الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 35، الدرس الخامس والثلاثون : من : (قال المعترض ثم يلزم من دعواه أن ذلك مجمع ... والمجمع عليه من الزيارة والسغر ذكره وذكر أنه ثابت بالنص والإجماع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شيخ الإسلام يرد على من يزعم تحريم أو إباحة السفر لزيارة القبور، ويبين الإجماع على عدم استحباب السفر لغير المساجد الثلاثة. يشرح أن الصحابة والتابعين لم يكونوا يسافرون لزيارة القبور.
المؤلف يوضح عدم وجود إجماع على تحريم السفر لزيارة قبر النبي، ويبين استحباب السفر إلى المسجد النبوي بالإجماع والنص، مع ذكر آراء العلماء في زيارة القبر والسلام على النبي.
يناقش المقطع ادعاءات المنحرفين والمتصوفة حول كلام الشيخ، ويبين بطلانها وعدم صحة الاستدلال بها، مع توضيح المعنى الحقيقي لكلام الشيخ ومراده من بعض العبارات.
شيخ الإسلام يبين أن لم يثبت قبر نبي معلوم إلا قبر النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ويذكر قبر إبراهيم في سياق حكاية الحال.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رد على ما أغنانا فصل: قال المعترض: ثم يزعم من دعواه أن ذلك مجمع على تحريمه أن تكون سادة الصحابة مع التابعين من بعدهم من العلماء المجتهدين للإجماع خارقين، مصرين على تقرير الحرام، مرتكبين بأنفسهم وفتاويهم ما لا يجوز، مجمعين على الضلالة، سالكين طريق العماية والجهالة. فيقال: هذا من نمط ما قبله، وفيه من القول المنكر والزور ما لا يحيط بتفصيله إلا رب العالمين. وذلك أن الجواب ليس فيه إلا الإجماع على أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كزيارة القبور، ليس مستحبًا ولا قربة ولا طاعة. ولم ينقل خلاف هذا عن أحد من الصحابة والتابعين ولا إمة المجتهدين. أن السفر لمجرد زيارة القبور مستحب، هذا لا يمكن أحد أن ينقله عن أحد من السلف ولا إمة الأربعة ولا غيرهم. بل ولا كان على عهد الصحابة رضي الله عنهم في ديار الإسلام قبر ولا مشهد ولا أثر يسافر إليه. ولم يكن أحد على عهد الصحابة والتابعين يسافر إلى قبر الخليل، ولا كان ظاهرًا، بل كان في المغارة التي بنى عليها البناء الذي يمنعه. وقيل: إن سليمان عليه السلام بناه، كما بنيت حجرة على قبر نبينا صلى الله عليه وسلم. وكان الصحابة والتابعون يسافرون إلى بيت المقدس، ولم يكونوا يسافرون إلى قبر الخليل، وقبر يوسف نفسه، إنما ظهر في خلافة المقتدر، أظهره بعض العجائز المتصلة بدار الخلافة. ولا كانت تلك البنية بابًا حتى استولى الكفار الإفرنج على البلاد، وهم نقبوا نقبًا ودخلوا فيه، وصار ذلك مثل الباب. ثم لما فتح المسلمون البلاد لم يسد ذلك النقب، فالسنة أن يسد، ولا يدخل أحد إلى هناك لا لصلاة ولا غيرها، كما كان عليه الأمر على عهد الخلافاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين. فمتى أقر الصحابة والتابعون أحدًا على شد الرحال غير المساجد الثلاثة، القبور أو غيرها؟ وبصر لما رأى أبا هريرة قادمًا من الطور الذي كلم الله عليه موسى، قالوا: أدركك قبل أن تذهب إليه، لم تذهب؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». ووافقوا أبا هريرة على ذلك. هكذا رواه أهل السنن والموطأ. وفي الصحيحين أن أبا هريرة رضي الله عنه روى هذا الحديث. فإما أن يكون أبو هريرة قد نسي الحديث، أو يقال: لم يكن سمعه، وهو ضعيف. أو يكون ما في الصحيحين هو الصواب دون قصة بصر ابن أبي بصرة. فنعم الذي أقر عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين هو السفر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا مستحب مشروع بالنص والإجماع. والإنسان إذا أتى مسجده فصلى في مسجده، ما يشرع له من الصلاة والصلاة على الرسول والتسليم والثناء عليه ونشر فضائله ومناقبه وسننه، وما يوجب محبته وتعظيمه والإيمان به وطاعته، فهذا كله مشروع مستحب في مسجده. هذا هو المقصود من الزيارة الشرعية والسفر إلى مسجده للصلاة فيه، وما يتبع ذلك مستحب بالنص والإجماع. ولكن كلام المعترض يشعر بأن المجيب ينهى عن السفر إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وزيارته الزيارة الشرعية، وأنه حكى في ذلك قولين. وبهذا يشنع بعض الناس ممن له غرض فاسد أو جهل بما يقال أو جمع الأمرين. وهذا باطل. وكلام المجيب في أجوبته الكثيرة ومصنفاته كلها بيّن أن السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية مستحب باتفاق المسلمين، لم ينه عنه أحد. وهذا الذي اتفق عليه المسلمون. وإن تنازعوا في بعض تفاصيل الزيارة الشرعية، فتم أمور يستحبها بعضهم وينهى عنها بعضهم، قد ذكرت في مواضع. فمواضع النزاع لا يصح فيها دعوى الإجماع. ومحل النزاع لم يذكر في الجواب فيه نزاع. فإن كان هذا المعترض ظن أنه حكى الإجماع على تحريم السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية، فهذا قطأ منه، ليس في الجواب شيء من هذا. بل فيه تقرير السفر إلى مسجده والزيارة الشرعية. فإنه جعل عمدة المتنازعين قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد هذا». وقد ذكر المجيب أن هذا الحديث متفق مما اتفق الأمة على صحته والعمل به. فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير هذه الثلاثة، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأمة الأربعة. ولو نذر أن يسافر ويأتي إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة، وجب ذلك باتفاق العلماء. ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف، وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه، وأحمد. ولم يجب عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يجب عنده الوفاء بالنذر إلا فيما كان من جنسه واجب بالشرع. أما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة، كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعص الله فلا يعصه». والسفر إلى المسجدين طاعة، فلهذا وجب الوفاء به. وأما السفر إلى غير المساجد الثلاثة، فلم يجب أحد من العلماء. هكذا في الجواب. والشافعي رحمه الله في القول الذي لا يجب فيه السفر إلى المسجدين يستحبه، بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة، فإنه لا يجب ولا يستحبه. وهذا معروف من كلامه وكلام أصحابه الذين شرحوا كلامه، مثل تعليقه مثل تعليقة الشيخ أبي حامد وغيرها. وقد نقل عن الليث كلام قد بسط الكلام عليه في مواضع أخرى. فهذا في نفس الجواب أن السفر إلى المساجد الثلاثة باتفاق العلماء، كما دل عليه الحديث الصحيح الذي اتفقوا على صحته. ولكن تنازعوا في وجوب ذلك بالنذر. مع أن الذين قالوا: لا يجب السفر إلى المسجدين، قالوا: إنه يستحب، بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة، فلا يجب ولا يستحب عند أحد منهم. بل صرح بالتحريم من صرح منهم، كمالك وغيره. وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد. قال الشافعي في المقتصر للمزني: ولو قال: لله علي أن أمشي لم يكن عليه شيء حتى يكون برًا، فإن لم يكن برًا فلا شيء عليه؛ لأنه ليس في المشي لغير المواضع الثلاثة بر. وذلك مثل المسجد الحرام. قال: وأحبه لو نذر إلى مسجد المدينة أو إلى بيت المقدس أو يمشي. قال شيخ أبو حامد الإسفرائيني: إذا نذر مشيًا فلا يخلو إما أن يعين الموضع الذي يمشي إليه أو لا يعين. فإن لم يعين الموضع فإن هذا النذر لا ينعقد؛ لأن المشي في نفسه ليس بقربة. وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى قربة كالحج والعمرة والجهاد. وإن عين الموضع الذي يمشي إليه، فلا يخلو إما أن يقول: لله علي أن أمشي إلى بيت الله الحرام، أو إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو المسجد الأقصى، أو إلى أحد المساجد. قال الشافعي: تمسجدي مصر أو إفريقية. فإذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام، إن عقد نذره. وإن نذر المشي إلى مسجد الرسول أو إلى المسجد الأقصى، فالذي في الأم أنه لا يلزمه؛ لأنه قال: وأحبه لو نذر المشي إلى مسجد المدينة. وقال في البويط: يلزمه المشي إليه، وهو قول مالك. وعلل أبو حامد القولين، وقال في توجيه منع اللزوم: فيحمل على أنه أراد «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» واجبًا. ويحتمل «لا تشد» مستحبًا، لكنه وجوبًا أو استحبابًا. فتبين أنه لا يستحب السفر إلى غير المواضع الثلاثة. قال: أما إذا نذر أن يمشي إلى مسجد من مساجد سوى الثلاثة، مثل مسجد مصر وإفريقيا، فإن هذا لا يلزمه. وإن نذر أن يصلي في مسجد منها معين، لزمه الصلاة، ولا يتعين الموضع، وله أن يصلي في أي مسجد شاء؛ لأن المشي في نفسه ليس بقربة، وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى ما هو قربة. ومعلوم أنه ليس لغير هذه الثلاثة مزية بعضها على بعض في القربة، فلم يتعين المشي إليه أو الصلاة فيه بالنذر. فإذا كان هذا في الفتوى، كيف يجوز أن يظن أن فيها النهي عما فعله الصحابة والتابعون وإمة المسلمين من السفر إلى مسجده؟ وقد صرح فيها بأن ذلك طاعة مشروعة بالنص والإجماع. وأما زيارته، ففي نفس الجواب: وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة. لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها. بل مالك إمام أهل المدينة النبوية، الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة، يكره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. ولو كان هذا اللفظ مشروعًا عندهم أو معروفًا أو مأثورًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يتركه عالم المدينة والإمام أحمد، أعلم الناس في زمانه بالسنة. لما سئل عن ذلك، أي عن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث، إلا حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». وعلى هذا يعتمد أبو داود في سننه، وكذلك مالك في الموطأ، روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتي، ثم ينصرف. فهذا قد ذكر في الجواب: أن الأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة، لم تعتمد الأئمة على شيء منها. بل مالك كره أن يقال: زرت قبر النبي صني الله عليه وسلم. ولكن أحمد وغيره، لأبي داود وعبد الملك بن حبيب، اعتمدوا في زيارة قبره على قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». ومالك وأحمد وغيرهما احتجوا بحديث ابن عمر: أنه كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. فكان عند الأئمة مالك وأحمد من المأثور في ذلك السلام عليه. وهذا هو الذي يسمى زيارة قبره. فأحمد وأبو داود وغيرهما يسمون السلام عليه زيارة لقبره صلى الله عليه وسلم. وكذلك ترجم أبو داود عليه: «باب ما جاء في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم». وأما مالك، فإنه يستحب هذا السلام، وليسميه زيارة لقبره. ومالك قد تقدم كلامه، وأنه في مواضع لم يستحب سوى السلام كما جاء عن ابن عمر. وقد ذكر في الجواب: وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء، دعوا مستقبل القبلة، ولم يستقبلوا القبر. وأما وقوف المسلم عليه، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضًا، ولا يستقبل القبر. وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة. ولم يقل أحد من الأئمة: أنه يستقبل القبر عند الدعاء، يعني لنفسه، كما يفعله المستغيثون بالميت. ولم يقل أحد من الأئمة: أنه يستقبل القبر في هذه الحال، إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك، ومذهبه بخلافها. واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم بيده، ولا يقبله. فقد ذكر ما ذكره العلماء في زيارته والسلام عليه، وأين يسلم عليه، وأين يدعو. وهذا كله إنما يكون في المسجد. وقد تقدم أن السفر إلى المسجد مستحب مشروع بالنص والإجماع. هذا الذي أجمع عليه المسلمون، ذكر في الجواب: أنه مستحب. هذا الذي يزعم أنه في الجواب ما يقضي إجماع الصحابة والإما على تقرير الحرام، قول باطل ظاهر البطلان. بل في الجواب ذكر ما أجمع عليه، وما تنازع فيه. والمجمع عليه من الزيارة والسفر ذكره، وذكر أنه ثابت بالنص والإجماع. وهذا الفصل كذلك جعله المؤلف رحمه الله تعالى لرد كلام المعترض الذي فيه ادعاء وتقول على الشيخ رحمه الله بأنه ادعى إجماعًا على الحرام. وقد أبان رحمه الله تعالى: وقد سبق في الحقيقة معنى هذا الكلام، لكنه تأكيد لرد هذه العبارة بعينها، من أنه ليس بكلامه، هذا لا باللفظ ولا بالمعنى. بل اللفظ والمعنى يدلان دلالة واضحة بينة أنه لم يكن قد أشار إلى ذلك، ولا ألمح إليه أبدًا. بل أبان رحمه الله تعالى مذهب العلماء، وبين مواضع الاتفاق والافتراق والإجماع والنزاع، بما لا يوجب شبهة وشك، فضلًا على أن يدعى بمثل هذا الادعاء الصريح من أنه تقول عليهم التحريم أو الإجماع على التحريم. وهذا غاية في البطلان، وهكذا كذلك غاية في المجازفة والتقول. وما أشار إليه رحمه الله تعالى من مسائل، أكثرها سبقت. وينبهنا على بعض المسائل. فقوله في حديث أبي هريرة: وفي الصحيحين أن أبا هريرة روى هذا الحديث. فإن من يكون أبو هريرة قد نسي الحديث، أو يقال: لم يكن سمعه، وهو ضعيف. أو يكون ما في الصحيحين هو الصواب دون قصة بصر بن أبي بصرة. هذه ثلاثة احتمالات ذكرها، وقدم الأول كأنه يميل إليه. وهو أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه سمع الحديث، ولكن نسيه. وهذا كثير: أن الإنسان يكون عنده علم، ولكنه ينسى، عند تطبيق العلم ينسى ما بلغه من العلم، فيذكر. وربما يقال بالثاني: أن أبي هريرة لم يسمع الحديث حتى بلغه، فلما بلغه صار يحدث به. وهذا كثير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. نجد أنه يحدث مرة عن من سمع الحديث منه من الصحابة، كعائشة وأبي سعيد وابن عمر وجماعة من الصحابة، روى عنهم أحاديث. ثم نراه في مواضع أخرى يرويه مباشرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالثاني كذلك ليس ببعيد. وأما الثالث: أن يكون الصواب ما في الصحيحين دون قصة بصر بن أبي بصرة، فهذا أضعف هذه الاحتمالات الثلاثة. وهكذا كذلك قوله: والإنسان إذا أتى مسجده فصلى في مسجده، ما يشرع له من الصلاة والصلاة على الرسول والتسليم والثناء عليه ونشر فضائله ومناقبه وسننه إلى آخر كلامه. استدل بعض المنحرفين المغرضين الضالين، عباد القبور من المتصوفين بهذه الجملة على أن الشيخ رحمه الله يجيز قراءة المولد وما كان بمعناه في مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأن المولد ليس فيه إلا نشر فضائل النبي عليه الصلاة والسلام ومناقبه وسننه وما يوجب محبته. وهذا باطل. وقد علم أهل التحقيق من أهل العلم: أنه لا يجوز التقول على إنسان ما لم يقل، ولا أن يستدل على ذلك بمجمل الكلام. وهذا من مجمل الكلام. وفي كلامه رحمه الله تعالى ما يرد ذلك في كتبه الأخرى. فكيف يضيف إلى ذلك أنه ليس بصريح، بل هو من المجمل الذي لا يصح الاستدلال به ابتداء. فإن قيل: ما معنى كلامه رحمه الله تعالى؟ فيقال: معناه أن يذكر نفسه أو يذكر غيره ما يكون فيه محبة النبي عليه الصلاة والسلام، كرجل يذكر بفضائل النبي عليه الصلاة والسلام ومناقبه وسننه ما يوجب محبته، والدعاء له بصدق. كما مر في أوائل الكتاب: أنه يكون من الإنسان الدعاء بحسب ما يكون من المحبة والتعظيم في القلب. وكيف تأتي هذه المحبة والتعظيم مع الجهل والغفلة التي تكون في قلوب أكثر العامة والأعراب ومن كان على شاكلتهم ممن هم بمعزل عن العلم؟ فكان تذكيرًا بمثل ذلك أو كذلك في حلق العلم، أو لم يكن إلا أن يذكر نفسه لكان هذا مما يزيد في المحبة والتعظيم والإجلال ما يكون معه. والإتيام بحقه في الصلاة عليه والتسليم والدعاء له. ومع ذلك فتخصيص مثل ذلك والمداومة عليه ليس من هدي السلف رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله تعالى. ولا نقل عن أحد من الإمة. وإنما هي كلمة ذكرت تبعًا وموافقة، لم يقصد الشيخ رحمه الله المواضبة عليها، وأن يتخذ دينًا ويدندن عليه. وأما قوله رحمه الله تعالى في مسألة النذر، فمراده رحمه الله تعالى ما سبق من أنه إذا ذكر هذا في حق النذر، وأن العلماء قد منعوا منه، فما دونه من ابتداء الزيارة والدعاء، استحبابًا فيها من باب أولى. فإن الوفاء بالنذر واجب، ومع ذلك منع من منع من الأئمة كما سبق. فكيف بالدعاء استحباب ابتداء الزيارة مع شد الرحل الذي هو مخالف للنص الصريح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما مر معنا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وبصر بن أبي بصرة. وأما قوله رحمه الله تعالى: وأما مالك فإنه استحب هذا السلام، وليسميه زيارة. وهكذا كذلك ما جاء في ترجمة أبي داود: «ما جاء في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم». فهذا كله يحمل على غير السفر، يحمل على غير السفر كما سبق، وأن بيّن ذلك رحمه الله في ثنايا هذا الكتاب مما سبق. وأما قوله رحمه الله: وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء، دعوا مستقبل القبلة، ولم يستقبلوا القبر. مر معنا أنه لم يرد بإسناد صحيح صريح ما يدل أن ذلك ثبت عن أحد من الصحابة. ومن روي عن أنس لم يرو بإسناد صحيح. فإذا كان كذلك، فالصحيح أنه لا يتوقف عند القبر، لا بدعاء مستقبل القبلة، ولا مستدبر القبلة، ومستقبل القبر، فكله مما يمنع. وقد مر معنا أثر الحسن والحسين من أحفاد علي رضي الله عنه، وأنه يخشى أن يكون ذلك من اتخاذ القبر عيدًا. فإذا كان تكرار الزيارة والوقوف عند القبر مما نهوا عنه، وكان هذا فهم سلفنا، فإنما هو أعظم منه من رفع الأيدي بالدعاء، من باب أولى أن ينهى ويمنع. وكون أن فلانًا من الأئمة أفتى به، لا يعني ذلك أنه من دين الله عز وجل، فإنهم ربما يجتهدون بحسب ما يبلغهم من العلم، في ظنهم، فوات ذلك العلم. وكما سبق: أنه لم يثبت أن أحدًا من الصحابة فعله. فإذا كانت كذلك، فالواجب لعدم ثبوت الدليل الصحيح الصريح، مع سد الذرائع المفضية إلى تعظيم القبر والافتتان به، يقتضيان المنع من ذلك. والله تعالى أعلم. وكما سبق، وكما سبق ذكر قبر إبراهيم: سبق أن شيخ الإسلام يقول: لم يثبت أن هناك قبرًا من قبور الأنبياء معلوم، إلا قبر نبينا عليه الصلاة والسلام. لكن هو الآن ذكره في سياق حكاية الحال.