الدرس في كتاب النكاح 9، فصل في الأنكحة المحرمة ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب الوفاء بشرط المرأة في عقد النكاح إلا إذا كان يحل حراما أو يحرم حلالا. الشروط في النكاح تنقسم إلى جائزة وممنوعة.
يشرح تحريم نكاح الزانية أو المشركة مستنداً إلى القرآن، ويبين صحة النكاح مع الإثم وتحريم البقاء مع الزاني.
لا يجوز زواج المسلم من المشركة أو الحامل من الزنا حتى تضع حملها، حفاظا على الدين والذرية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: ويجب على الزوج الوفاء بشرط المرأة إلا أن يحل حراما أو يحرم حلالا. كذلك يجب على الزوج الوفاء بشرط المرأة؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج». وأشار إليه في الشرح حديث عقب بن عامر رضي الله عنه بالصحيحين. ومعنى أن الشروط كلها يجب الوفاء بها، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المسلمون على شروطهم»، إلا أن الشروط في باب النكاح أشد؛ يعني أنه يجب الوفاء به بزيادة توثقة؛ لأنه استحل به أمرا حراما. فيزداد تأكيد الوفاء بهذا الشرط، ومراد المؤلف رحمه الله الإشارة إلى الشروط الجائزة والشروط الممنوعة؛ لأنه يوجد في باب النكاح شروط ممنوعة وشروط محرمة، ممنوعة شروط جائزة ومباحة، وأخرى ممنوعة ومحرمة. وننتبه هنا إلى الشروط في النكاح وشروط النكاح؛ فشروط النكاح هي الشروط التي لا يصح النكاح إلا بها، والشروط في النكاح هي الشروط التي يصح النكاح بها. والشروط في النكاح كذلك هي التي وضعت في الشرع؛ يعني من الأدلة الشرعية. وأما الشروط في النكاح فهي الشروط التي يضعها طرفا عقد النكاح من الولي أو المرأة أو الزوج أو أولياء الزوج ووكلاء الزوج إن كان له ولي أو وكلاء. والمراد من هذا أن ما كان من شرط لا ينافي الشرع فيجب الوفاء به؛ سواء من الزوج أو من الزوجة. والغالب يكون من الزوجة؛ لأنها هي البادئة، والزوجة تضع المهر. فمثال الشروط الممنوعة أن يشترط ما ينافي الشرع. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما مر معنا قريبا حديث عائشة بالصحيحين: «من اشترط شرطا ليس بكتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط». وإن كان مئة شرط. فإن اشترط شرطا ينافي الشرع؛ فيحرم حلال أو يحل حرام، فهذا شرط باطل، ولا يجوز الوفاء به، ولا يلتزم، ولا يلزم من ألزم به الوفاء به. مثاله: لو اشترطت الزوجة على الزوج ألا يصل أمه، قالت له مثلا: أتزوجك بشرط ألا تذهب إلى أمك، هذا شرط باطل منافي للشرع. ومن اشترط شرطا ليس بكتاب الله فهو باطل، إن كان مئة شرط. لكن لو اشترطت شرطا جائزا؛ كان تقول مثلا: أشترط عليك ألا تتزوج، فوافق الزوج؛ يعني لا تتزوج علي، وافق الزوج على ذلك؛ هو الذي رضي أن يتنازل عن حقه، يجب عليه الوفاء بذلك. طيب، فإذا احتاج الزوج أن يتزوج بعد ذلك، فهل معناه أنه لا يجوز عليه؟ الجواب: لا، معناه أن المرأة لها الحق أن تفسخ النكاح وتطالب بالفراق، ولا يلزمها مخالعة؛ لماذا؟ لأنها اشترطت شرطا ويجب عليك الوفاء بهذا الشرط. ويجب عليك الوفاء بهذا الشرط، ولو كان هذا شيء حله الله لك، لكنك ما دمت تنازلت ورضيت بالتنازل عنه؛ فيجب عليك الالتزام. «المسلمون على شروطهم»، وأنت رضيت بهذا الشرط؛ فيجب عليك الوفاء به. وتستفيد المرأة من هذا الشرط أنها إذا لم ترض به وهو متزوج؛ إذا نكح امرأة أخرى، أنها تطلب الفراق منه بغير خلع. بخلاف إذا لم تشترط هذا الشرط، ولم يرد أن يطلق الزوج؛ فإنها لا تستطيع أن تفارقه إلا بماذا؟ إلا بخلع؛ أن ترد له مهره وتفترق منه، وإلا فلا يصح غير هذا. بخلاف إذا اشترطت عليه ووافق؛ فيلزمه الشرط. فإن تزوج؛ فلها أن تخرج منه بغير أن ترد له شيئا. فأراد المؤلف رحمه الله أن يشير إلى هذا المعنى من الشروط الجائزة والشروط الممنوعة. وقوله رحمه الله: «إلا أن يحل حراما يحرم حلالا»؛ يعني هذا الذي تقدم، إذا كان الشرط فيه ما ينافي الشرط؛ فهذا لا يجوز. ومنه لو أن المرأة كما قلنا طلبت أن لا يزور أمه أو يقطع رحمه. ومن ذلك لو طلبت أن يطلق امرأته الأولى؛ مثلا يقول: يريد أن نتزوج بفلانة، قالوا له: وافقت بشرط أن تطلق الأولى؛ فهذا لا يجوز؛ لأنه فيه الإضرار بالغير. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». وهكذا حديث أبي هريرة في الصحيحين. وأشار إليه الشارح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، ثم قال في آخره: «ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها؛ فإنما رزقها الله أو رزقها على الله». والمعنى: إذا كان لا يجوز أن تطلب الطلاق لأختها؛ أي ضرتها حال كونها زوجة أخرى؛ فمن باب أولى أن لا يجوز أن تطلب الطلاق وهي ليست في زوجها أصلا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويحرم على الرجل أن ينكح زانية أو مشركة، والعكس. ويريد رحمه الله تعالى أن يشير إلى أن من الأنكحة المحرمة نكاح الزانية؛ لقول الله عز وجل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. فلا يجوز للمسلم أن يتزوج زانية؛ كما لا يجوز للمسلمة أن ترضى الزواج بزاني. حرم ذلك على المؤمنين. فمن علم من وصفه أنه يأتي الزنا ولم يتب منه؛ فإنه لا يجوز تزويجه. وهل النكاح لا يصح؟ الجواب: لا، النكاح يصح مع الإثم. الناكح يصح مع الإثم؛ إذا وقع. فالنكاح يصح مع الإثم. على أن بعض أهل العلم ذهب إلى أنه يبطل ولا يصح. والصحيح أنه يصح مع الإثم. ولا يجوز ولا يحل لمسلم ولا مسلمة أن يرضى البقاء مع زان أو زانية؛ إذا علمت المرأة أن زوجها زاني؛ لا يجوز لها أن تبقى معه. وإذا علم الرجل أن امرأته زانية؛ لا يجوز له أن يبقى معها؛ لأن ذلك مما حرمه الله عز وجل. وهذا مع ما فيه من التحريم الشرعي؛ ففيه حكمة كذلك أخرى. وكل أحكام الله عز وجل؛ لحكم نعلم بعضها ولا نعلم الكثير منها. من هذه الحكم أولا: عدم إعانة هذا الزاني أو هذه الزانية على هذا الفساد. وثانيا: عدم اختلاط الأنساب. فإن رضا الرجل بالمرأة الزانية يقتضي اختلاط النسب؛ فإنها ربما تحمل من غيره. مع ما فيه من الدياثة. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن ثلاثة لا يدخلون الجنة، ومنهم الديوث؛ أي الراضي بالزنا والفاحشة في عرضه من زوج أو أخ أو أب أو نحوه من الأولياء. وهكذا كذلك من مفاسده ما قد يقع من تبعات الزنا من الأمراض والأسقام والأوجاع التي تظهر في أهلها؛ ما لم يكن في الأمم من قبل؛ كما جاء في حديث ابن عمر عند الحاكم وغيره عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك أشياء أخرى كثيرة هي بعض هذه الحكمة التي لأجلها يحرم ذلك. وهنا تأتي مسألة: وهو إذا وقع الزنا وأراد أهل المرأة والرجل أن يسترئا القضية؛ فيزوج الرجل من المرأة؛ هل يجوز ذلك؟ خصوصا إذا وقع الحمل؟ الجواب: لا يجوز؛ حتى يحصل أمران: الأمر الأول أن تحصل التوبة منهما؛ من الرجل ومن المرأة؛ لأنه لا يجوز للرجل المسلم أن يتزوج زانية، ولا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج بزاني. ولا يجوز أن يصلح الخطأ بالخطأ؛ كون أنهما أخطأ؛ يطالبان بالتوبة؛ يطالبان بالتوبة. وإلا؛ بقاءهما مع عدم التوبة؛ معناه زيادة في الشر واسترسال فيه. فللمرأة ستحفظ عرض الرجل، ولا الرجل سيحفظ عرض المرأة؛ لا المرأة تحفظ عرض الرجل، ولا الرجل يحفظ عرض المرأة. ويحصل في ذلك من الشر، الله به عليم. فلذلك لا يجوز أن يقر هؤلاء على النكاح بهذا الوصف؛ بل ينبغي أن يطالب أولياء الرجل وأولياء المرأة؛ الجميع بالتوبة. فإن حصلت التوبة؛ فبعد ذلك ينظر: هل هناك حمل؟ فإن كان هناك حمل؛ فهذا هو الأمر الآخر الذي يجتنب. لا يجوز أن يزوج رجل من امرأة وهي حامل؛ حتى تضع حملها؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فلا يجوز لمن زن بامرأة وحملت؛ كما يقولون منه؛ أن يتزوجها ليستر عليها؛ لا يجوز هذا شرعا. فيجب أولا أن تحصل التوبة منهما، وثانيا أن يحصل استبراء الرحم ونزول الحمل بالوجه الشرعي الصحيح؛ يعني أن تضع حملها. مع أن قولهم: أن هذا الحمل من الرجل؛ ليس بصحيح. ففي الشرع لا يجوز أن ينسب هذا المولود للزاني؛ بل ينسب للمرأة؛ ولا ينسب للزاني؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». فالولد ينسب للفراش؛ يعني لفراش المرأة. فإن كان لها زوج؛ فلزوجها. وإن كان ليس لها زوج؛ فإذن لها هي؛ ولي أهلها؛ ليس إلا. وهذا أولا؛ لأنه جاء في نص الشرع. وثانيا؛ لأنه لا يؤمن على امرأة مكنت نفسها من رجل؛ أن تكون قد مكنت نفسها من رجال آخرين. فالله أعلم: هل هذا الحمل هو من هذا الرجل أو من غيره؟ وهذا هو الغالب في حال من باشر أمر الزنا؛ أن المرأة لا تكون عفيفة. فإذا لم تكن عفيفة؛ فمن أين يكون الضمان بأن هذا الحمل هو من فلان؟ وأن هذا الولد هو ولده؟ هذا ما يعلم؛ ولا يمكن الجزم به. فلهذا؛ ولما ورد من نص الشرع؛ فلا يجوز أن يزوج الرجل بالمرأة وهي حامل؛ حتى تضع حملها. ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. هذا هو الواجب في هذا المقام. ولو كان بعض الناس روى في ذلك عن بعض أهل العلم أنه يجوز؛ فهو خطأ. والحق حق أن يتبع. وهذا الإمام الشافعي رحمه الله يقول: «لو خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فارموا بقولي عرض الحائط». وقوله: «أو المشركة» كذلك؛ فإنه لا يجوز بنص الآية كما سمعنا. وهكذا في قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. فلا يجوز أن ينكح المسلم المشركة؛ كما لا يجوز كذلك أن تنكح المسلمة المشرك. فلا يجوز أن ينكح المسلم المشركة؛ ولا يجوز أن ينكح المسلمة المشرك؛ كل ذلك لا يجوز؛ بنص الكتاب والسنة. فإنه صح من غير وجه النهي عن ذلك. وفي هذا وفي هذا حكمة؛ مع ورود النص الشرعي؛ وهو الحفاظ على دين أهل الإسلام. فإن تخالط أهل الإسلام مع غيرهم من المشركين؛ له ضرر؛ إن لم يكن ضرر على الزوجين؛ فالضرر على من؟ على الأبناء؛ على الأبناء من بعدهم. إن لم يكن ضرر على الزوجين؛ فإنه ضرر على الأبناء. مع أنه في الغالب لا يؤمن الضرر بينهما. فإن قيل: كيف أحل نكاح أهل الكتاب؟ الجواب: أحل نكاح أهل الكتاب؛ بقيد وشرط؛ وهو أن تكون المرأة من أهل الكتاب. والشرط الثاني: أن يكون زواج الرجل المسلم بالمرأة الكتابية؛ ليس العكس؛ ليس العكس؛ لأن قوامة الرجل هي المؤثرة في الغالب على النساء. ومع ذلك؛ فباتفاق أهل العلم؛ نكاح المؤمنة هو الأولى والأحوط؛ نكاح المؤمنة هو الأولى والأحوط؛ لما له من أثر في حفظ الذرية. فإنك لا تأمن: إن تزوجت كتابية؛ إن صح أنها كتابية؛ لا تأمن أن يكون أبناؤك من بعدك يهود أو نصارى؛ والعياذ بالله. فكيف إذا كان الكثير ممن ينتسب إلى دين أهل الكتاب؛ كحال المعاصرين في هذا الزمان؛ هم ليسوا على دين أهل الكتاب؛ بل هم على معنى من معاني العلمنة والإلحاد المعاصر؛ فهم لا دينيين في الحقيقة؛ هم لا دينيين. هم أشد من المشركين؛ الكثير منهم؛ هم أشد من المشركين الذين نهانا ربنا جل وعلا عن النكاح بهم. ولو كان ذلك من الأنتاء؛ كما سمعنا: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. هذا لا يجوز على أهل الإيمان؛ بل محرم.