الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 9، الدرس التاسع : من : (قال:فعند ذلك شرح الله صدري للجواب عما نقل ... ثم معاداة الأنبياء ومعاندتهم هي كفر بهم وتكذيب لهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش رأي المعترض الذي حرم زيارة القبور وسفر الناس إليها، ويرد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، موضحا أن هذا التحريم يعد مجاهرة للأنبياء بالعداوة. يستدل على ذلك بأقوال الأئمة والعلماء، مثل الإمام مالك الذي نهى عن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا للصلاة في المسجد النبوي.
يتناول حكم السفر لزيارة القبور واتخاذها مساجد، ويشير إلى أن الأئمة الأربعة متفقون على أن السفر إلى مسجد غير الثلاثة لا يلزم بالنذر ولا يسن، بل هو محرم عند الجمهور. كما يحرم اتخاذ القبور مساجد، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولعن من يفعل ذلك.
يشرح أن المعترضين على النهي عن زيارة القبور بالسفر يجهلون الدين، ويبين أن الشريعة الإسلامية تحرم شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة. كما يذكر علتين لمنع الصلاة في المقبرة، الأولى النجاسة والثانية التعظيم والافتتان بالقبر، والصواب أن العلة هي الثانية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه «الرد على الأقناء»: قال، فعند ذلك شرح الله صدري للجواب عما نقل فيه من مقالته، فسارعت لإطفاء بدعته وظلالته، فأقول وبالله التوفيق، وأن يوصلنا إليه من أسهل طريق. لقد ظل صاحب هذه المقالة أظل وركب طريق الجهالة واستقل، وحاد في دعواه عن الحق وما جاد. وجاهر بعداوة الأنبياء وأظهر لهم العناد، فحرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور، وخالف في ذلك الخبر الصحيح. وخالف في ذلك الخبر الصحيح المأثور، وما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «زوروا القبور». وورد عنه أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا». فرفع صلى الله عليه وسلم الحرج عن المكلف بعدما كان حضر، والمشهور أن الأمر بعد الحضر يقتضي الوجوب، وأقل درجاته أن يلحق بالمباحة والمندوب. هذا كلام المعترض، وشيخ الإسلام المتيمية رحمه الله تعالى ينقل الآن كلام المعترض ثم يرد عليه. وبهذا الكلام يتبين قلة اطلاع المعترض على الحديث، فهو لم يضبط حتى ألفاظ الحديث. فقوله: «في الصحيح زوروا القبور» ليس هذا لفظه لا في البخاري ولا في مسلم، وإنما الذي في مسلم حديث أبي هريرة: «فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة». والحديث الثاني: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور» حديث بريدة في مسلم، وسيأتي من جواب الشيخ رحمه الله ما يبين هذا. قال: والجواب عن هذا من وجوه، الأول: أن في هذا من الجرأة على الله ورسوله وعلماء المسلمين أولهم وآخرهم ما يقتضي أن يعرف أن من قال هذه المقالة ما فيها من مخالفة دين الإسلام وتكذيب الله ورسوله. ويستتاب منها، فإن تاب وإلا ضرب عنقه. وذلك أنه ادعى أنه من حرم السفر إلى غير المساجد الثلاثة أو حرم السفر لمجرد زيارة القبور، فقد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد، فحرم السفر لزيارة قبره وسائر القبور. ذكر ذلك بحرف الفاء، وليس في كلام المجيب إلا حكاية القولين في السفر لمجرد زيارة القبور. فإذا قيل: إنه جاهر بالعداوة وأظهر العناد لأجل تحريم هذا السفر، كان كل من حرمه مجاهرا للأنبياء بالعداوة، مظهرا لهم العناد. ومعلوم أن مجاهرة الأنبياء بالعداوة وإظهار العناد لهم غاية في الكفر، فيكون كل من نهى عن هذا السفر كافرا. وقد نهى عن ذلك عامة أئمة المسلمين، وإمامهم مالك صرح بالنهي عن السفر لمن نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن النذر يوجب فعل الطاعة عنده. فلم يجعله مع النذر مباحا، بل جعله محرما منهيا عنه. لما سئل عن من نذر أن يأتي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل؛ للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». ومذهبه المعروف في جميع كتب أصحابه الكبار والصغار، كالمدونة لمن القاسم والتفريع لابن الجلاب: أنه من نذر إتيان المدينة النبوية، إن كان أراد الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفى بنذره، وإن كان أراد غير ذلك لم يوفي بنذره. فالسفر إلى المدينة ليس عنده مستحبا إلا للصلاة في المسجد، فأما من سافر إليها لغير ذلك، كزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو زيارة قبور شهداء أحد أو أهل البقيع أو مسجد قباء، فإن هذا السفر عنده منهي عنه، فلا يوفي بنذره. فهذا مذهبه في كل منذور من السفر إلى المدينة سوى الصلاة في مسجده، ومسألة إتيان القبر بخصوصه داخل في ذلك. وقد ذكرها بخصوصها عنه القاضي إسماعيل بن إسحاق، محتجا بذلك على ما ذكره. قال في كتابه المبسوط: لما ذكر قول محمد بن مسلم: من نذر أن يأتي مسجد قباء فعليه أن يأتيه، قال القاضي إسماعيل: إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها، ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء؛ لأن إعمال المطي اسم للسفر، ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة، على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في نذر ولا في غيره. وقد روي عن مالك أنه سئل عم النذر أن يأتي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كان أراد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل؛ للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». وهذا يوافق ما في المدونة وغيرها من الكتب. ففي المدونة، وهي الأم في مذهب مالك: ومن قال: لله علي أن آت المدينة أو بيت المقدس، أو علي المشي إلى المدينة أو إلى بيت المقدس، فلا يأتهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما، أو يسميهما فيقول: إلى مسجد الرسول أو مسجد إيليا. وإن لم ينو الصلاة فيهما فليأتهما راكبا، ولا هدي عليه. وكأنه لما سماهما قال: لله علي أن أصلي فيهما. ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار، صلى في موضعه ولم يأته. وهذه المسائل في الكتب الصغار والكبار، وقد صرح فيها أن من نذر المشي أو الإتيان إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أو بيت المقدس، فلا يأتيهما إلا أن يريد الصلاة في المسجدين. فتبين بهذا أن السفر إلى المدينة أو بيت المقدس في غير الصلاة في المسجدين ليس طاعة ولا مستحبا ولا قربة، بل هو منهي عنه، وإن نذره. لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه» رواه البخاري وغيره، وهو من حديث مالك في الموطأ. فمن سافر لبيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجد، مثل زيارة ما هنالك من مقابر الأنبياء والصالحين وآثارهم، كان عاصيا عنده، ولو نذر ذلك لم يجز له الوفاء بنذره. وكذلك من سافر إلى قبر الخليل أو غيره. وكذلك من سافر إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لمجرد القبر، لا لعبادة مشروعة في المسجد، كان عاصيا، وإن نذر ذلك لم يوفي بنذره، سواء سافر لأجل قبره أو لأجل ما هنالك من المقابر والآثار أو مسجد قباء أو غير ذلك. قال القاضي عبد الوهاب في «الفروق»: يلزم المشي إلى بيت الله الحرام، ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس. والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله. والفرق بينهما أن المشي إلى بيت الله طاعة فيلزمه، والمدينة وبيت المقدس الطاعة في الصلاة في مسجديهما فقط، فلم يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه. ألا ترى أن من نذر الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك، ولو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه. فإذا كان إمامه ينهى عن السفر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم دون إتيان مسجده، ونهى الناذر لذلك أن يوفي بنذره. والمالكية بل الأئمة الأربعة بل الأئمة الأربعة وغيرهم متفقون على أن ذلك لا يوفي بنذره. بل مالك والجمهور نهوا عن الوفاء بنذره لكونه عندهم معصية. فيلزم هذا المفتري أن يكون مالك وأصحابه مجاهرين بالعداوة للأنبياء، مظهرين لهم العناد. وكذلك سائر الأئمة والجمهور الذين حرموا السفر لغير المساجد الثلاثة، وإن كان المسافر قصده الصلاة في مسجد آخر. ومعلوم أن المساجد أحب البقاع إلى الله، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغضها إلى الله الأسواق». والأئمة الأربعة متفقون على أن السفر إلى مسجد غير الثلاثة لا يلزم بالنذر، ولا يسن، وليس مستحبا ولا طاعة ولا برا ولا قربة. وجمهورهم يقولون: إنه حرام. مع أن قصد المساجد للصلاة فيها والدعاء أفضل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفاق علماء أمته. من قصد قبور الأنبياء والصالحين والدعاء عندها، بل هذا محرم، نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعن أهل الكتاب على فعله، تحذيرا لأمته. ففي الصحيح أنه قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك». وفي الصحاح من غير وجه أنه قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنحارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا». قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. فمقابر الأنبياء والصالحين لا يجوز اتخاذها مساجد، بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفاق أئمة المسلمين على ذلك. من كره الصلاة في المقبرة، ومن لم يكره، فإن الذين لم يكرهوا قالوا: سبب الكراهة هو نجاسة التراب، فإذا كان طاهرا لم يكره. وأما اتخاذ القبور مساجد بسبب تعظيم صاحب القبر حتى يتخذ قبره وثنا، وهذه علة أخرى علل بها طوائف من المسلمين، من فقهاء المدينة والكوفة، وفقهاء الحديث من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم، كما ذكرت أقوالهم في غير هذا الموضع. بل صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم الذي حرم هذا السفر، يلزم هذا المفتري الجاهل أن يكون مجاهرا للأنبياء بالعداوة والعناد. بل المساجد غير الثلاثة نهي عن السفر إليها. وأما إتيانها بلا سفر للصلاة والدعاء، فمن أعظم العبادات. والعبادات والقربات تكون واجبا تارة ومستحبا أخرى. وأما قبور الأنبياء والصالحين، فلا يستحب إتيانها للصلاة عندها والدعاء عند أحد من أئمة الدين، بل ذلك منهي عنه في الأحاديث الصحيحة، كما ذكر غير واحد من العلماء. ولكن يجوز أن تزار القبور للدعاء لها، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أهل البقيع. وأما قبره خصوصا، فحجب الناس عنه، ومنعوا من الدخول إليه. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيث ما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني». وكذلك قال في السلام عليه. والله أمر بالصلاة والسلام عليه مطلقا، وذلك مأمور به في جميع البقاع، لا يختص قبره باستحباب ذلك، بل هو مستحب مشروع في جميع البقاع. وتخصيص القبر بذلك منهي عنه. فالذين نهوا عن هذا السفر إنما نهوا عنه طاعة لله ورسوله، فهم قاصدون بذلك طاعة الله واتباع رسوله. ولو كانوا مخطئين لم يكن القاصد لطاعة الأنبياء معاديا لهم، لا سرا ولا جهرا، ولا معاندا لهم، بل موجبا لطاعتهم والإيمان بهم ومواليا لهم، مسلما لحكمهم. ولو كان مخطئا، فإن هذا كان قصده، فكيف يجعل معاديا لهم، لا سيما مع أنه مصيب موافق لهم باطنا وظاهرا. ولو قدر أن المجيب حرم زيارة القبور مطلقا، سفرا وغير سفر، فهذا قول طائفة من السلف، مثل الشعبي والنخعي ومن سيرين، كما ذكر ذلك عنهم غير واحد، منهم ابن بطال في «شرح البخاري». وهؤلاء من أجل علماء المسلمين في زمن التابعين، باتفاق المسلمين. ويحكى قولا في مذهب مالك. ومن قال ذلك لم يكن معاديا للأنبياء، لا سرا ولا جهرا، ولا معاندا لهم، لا باطنا ولا ظاهرا. ومن قال عن علماء المسلمين الذين اتفق المسلمون على إمامتهم: إنهم كانوا معاندين للأنبياء، فإنه يستحق عقوبة مثله. ولا خلاف بين المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد نهى عن زيارة القبور أولا، فكان ذلك محرما في أول الإسلام، وقد اعترف هذا المعترض بذلك. فهل يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حرم زيارة القبور كان مجاهرا للأنبياء بالعداوة، مظهرا لهم العناد؟ وكذلك سائر الشرع المنسوخ، ليس فيه معادات للأنبياء ولا معاندة لهم، لا سرا ولا جهرا. فإن الله لم يشرع معادات أنبيائه ولا معاندتهم قط، بل الإيمان بجميع الأنبياء كالتوحيد، لا بد منه في كل شرعة ودين. والأنبياء دينهم واحد، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن معشر الأنبياء ديننا واحد». وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:51] إلى قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون:52]، قال عامة المفسرين: على ملة واحدة، وعلى دين واحد. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:81]. فأمر متقدمهم أن يؤمن بمتأخرهم، كما أمر متأخرهم أن يؤمن بمتقدمهم. فكل ما شرع في وقت لا يكون مقصوده معادات للأنبياء، كما لا يكون مقصوده شركا. فإن الله لم يشرع الشرك قط، ولا شرع معادات الأنبياء قط. لكن من تمسك بالمنسوخ ما علم أنه منسوخ، يكون مكذبا. ثم معادات الأنبياء ومعاندتهم هي كفر بهم وتكذيب لهم. هذا الرد من الشيخ رحمه الله تعالى، كما ترون يدل على سعة اطلاعه وغزارة علمه رحمه الله تعالى. فقد بيّن رحمه الله تعالى أن المعترض باعتراضه وادعائه أن هذا يعتبر مجاهرا للأنبياء بالعداء ونحو ذلك، هو رد على أئمة المسلمين، بل وكذب على الله وعلى رسوله. وبيّن أدلة ذلك من أدلة الكتاب والسنة. فإن أدلة الكتاب والسنة تدلان على النهي عن هذا المعنى لما فيه من ذريعة للشرك. فكذلك التعظيم غير المشروع، الأدلة العامة والخاصة. ومن الأدلة الخاصة ما أشار إليه في حديث أبي بصرة بن أبي بصرة الغفاري: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». والحديث ذكره شيخنا رحمه الله في «الصحيح المسند»، وفيه قصة. وذلك أنه رأى أبا هريرة جاء من الطور، فأخبره أنه لو علم قبل أن يذهب أنه سيذهب لمنعه لهذا الحديث. فصار أبو هريرة رضي الله عنه يحدث بعد ذلك بهذا الحديث، وحديثه في الصحيح كما مر معنا، وسيأتي إن شاء الله. فهذا نص في المسألة: أنه لا يجوز شد الرحل ولا السفر ولا إعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة. فكيف ادعى بعد ذلك أن من نهى عن زيارة القبور بالسفر، وقبور الأنبياء على وجه الخصوص، كان معاديا للأنبياء والصالحين؟ فهذا من الكذب. ثم نقل رحمه الله من ثقات أهل العلم وسلف الأمة ما يدل على تأكيد هذا المعنى الذي جهله هذا المعترض. وكما قلنا: يدل نقله رحمه الله على سعة علمه واطلاعه. فبعض هذه الكتب ليست موجودة اليوم. مع أن الكتب في زمانه ليست كالكتب في هذا الزمان. ففي زماننا هذا الكتب على كثرة الطباعة وسهولة الانتشار، ومع ذلك لا تجد كل طلبة العلم يستطيعون الوصول إلى كل الكتب. بل يعجز الطالب أحيانا الوصول إلى الكثير من الكتب. وكيف استطاع في ذلك الزمان مع قلة الكتب وشحها ونذرتها الوصول إلى هذه المراجع الكثيرة العظيمة في مثل هذه المسألة الدقيقة؟ ليست عندهم فهارس، ليست عندهم مراجع، ليست عندهم كذلك يعني وسائل تعين على سرعة الوصول إلى مثل هذه الأقوال. وإنما يدل هذا على سعة اطلاعه واستقرائه رحمه الله تعالى في كتب أهل العلم، ليس فقط فيما يتعلق باختصاصه كتب الحنابلة، بل كتب الحنابلة وغيرهم. فهو ينقل هنا عن المالكية وعن غير المالكية ما لا يعرفه قاضي قضاة المالكية. وما أشار إليه من الحديث أكثر. وقد مر الكلام عليه. وحديث: «أحب البقاع إلى الله المساجد» صوابه: «أحب البلاد إلى الله» كما أشار إليه المعلق، وهو في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وكذلك حديث: «لا تتخذوا قبري عيدا» وفي رواية: «بيتي» قد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذه اللفظة ليست صحيحة بكتابه «التوسل والوسيلة»، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة. ونبه الحافظ ابن حجر، ونقل عن القرطبي وغيره أن هذه اللفظة مما اشتهرت، وهي رواية بالمعنى. والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن قد قبر في بيته حتى يقال مثل هذا الحديث، لكنها رواية بالمعنى. والشاهد منها ما قد علم مما أراد أن ينبه عليه رحمه الله. وما نقله فيما نقله ابن بطال عن الشعبي والنخعي وسفيان يعني في المنع من زيارة القبور مطلقا، ليس فقط زيارة قبور الأنبياء والصالحين في السفر، بل منع من زيارة القبور مطلقا، حتى في غير السفر، حتى في الأنبياء وفي غير الأنبياء. وذلك لما ورد من الأحاديث في النهي عن زيارة القبور. وبعض أهل العلم وجه كلامهم. وقد نقل عن الشعبي أنه قال: لو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي. وروي عن النخعي وسفيان أنهما قالا: كانوا يكرهون زيارة القبور. يعني بذلك التابعين، ومن رووا عنهم من الأئمة ممن قبلهم. وأشار ابن بطال رحمه الله في شرحه إلى هذه الآثار، وقد وجه ذلك بمعنيين. وجه بأنهم لم تبلغهم أحاديث الرخصة، أحاديث الرخصة كالأحاديث التي مرت معنا قبل قليل: حديث بريدة، وحديث أبي هريرة. ووجه كذلك بأنهم فهموا من هذه الأحاديث أن لا يكثر من زيارة القبور حتى لا تحصل الفتنة. وهذا الثاني هو الأقرب. فمثل هؤلاء، إما الظن بهم أنهم لا تخفى عليهم مثل هذه الأحاديث الرخصة، لكنهم احتياطا للدين ودرء للفتنة عن المسلمين، كانوا يكرهون كثرة الزيارة للقبور حتى لا تحصل الفتنة في هذه الزيارة. وهذا الظن بهم رحمهم الله. فكيف يقال بعد هذا مع وجود دواعي الفتنة في شد الرحل والسفر إلى قبور الأنبياء والصالحين: بأن هذا مما فيه معاداة للأنبياء؟ فسبحان الله، لا يقول ذلك كما قال شيخ الإسلام في أول الرد، إلا من جهل الدين حقيقة، وإلا من علم الدين لا يقول مثل هذا الكلام. ومن علم كلام أهل العلم في هذا الباب، فهو في الحقيقة لا يتجاسر على أن يقول مثل هذا الكلام. وباقي الكلام أظن الله أعلم ظاهر، إلا إذا كان عندكم شيء. نقفل هنا إن شاء الله، أو تحبون نواصل قليلا. ما بين قولي: «بيتي» و«قبري» نعم. وفي هذه الرواية كذلك بالمعنى. هو أنكر ما بين قولي: «قبري» و«بيتي». الصواب: وقبري. هذا من بري وبيتي، الصواب: وقبري. وقبري هو المقصود. ذاك لكن هذه اللفظة «بيتي» كذلك ليست موجودة في شيء من الروايات الصحيحة. لا ذاك ولا هذه اللفظة. وهذه اللفظة مثلها رواية بالمعنى. يعني أقصد كما نبه العلماء على الخطأ في ذلك الحديث، فكذلك ينبه هنا بالمثل، وبالضد في هذا الحديث. فلا تتخذوا قبري عيدا. وأما رواية «بيتي» لا يعلم في شيء من الكتب. والله أعلم أنه جاء «بيتي». وأنتم انظروا هل وجدتم لفظة «بيتي» في شيء من الطرق؟ ظاهر لم يصح شيء عندكم. فصل. والشيء قريب. لا، لا بيد، فرص. نترك إلى هنا إن شاء الله. وهذه علة أخرى نعم. يريد رحمه الله: يعني صفحة كم هذا؟ قال: وأما اتخاذ القبور مساجد، في شرع تعظيم صاحب القبر حتى يتخذ قبره مثلا. وهذه علة أخرى علل بها طوائف المسلمين: فقهاء المدينة إلى آخره. يريد رحمه الله وتعالى: يعني أن من أهل العلم من أنكر الصلاة في المقبرة لأجل النجاسة. ومن أهل العلم من قال: لأجل أن لا يحصل التعظيم والافتتان بالقبر. وهذا هو الصواب. هذه علة أخرى في منع يعني الصلاة في المقبرة. وهذا أصوب؛ لأن المؤمن لا ينجس حيا وميتا.