الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 19، الدرس التاسع عشر:من( ثم قال رحمه الله:وعند مراد الله تفنى كميت*وعند مراد النفس تسدي وتلحم ... وذلك لأن القدرية تقول إن الإنسان مستقل بعمله ولا دخل لله فيه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح الشيخ مقولته حول مراد الله والنفس، موضحًا الفارق بين مراد الله شرعًا ومراد النفس. كما بين أن مخالفة أمر الله لا تُعذر بالقضاء والقدر.
الاستدلال بالقضاء والقدر على المعاصي يزيد العذاب ولا يُعذر صاحبه، لأن الفعل يتم باختيار الإنسان. العلماء يمثلون ذلك برجل خائن يستدل على خيانته بعلم سيده السابق.
يتناول التحذير من استخدام القضاء والقدر كحجة للتبرير على المعاصي، ويبين بطلان هذا الاستدلال من خلال أمثلة ومناظرة، مشيرًا إلى خطأ الجبرية والقدرية في فهمهما.
المقطع يتضمن تعليقًا على مقولة لابن تيمية حول أحكام الشرع، مع الإشارة إلى انتهاء الوقت.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: قال ثم قال -رحمه الله-: «عند مراد الله تفنى كميت، وعند مراد النفس تزدي وتلحم». قال: قوله «عند مراد الله»، وذلك شرعًا لا قدرًا؛ يعني عند الذي يريده الله منك شرعًا. وقوله «تفنى كميت»؛ يعني لا تتحرك، فعند الأمر الذي لا تأتمر، وعند النهي لا تنتهي، ومعنى التأخر والتقاعص عن امتثال المأمور، وترك المنهي عنه المسجور. قال: وقوله «عند مراد النفس تزدي وتلحم»؛ أي أنك تكون كالذي ينسج نسيجًا من أحسن ما يكون؛ لأن السدى واللحمة يكونان في الذين يأخذون الغزل وينسجونه حتى يصيروا محكمًا. والمراد خيوط النسيج، كما أشار في التعليق. وهو يريد أنك فيها والنفس مجتهد، وتدقق في ذلك كحال الناسج في تدقيقه واجتهاده وصبره؛ لأن عمل النسيج ليس بالسهل، متعب. ومن يرى حال الناسج يعرف مدى التعب الذي يتعبه، وليس تعبًا فحسب، بل اجتهاد في شيء دقيق. أنت لا تكاد ترى الخيط، فكيف إذا كانت خيوط، وكيف إذا كانت هذه الخيوط لا بد أن تأتي على عدد معين، وكيفية معينة يكون بها نظام هذا النسيج على ما هو مطلوب؟ فالصبر على ذلك أمر شاق. ومعنى أن هذا الذي لم يعمل بعلمه، واتبع هوى نفسه، صار يبدل الكثير في اتباع هوى النفس، ويتقاعص ويقصر فيما يتعلق بأمر الله سبحانه وتعالى. قال -رحمه الله تعالى-: ثم قال -رحمه الله-: «وعند خلاف الأمر تحتج بالقضاء ظهيرًا على الرحمن للجبر تزعم، تنزه منك النفس عن سوء فعلها، وتعتب أقدار الإله وتظلم». قوله «وعند خلاف الأمر تحتج بالقضاء»؛ أي وعندما تخالف أمرًا من أمر الله تقول: هذا قضاء وقدر. والمعنى أنه لا ينبغي للإنسان أن يرضى بتقصير نفسه، بل ينبغي أن يجتهد في الطاعات وترك المنكرات. وأعظم من ذلك أن يتعلل أن ما وقع فيه من تقصير إنما هو بقضاء الله وقدره، وهي كلمة حق أريد بها باطل. نعم هو بقضاء الله وقدره، لكن ما معنى ذلك؟ هل معنى ذلك أنك غير معذور؟ هو بقضاء الله وقدره، لكنه بفعلك واختيارك. فالله إن عذبك عذبك بعدله؛ لأنك أنت الفاعل. ولا يجوز الاستدلال بالقضاء والقدر على المعايب؛ فإن الاستدلال بالقضاء والقدر على المعايب إنما هو فعل إبليس؛ فهو مع مخالفته للشرع مخالف للفطرة والعقل. فالمنصف لو أنصف نفسه علِم أنه لا يجوز له أن يستدل بالقضاء والقدر على المعايب، بل هذا يستحق به زيادة التنكيل والعذاب؛ أولًا لمعصيته، وثانيًا لاستدلاله بما لا يصح الاستدلال به. ويمثل العلماء لهذا المعنى مثالًا يقرب المعنى ويوضحه، ولله المثل الأعلى. قالوا: مثل ذلك كرجل امتحن عماله في أمانتهم، فعلم بحسب خبرته وسابق علمه أن أحدهم سينجح في هذا الامتحان فيتبين أنه أمين، والآخر سينكشف في هذا الامتحان ويتبين أنه خائن. فوقع الامتحان فظهر الأمين أمينًا، وظهر الخائن خائنًا. فبلغ ذلك الخائن أن صاحب العمل قد تكلم بهذا الكلام، فصار يستدل على فعله بكلام سيده. فهل يكون هذا معذرًا له؟ الجواب: لا، بل لو استدل بهذا الكلام الذي صدر من سيده لاستحق العقاب مرتين؛ المرة الأولى لأجل خيانته، والمرة الثانية لأجل استدلاله بما لا يصح له أن يستدل به. فإذا كان هذا في حق المخلوق وعلمه قاصر وضعيف، فكيف في حق الخالق الإله الحق، وهو سبحانه وتعالى بكل شيء عليم، لا يخفى عليه من أمر عباده شيء؟ قال -رحمه الله-: «فإذا أشركت تقول: هذا قضاء وقدر، وإذا زنيت تقول: هذا قضاء وقدر، وإذا شربت الخمر تقول: هذا قضاء وقدر». والمعنى: هذا لا يقوله عاقل، فضلًا أن يزعم أن هذا دل عليه الشرع. قال: وقوله «ظهيرًا على الرحمن للجبر تزعم»؛ أي تجعل القضاء معينًا تحتج به على الله، فكأنك تقيم الحجة على ربك، وتقول: يا رب أجبرتني. كأنك تقول: أجبرتني فلم تعذبني أو تؤاخذني. وهذا كذب على الله؛ فالله سبحانه وتعالى لم يجبرك على هذا القضاء، بل أنت فعلت إن فعلته باختيارك. قال سبحانه: ﴿إِنۡ هَدۡيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. وأنت تفعل ذلك بمحض اختيارك. ومع ذلك ففعلك واختيارك تابع لمشيئة الله سبحانه وتعالى، وقد سبق في علم الله وقضائه وقدره. فالمؤلف -رحمه الله- هنا يطلب من السامع أن يعتبر، وأن يصدق مع ربه، وأن لا يكون كأمثال هؤلاء؛ فهو يدق باب القلب آمرًا له أن يلحق بقافلة الخير حتى لا يندم الإنسان حين لا ينفع الندم. فهذه كلها شبه من شبه شياطين الجن والإنس تكون سببًا في تأخير الإنسان عن قافلة الخير بهذا الفعل الشنيع الذي يفعله، ثم يحتج بمثل هذه الحجج الباطلة. قال: وقوله «تنزه منك النفس إلى آخره»؛ أي تقول: هذا القضاء والقدر هو الذي جعلني أظلم، وهو الذي جعلني أكذب، وهو الذي جعلني أسرق إلى آخره. وهو كذب، وأنت تعرف أنه كذب. وذكر بعض أهل العلم أنه جرت مناظرة بين سني وبدعي، رجل ضل في باب القدر، وصار بهواه وشهوته يستدل بالقدر على المعاصي. وكلما فعل شيئًا قال: «قدر الله علي»، وكلما نصح وروجع قال: «قدر الله علي». فاغتاظ السني فمد يده ولطمه. فقال: «ما لك تلقمني» -يقول البدعي للسني- قال له السني: «قدر الله علي». فتفكر هذا البدعي فعلم واستيقن أن ما يقول باطل، لا يصح الاستدلال به؛ وإلا صار تهكم هذا السني عليه صحيحًا، وهو يعلم من أول الأمر أنه لا يجوز له أن يستدل على معاصيه بالقدر، وإلا لعامله غيره بالمثل، وهو لا يرضى بذلك. فكذلك في حدود الله من باب أولى. قال -رحمه الله-: «وهذه حال كثير من الناس يكون جبريًا في المعاصي قدريًا في الطاعات». ومعنى جبريًا في المعاصي: يستدل بالقدر على أنه مجبور في فعل المعاصي حتى لا يؤاخذ فيما زعم. والعبر بالحقائق لا بالدعاوي. وقدريًا في الطاعات: يعني أنه يتخلف عن هذه الطاعات. وكل هذا باطل؛ فالجبرية تزعم أن الإنسان مجبور على فعله، وأنه كالريشة في مهب الريح، وهم درجات ومذاهب. والقدرية يزعمون أنه -أي أن العبد- يخلق فعل نفسه، وأن فعله ليس تابعًا لمشيئة الله عز وجل وقدره، فينفون القدر. والجبرية يغلون في القدر. فعلى مذهب القدرية في الطاعات يلزم التخلف عنها، وأنهم إن فعلوها فعلوها بمحض فضلهم، وليس الأمر كذلك، بل الفضل لله أولًا وآخرًا. قال: «إنه إذا فعل المعصية قال: هذا من الله فأنا مجبر، وإذا فعل الطاعة قال: هذا مني». فيقول: قدريًا في الطاعات؛ وذلك لأن القدرية تقول: إن الإنسان مستقل بعمله، ولا دخل لله فيه. قال: ثم قال -رحمه الله-: «تحل أمورًا أحكم الشرع عقدها». طيب نترك هذا لانتهاء الوقت إلى هنا، والله تعالى أعلم.