف أو آحاد الأئمة، فهو كالتفسير لقول بعض أهل العلم وإفتائهم بذلك أو سكوتهم وإقرارهم عن ذلك. مع أن الصواب عندهم ليس هذا الذي روي أو ذاك الذي فعل. ومثل بأمثلة بكلام الإمام أحمد رحمه الله، مع أنه في كتبه الأخرى شدد في هذه المسألة، وأنكر أن يصح هذا عن الإمام أحمد. فقد سوغ شيخ الإسلام التيمية رحمه الله تعالى، وحكى إليه عن مسألة تقبيل للقبر، وأنه روي عن الإمام أحمد، فقال: أحمد عندي أرفع من أن يقول مثل هذا، أحمد لا يقول هذا، وتعجب من ذلك تعجبًا شديدًا. وهكذا كذلك المروي في هذه المواضع عن إمام أحمد رحمه الله، كما قال رحمه الله تعالى: إنما هذا كله يدل على التسويغ. ومعنى التسويغ يعني فتوى من أفتى وأجاز من أهل العلم، وليس معنى أن قوله صحيح أو صواب. وفرق بين المسألتين، يعني أنه يقول: إن كان أحد أفتى، فعدره ما روي، ولو كان هذا الذي روي صحيحًا أو ضعيفًا، هذا عذر من أخطأ من أهل العلم، لكن لا يعني ذلك أن هذا الذي قال به يدل على الاستمرار في الخطأ. فبعد تبين ضعف الدليل وشذوذ الاستدلال، وجب على كل منصف الرجوع إلى الحق. هذا هو الخلاصة المفهومة من هذا المقطع وهذا الفصل. أراد أن يقول للمعترض ولمن هو أمثال المعترض: هبوا أن هذا قد قال به أحد من أهل العلم، مع أنه ما أحد قال بهذا من أهل العلم، كما مر معنا من قبل أنه ما أحد قال باستحباب السفر. لكن كأنه يقول: هبوا أن أحدًا قال هذا، فماذا في هذا؟ إلا أنه يكون اجتهاد من عالم قد يكون له مسوغ وعدر، إما عمومات كما أشار شيخ الإسلام، أو كذلك بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة المروية في هذا الباب التي لم يصلح منها شيء. وقلنا: هي قرابة 12 حديثًا بين ضعيف جدًا وموضوع أو لا أصل له. بل بعضهم يقول: لا ضعيف بل كلهم موضوع ولا أصل له. فهؤلاء ماذا كان لهم عذر حيث أخطأوا بمسوغ؟ لكن هل يجوز لأحد عرف دين الإسلام وما أجبه الله فيه على عباده أن يتبين له الصواب ثم يتركه استدلالًا بأن فلانًا من الناس أفتى؟ ما يجوز لأحد. ولو كان أكبر الناس أفتى، بعد تبينه أنه إنما استدل بأحاديث موضوعة ولا أصل لها، وبعمومات لم يعمل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة بعموماتها، علم بهذا أنه لا يجوز متابعتهم على خطأ. فهذا من التنزل من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى الذي يريد به إلزام المعترض وأمثاله أنه لو قدر أن أحد قال بقولكم، فهو مخطئ، ولا يجوز متابعته على خطأه. وهذا في الحقيقة لم يثبت عن أحد من الأئمة، وإنما ثبت عن بعض المتأخرين، كما أشار إلى ما قاله بعض المتأخرين في مناسكه. واستدلالًا بذلك إما عمومات وعدم تحقيق، كما قال رحمه الله: عند التحقيق يتبين الخطأ في هذا القول. لو سلك مسلك تحقيق الذي سلكه الصحابة ومن تبعهم، لم يسموا هذا زيارة لقبره. وهم لم يحققوا المسألة، أي هؤلاء الذين روي عنهم الترخيص من المتأخرين. وهم كذلك استدلوا بأحاديث لا تصح، فكيف يجوز لعاقل عرف دين الإسلام أن يصر ويتابع على خطأ؟ وأشار رحمه الله تعالى أن لازم قول هؤلاء أن يصير قبر النبي عليه الصلاة والسلام مثل الكعبة، فهذا داخل وهذا خارج، وهذا موضع طواف قدوم، وطواف وداع، وطواف إفاضة، فيصير قبره عليه الصلاة والسلام مثل الكعبة. وهذا مما لأجله كره السلف زيارة قبره عليه الصلاة والسلام، كما قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن حجب قبره عن الناس، وما كان أحد يزوره إلى داخل القبر أبدًا، يعني إلى داخل الحجرة، بل يسلم عليه من حيث كان. وسمعنا الآثار عن الحسن والحسين أحفاد علي من أبي طالب رضي الله عنه، في النهي عن كثرة إتيان القبر وتخصيصه بالقرب منه، فكيف بمسحه والدعاء عنده والسفر إليه؟ ما هو أعظم من ذلك، والله تعالى أعلم.