تعليق - الرد على الأخنائي 20

تعليق - الرد على الأخنائي 20

الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 20، الدرس العشرون : من : (الوجه السابع:أن يقال الذين أثبتوا استحباب السلام عليه ... وهو نظير علي بن الحسين .هذا ابن الحسين وهذا ابن الحسن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

السلام على النبي وآدابه

يناقش استحباب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره ورد الله لروحه للسلام، ويوضح معنى الصلاة والسلام عليه. كما يشرح آداب زيارة مسجد الرسول والصلاة فيه.

آداب زيارة المسجد النبوي

يشرح آداب زيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، ويبين مشروعية الصلاة والسلام عليه في أي مكان، ويورد أحاديث نبوية حول عدم تخصيص قبره بالصلاة أو جعله عيدا.

فهم السلف للسلام على النبي وتقييم الأحاديث

يناقش استدلال المعترضين بفعل ابن عمر واستحباب السلام على النبي، ويوضح فهم السلف لنهي تخصيص القبر بالزيارة. كما يقيّم صحة حديث معين ويشير إلى أحاديث أخرى مشابهة قد تكون صحيحة أو لها شواهد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رد على الأقناع: الوجه السابع، أي قال الذين أثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة، كما لكم لحبيب وأحمد بن حنبل وأبي داود، احتجوا بإما بفعل ابن عمر، كما احتج به مالك وأحمد وغيرهم، وإما بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد عن أبي غرارة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». فهذا عمدته أحمد وأبي داود بن حبيب وأنثالهم. وليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند عند قبري، لكن عرفوا أن هذا هو المراد، أنه لم يرد على كل مسلم عليه في كل صلاة في شرق الأرض وغربها. مع أن هذا المعنى إن كان هو المراد، بطل الاستدلال بالحديث بكل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام. وإن كان المراد هو السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء، فأن يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة، فهذا مما تنازع فيه الناس. وقد توزعوا في دلالته. فمن الناس من يقول: هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره، كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يرد عليهم. فهؤلاء سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم. وهذا قد جاء عموما في حق المؤمنين: «ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحا حتى يرد عليه السلام». قالوا: فأما من كان في المسجد، فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره، بل سلامهم عليه كالسلام عليه في الصلاة، وكالسلام عليه إذا دخل المسلم المسجد وخرج منه. وهذا هو السلام الذي أمر الله به في حقه بقوله: «صلوا عليه وسلموا تسليما». وهذا السلام قد ورد أنه من صل على له مرة سلم الله عليه عشرة، كما أنه من صل عليه مرة صل عليه بها عشرة. فأما أثر من صل عليه مرة صلى الله عليه عشرة، ففي الصحيح، كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليه، فإنه من صل عليه مرة صلى الله بها عليه عشرة، ثم صلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي». وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه، كما في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صل علي واحدة صلى الله عليه عشرة». وأما السلام، فقد جاء أيضا فيها حديث، من أشرع حديث عبد الله بن مبارك عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن سليمان مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه، وقال: «إنه جاءني جبريل وقال: أما يرضيك يا محمد أنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، أو لا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا». فقد رؤيا في عدة أحاديث أن الله يصلي على كل من صلى عليه، ويسلم على من يسلم عليه، ولم يذكر عددا. لكن الحسنة بعشر أمثالها، فالمقيد يفسر المطلق. قال: ورواه من رواية عبد الرحمن بن عوف عنه عليه السلام قال: لقيت جبريل، فقال لي: أبشرك أن الله يقول: من سلم عليك سلمت عليه، ومن صلى عليك صليت عليه. قلت: وبعض الكلام على هذه الأحاديث له موضع آخر، والمقصود هنا أن ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه هو كما أمر به صلى الله عليه وسلم من الدعاء له بالوسيلة، وهذا أمر أخص به، فإن الله أمر بذلك في حقه بعينه، مقصورا بذلك. وإن كان السلام على جميع عباد الله الصالحين مشروعا على وجه العموم. وقد قيل: إن الصلاة تقرأ على غير الأنبياء، وغلط بعضهم فقال: تقرأ على غيره. وكذلك قال بعض المتأخرين في السلام. ولكن الصلاة التي عليه عامة العلماء أنه لا يسلم على غيره. وأما الصلاة، فقد جوز أحمد وغيره، والنزاع فيها معروف. وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: حدثنا أبو مالك عن أبي طلحة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلمتم علي فاسلموا على المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين». وقد قال الله في كتابه: ﴿فالحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾، وقال: ﴿وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين﴾. قال: وقال لما ذكر نوحا وإبراهيم وموسى وهارون وإلياسين: ﴿وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين﴾، ﴿وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم﴾، ﴿وتركنا عليه في الآخرين سلام على موسى وهارون﴾، ﴿وتركنا عليه في الآخرين سلام على إلياسين﴾. والمقصود هنا أن هذا السلام المأمور به خصوصا، وهو المشروع في الصلاة وغيرها، عموما على كل عبد صالح. فقول المسلم: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، فإن هذا ثابت بالتشهدات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها، مثل حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين، وحديث أبي موسى وابن عباس الذين رواهما مسلم، وحديث ابن عمر وعائشة وجابر وغيرهم التي في المسانيد والسنن. وهذا السلام لا يقتضي ردا من المسلم عليه، بل هو منزلة دعاء المؤمن للمؤمنين، واستغفار لهم، فيه الأجر والثواب من الله. وليس على المدعو لهم مثل ذلك الدعاء. بخلاف سلام التحية، فإنه مشروع بالنص والإجمال في حق كل مسلم. وعلى المسلم أن يرد السلام، ولو كان المسلم عليه كافرا. ولو كان المسلم عليه كافرا، فإن هذا من عدل واجب. ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد على اليهود إذا سلموا عليه بقوله: «وعليكم». وإذا سلم على معين، تعين الرد. وإذا سلم على الجماعة، فالرد عليهم فرض على الأعيان أو على الكفاية على قولين مشهورين عند العلماء. والامتداح به عند اللقاء سنة مؤكدة. وهل هو واجب على قولين معروفين، وهما قولان في مدى بأحبن وغيره. وصلاة مزاحم من قبر على الميت المؤمن هو من هذا الباب. ولهذا رؤي أن الميت يرد السلام مطلقا. فالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم في مسجده، وسائر المساجد، وسائر البقاع، مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. وأما السلام عليه عند قبره من داخل الحجرة، فهذا كان مشروعا لما كان ممكنا بدخول من ينخل على عائشة. وأما تخصيص هذا السلام أو الصلاة بالمكان القريب للحجرة، فهذا محل النزاع. والعلماء في ذلك ثلاثة أقوال. منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة والسلام عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلي في المسجد، استحب أيضا أن يأتي إلى الحجرة ويصلي ويسلم، كما ذكر ذلك الطائفة من أصحاب مالك والشافعي وحنبل. ومنهم من لم يذكر إلا الثاني فقط. وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط. فأما النوع الأول، فهو المشروع لأهل البلد والغرباء في هذا المسجد وغير هذا المسجد. وأما النوع الثاني، فهو الذي طرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء، سواء مع الأول أو مجردا عنه. كما ذكر المحب وغيره. وإذا دخل مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: «بسم الله، وسلام على رسول الله، السلام علينا من ربنا، وصلى الله وملائكته على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمته، وجنبني من الشيطان الرجيم». ثم اتجه إلى الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر، فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر، تحمد الله فيهما، وتسأل تماما ما خرجت إليه، وتسأل العون عليه. وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك. وفي الروضة أفضل. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبر على ترعة من ترع الجنة». ثم تقف بالقبر متواضعا، وتصلي عليه، وتثني بما يحضر، وتسلم على أبي بكر وعمر، وتدعو لهما. وأكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار. ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء. قلت: وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة، وهو المنقول عن الإمام أحمد في مناسك المروذي. وأما مالك، فقال عنه: أنه يستحب التطوع في موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: لا يتعين لذلك موضع من المسجد. وأما الفرض، فيصليه في الصف الأول مع الإمام بلا ريب. والذي ثبت في الصحيحة عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتحرى الصلاة عند الاستوانة. وأما قصد تخصيصه بالصلاة فيه، فلا أصل له. وأما مقامه، فإنما كان يقوم فيه إذا كان إماما يصلي بهم القوم. والسنة أن يقف الإمام وسط المسجد أمام القوم. فلما زين في المسجد، صار موقف الإمام في الزيادة هو المقصود. قال: ومعرفة ما ورد عن السلف: أن الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد، وعند القبر في مسجد أبي يعلى، قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: أخبرنا زيد بن الحباب، قال: أخبرنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجماحين، قال: حدثنا علي بن عمر عن أبيه عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا ينجذب إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها، فقال: «ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». وهذا الحديث مما خرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي فيما اختاره من حديث الجماعة المختارة الزائدة على ما في الصالحين. وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم المستملي ونحوهما. فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل تصحيح الحاكم، فإن فيه أحاديث ضعيفة يظهر أنها كذب موضوع. فلهذا حطت درجته عن درجة غيره. هذا علي بن الحسين زين العابدين، وهو من أجل التابعين علما ودينة. حتى قال الذهبي: «ما رأيت مثله». وهو أثبت هذا الحديث بإسناده ولفظه: «لا تتخذوا بيتي عيدا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». وهذا يفيد أنه لا مزية للسلام عليه عند بيته، كما لا مزية للصلاة عليه عند بيته. بل يشرع السلام عليه من حين يدخل المسجد. وحديث الصلاة مشهور في سنن أبي داود وغيره، من حديث عبد الله بن نافع، قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». وهذا حديث حسن، ورواته ثقات المشاهير. لكن عبد الله بن نافع الصائغ فيه نكارة لا تمنع الاحتجاج به. قال ابن معين: «هو موثق». وحسبك بابن معين موثقا. وقال أبو زرعة: «لا بأس به». وقال أبو حاتم الرازي: «ليس بالحافظ، هو لي تعرف وتنكر». قلت: ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانا. فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ. وهذا له شواهد متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع. فرواه سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا حبان بن علي، قال: حدثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المغيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وقال سعيد أيضا: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني سهيل بن أبي صالح، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فما داري، وهو في بيت فاطمة يتعشى، وقال: «أدعيت إلى العشاء». قلت: «لا أريده». وقال: «دأري رأيتك عند القبر». قلت: «سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «إذا دخلت المسجد فسلم عليه». ثم قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا، لعن الله اليوم الذين اتخذوا قبور أنبياء المساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء». ورواه القاضي إسماعيل بن أسد في كتاب فضل الصلاة على النبي، ولم يذكر هذه الزيادة، وإلا قوله: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء». لأننا نعلم أن القادم لسفر والمريد لسفر سلامه هناك أفضل. وأن الغرباء يتشوفون إذا دخلوا وخرجوا. ولهذه مزية على من بالأندلس. والحسن بن الحسن وغيره لا يفرقون بين أن يكون بالمدينة والغرباء، ولا بين المسافر وغيره. ورواه القاضي إسماعيل عن إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح، قال: في حديث الحسن بن الحسن، قال: رأيتك وقفت عند القبر، قلت: «وقفت وسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «إذا دخلت المسجد فسلم عليه». ثم قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلوا في بيوتكم، ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياء المساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». ولم يذكر طول الحسن. فهذا فيه أنه أمره أن يسلم عند دخول المسجد، وهو السلام المشروع الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجماعة من السلف كانوا يسلمون عليه إذا دخل المسجد. وهذا مشروع في كل مسجد. وهذا الحسن بن الحسن هو الحسن المثنى، وهو من التابعين، وهو نظير علي بن الحسين. هذا ابن الحسين، وهذا ابن الحسن. إلى هنا إن شاء الله. وهذا الكلام من المؤلف رحمه الله تعالى. وما سيأتي إن شاء الله كذلك لبيان شبهة ربما يستدل بها المعترض، ومن وافق المعترض في مسألة شد الرحل إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك استدلالهم باستحباب السلام عليه، أي ما نقل عن ابن حبيب ومالك وأحمد. فبين رحمه الله تعالى أن كلام هؤلاء الأئمة أولا إنما هو في المسجد أو عند الحجرة، كما روي عنهم، وليس هو بالسفر للتسليم عليه. ثم بين رحمه الله تعالى عددا من الأحاديث والآثار، وذكر مجموعة من المسائل استطرادا، وكذلك تأكيدا لمعنى سبق ذكره، وهو أن قول هؤلاء الأئمة أولا لا يفيد المعترض بشيء، لأنه ليس فيه ذكر السفر. وثانيا أنهم قالوا ذلك ربما استدلوا بفعل ابن عمر، أو استدلوا بعمومات أنه يؤتى إلى الحجرة ويسلم عليه. وقد سبق أن ابن عمر رضي الله عنه تفرد بهذا الفعل، وأن سائر الصحابة على خلاف فعله. فالمرة معنا من كلام عبيد الله العمري ما يشير إلى أن غيره على خلافه، أي على خلاف فعل ابن عمر. والصواب هو فعل أكثر السلف. وأما الاستدلال بالعموم، فهو مردود بما نقل من فهم السلف من نهي تخصيص القبر بكثرة الزيارة، ولو لأجل السلام. ويدل على ذلك ما أشار إليه من الحديث، وفهم السلف في ذلك، كحديث الحسن بن الحسن بن علي، وعلي بن الحسين بن علي رضي الله عنهما ورحمهم الله تعالى. فمن فهمهم، وهذا مما يؤكد أن هذا الفهم كان فهم عامة السلف، وهو المروي عن أبيهما علي رضي الله عنه. وكفى به قائلا في هذه المسألة أن يقطع عندها النزاع، وهو أنه لا يستحب الزيارة وتكرارها للقبر، ولو لأجل التسليم. بل ظاهر القصتين أنهما ينهيان حتى ولو كان لمرة واحدة أن يأتي إلى عين القبر فيسلم عليه. وأن الصواب أن يسلم عليه من حين يدخل المسجد، إذا دخل المسجد سلم عليه، كما يسلم من يدخل إلى المقبرة فيسلم على الجميع، لا يشترط أن يأتي إلى عين القبر. بل يسلم على الجميع. هذا أولا. وثانيا سدا لذريعة الشرك. ولهذا ذكروا هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أن لا يجعل قبره عيدا. وجعله من مفهوم العيد أن يكثر العود إلى قبره، ولو لأجل التسليم. فلما كان هذا الاكثار ممكن أن يكون بالمرة الواحدة، لأنه إذا كان من زيد مرة، ومن عمر مرة، ومن صالح مرة، ومن خالد مرة، ومن فلان وفلان وفلان وفلان من الناس، وما أكثر الناس الذين يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، فكل المسلمين يحبونه. وإن كان لكل واحد مرة، صارت هذه المرات سبب لتكرار السلام عليه، فيتخذ عيدا بكثرة العود عليه. فلأجل هذا منع من منع من السلف تكرار الزيارة لقبره عليه الصلاة والسلام. وهذا هو القول الثالث، والذي رجحه رحمه الله في قوله: وللعلماء بذلك ثلاثة أقوال. منهم من ذكر استحباب السلام إلى آخر كلامه. قال: وكثير من السلف، وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط. يعني القول الثالث: أنهم لم يذكروا إلا النوع الأول، ويريد بالنوع الأول السلام والصلاة عليه عند دخول المسجد فقط، وليس كذلك بعد الصلاة في المسجد، وهذا هو النوع الثاني. ومع ذلك، كما فهمنا، كثير من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط، أولا بدون تكرار، وثانيا بدون حضور الحجرة. بدون حضور الحجرة. فعدم حضور المسلم إلى الحجرة أولى من الحضور إليها، كما يفهم من روايتي الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنه ورحمه الله. فإنه يفهم منه هذا المعنى. وهذا هو الذي مر معنا قول جماعة من أهل العلم. ولم يثبت أن أحدا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا من التابعين، كان يخص القبر بالتكرار السلام. وهذا الذي روي عن الحسن، كما قلنا، سدا لذريعة أن يتخذ قبره عيدا. وقد ذكر مجموعة من الأحاديث، بعضها صحيح، كما أشار، إما في الصحيحين، وإما في صحيح مسلم. وبعضها خارج الصحيح، وهو صحيح، مثل ما أشار إليه من حديث عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء ذات يوم والبشرى تتراءى في وجهه الحديث. وقد صححه شيخ العلامة الألباني في المشكاة. ومنه ما هو صحيح بشواهده، وهو ما أشار إليه في حديث عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقيت جبريل، فقال لي: أبشرك أن الله يقول...». فهذا وإن كان روي بإسناد ضعيف، كما قال الشيخ الألباني رحمه الله في عمر بن أبي عمر، وفيه ضعف، والحديث فيه شيء من الاضطراب، إلا أنه أشار إلى تصحيحه في تحقيقه لكتاب القاضي إسماعيل في فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون حسن بشواهده. وبعضها ضعيف، كالحديث الذي ذكره حديث أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سلمتم علي فاسلموا على المرسلين...» إلى آخره. هذا ضعيف جدا، في عمر بن هارون البلخي متروك، وشيخه موسى بن عبيدة مثل هو أشد، مثل هو أخف، كما أشار إلى ذلك الشيخ الألباني رحمه الله في تحقيقه لكتاب القاضي إسماعيل. والحديث الأخرى بهذا المعنى، إما صحيح، وإما في الشواهد.