كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية  13

كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 13

الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 13، الدرس الثالث عشر:من( ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع إجماعاً ... وتضاعف السيئة والحسنة بمكان أو زمان فاضل ذكره القاضي وابن الجوزي.انتهى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفضيل الأيام والليالي والأزمنة

يتناول المقطع تفضيل بعض الأيام والليالي على بعض، مثل يوم الجمعة وليلة القدر، وتفضيل بعض الأزمنة مثل عشر ذي الحجة ورمضان. يُبين أن التفاضل بينها يكون باعتبار مختلف.

تفضيل الأشخاص والأصناف

يناقش المقطع تفضيل بعض الأشخاص مثل عائشة وخديجة ومريم وآسية، وتفضيل الفقراء الصابرين والأغنياء الشاكرين، ويشير إلى أن التقوى هي المعيار الحقيقي للتفضيل.

تأثير المكان والزمان على الأعمال

يشرح المقطع كيف أن المكان والزمان الفاضلين يؤثران على مضاعفة الحسنات والسيئات، مستشهدًا بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية، ويُبيّن أن الأعمال الصالحة تُضاعف أجرها في الأماكن المقدسة أو الأزمنة الفاضلة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال رحمه الله تعالى: ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع إجماعًا، يعني كذلك من مسائل التفضيل، وذكر هذا استطرادًا، ومناسبة لذكره في هذا المقام. يقول: إن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقد صح هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها». وهكذا وردت أحاديث أخرى كثيرة منها بذكر عدد من الفضائل، ومنها ما فيه ذكر بعض ما فيه معنى الفضائل. فمثلًا في يوم الجمعة ساعة الإجابة، وفيها كذلك شرعت صلاة الجمعة، وهذا يدل على فضلها. وهكذا كذلك صح عن النبي عليه الصلاة والسلام الحث على الصلاة عليه في الجمعة، وغير ذلك كثير مما يفهم منه أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع. وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: بالإجماع؛ لأن النص، وهكذا القياس الصحيح، وكلام أهل العلم كله يؤيد هذا المذكور. قال رحمه الله: ويوم النحر أفضل أيام العام. قد يقول قائل: لماذا ذكر يوم الجمعة أنه أفضل أيام الأسبوع؟ هل يخالف في هذا أحد؟ الجواب: نعم، فبعضهم خالف، فذكر يوم الاثنين لكونه يوم ولد فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا خطأ، والصواب أن يوم الجمعة أفضل من يوم الاثنين، وكل من زعم يومًا أنه أفضل من يوم الجمعة فهو مخطئ، والصواب ما ذكر. قال: ويوم النحر أفضل أيام العام كذلك، هذا الفضل مستنبط من عمومات ومعاني كثيرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم بحديث ابن عباس: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أفضل من أيام العشر»، الحديث. ويوم النحر أفضل أيام العشر لقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع حين ذكرهم بحرمة الزمان وحرمة المكان، وهكذا كذلك حرمة، وشرف العبادة التي هم فيها. فقال لهم: «أي يوم هذا؟» فقالوا له: يوم النحر. «أي شهر هذا؟» قالوا: الشهر الحرام. «أي بلد هذا؟» قالوا: بلد الله الحرام. إلى آخر ما ذكر، معناه في الأحاديث الكثيرة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. فيدل ذلك على أنه أفضل أيام العام. فإذا كانت العشر هي أفضل الأيام، فأي العشر أفضل؟ لا شك أنه يوم النحر؛ لما روي فيه، ولكثرة الأعمال الصالحة فيه. فيوم النحر تجتمع فيه أعمال صالحة كثيرة؛ ففيه يوم الحج الأكبر، تجتمع فيه أعمال كثيرة للحاج، وهو يوم عيد المسلمين، وهو كذلك يكون فيه هذه الأعمال في بلد الله الحرام، فيجتمع شرف الزمان والمكان مع هذه الأعمال الصالحة. وهذا وغيره يدل على فضل هذا اليوم على سائر أيام العشر، ومن باب أولى على سائر أيام الدنيا، وهو أفضل من يوم عرفة على الصحيح. فيوم عرفة وإن كان فيه فضل، لكنه ليس كفضل يوم النحر. قال: وليلة الإسراء أفضل في حق النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا تفضيل باعتبار آخر؛ فقد يكون في المفضول من الوصف ما يجعله أفضل من الفاضل ببعض الاعتبارات. فليلة الإسراء بالنسبة للناس ليس فيها فضل كفضل يوم النحر؛ لأنهم يستفيدون من يوم النحر من الأعمال الصالحة، وبشرف الزمان والمكان ما لا يكون لهم بليلة الإسراء. أما ليلة الإسراء فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم فيها من الإكرام، ومن كذلك التعظيم ما كان له؛ إذ رفعه الله عز وجل إلى السماء، وكان له ما كان مما أسري به، ولقائه بالأنبياء، ورؤيته ما لا يراه ولا يعرفه ولا يطلع عليه الناس الآخرون. ولهذا كان هذا خاصًا به. وليلة الإسراء أفضل في حق النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خاص، فالفضائل التي وقعت هي وقعت للنبي عليه الصلاة والسلام خاصة. ولهذا ذكر الله عز وجل ذلك على مقام المدح والثناء والتعظيم لنبينا عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ الآيات في هذا المعنى. وهكذا كذلك قد يقال مثله، وقد جاءت بعض الأدلة تدل عليه في حق الناس؛ بالنسبة لبعض معاني التفاضل. فمثلًا ليلة القدر أفضل ليالي العام على الصحيح؛ كما سبق. قال الله عز وجل: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. ومع ذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، صححه العلامة الألباني في الصحيحة أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لموقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود». انظر: لموقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود. قيام ليلة القدر شيء عظيم، وكونه عند الحجر الأسود شيء أعظم، ولكن في هذا الحديث أن موقف ساعة في سبيل الله خير من ذلك. قال العلماء: هذا في حق من يحتاج إليه في هذا الموضع في سبيل الله؛ فهو أعظم؛ لأنه به تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وهكذا قل فيما كان بمعناه مما يكون فيها حفظ الحقوق، وكذلك ترتيب الأولويات في هذا الدين. فدروء المفاسد أولى من جلب المصالح. فمثلًا لو أن إنسان ابتلي بمرض أحد أقربائه من أب أو أم، وكان المرض في ليالي العشر، ما هو الأفضل في حق هذا؟ هل يتبع فضل ليلة القدر بقيامها، وتعبد لله عز وجل فيها، أو قيامه بالواجب عليه في حق بره بوالديه؟ هنا نقول: لا شك أن بر الوالدين هنا في هذا المقام أفضل من الاجتهاد لليلة القدر؛ لماذا؟ لأن هذا واجب، وهذا مستحب، وهذا حقه متعدي، وهذا حقه غير متعدي. فبهذا الاعتبار والمعنى يكون أحيانًا مثل هذا الاستثناء. قال رحمه الله: وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى الأمة؛ يعني من الليالي؛ كما تقدم؛ لما جاء من فضلها في أدلة الكتاب والسنة. قال: وخديجة رضي الله عنها تأثيرها في أول الإسلام ونصرها وقيامها في الدين لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين؛ يعني بهذا الاعتبار خديجة أفضل للنساء؛ باعتبار نصرتها للنبي عليه الصلاة والسلام لهذا الدين، وقيامها به، وكونها من أوائل من دخل فيه، وتأثيرها في الدعوة إليه، وغير ذلك من المعاني. هي أفضل. لم يشاركها في هذا أحد؛ لا عائشة ولا غير عائشة. قال: وتأثير عائشة رضي الله عنها في آخر الإسلام وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من العلم لم تشركها فيه خديجة ولا غيرها ممن تميزت به عن غيرها؛ يعني لم يشارك عائشة في ذلك لا خديجة ولا غير خديجة؛ بهذا الاعتبار والقيد: حمل الدين وتبليغه إلى الأمة، وإدراك العلم. كما أن خديجة رضي الله عنها سبقت، وكذلك كان لها الفضل في سابقتها ونصرتها وقيامها بالدين، لم تشاركها بذلك عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين. وهذا الكلام والتفصيل هو الأولى من قضية تفضيل عائشة على خديجة وخديجة على عائشة. فيكون لكل واحد فضل على ما جاءت به الأدلة الكثيرة من ذكر فضائل عائشة وفضائل خديجة رضي الله تعالى عنهم جميعًا، وجميع سائر الصحابة والصحابيات رضي الله تعالى عنهم. قال: ومريم ابنة عمران وآسيا امرأة فرعون من أفضل النساء، والفواضل من نساء هذه الأمة كخديجة وعائشة وفاطمة أفضل منهما. وهذه مسألة كذلك من مسائل التفضيل. فمريم ابنة عمران وآسيا امرأة مزاحم -التي ابنة مزاحم امرأة فرعون- من أفضل النساء؛ لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أفضل نساء أهل الجنة مريم ابنة عمران وآسيا امرأة فرعون، وذكر خديجة وفاطمة». والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، رواه أحمد وغيره، وذكره في الصحيحة كذلك. وصح عنه عليه الصلاة والسلام فيما جاء في الصحيح من حديث موسى أنه قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسيا امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وهذا يجبر عدم ذكر عائشة في الحديث المتقدم. ومعنى أن فضل عائشة وخديجة وفاطمة يكاد أن يكون يضاهي ويقترب بفضل آسيا بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم بنت عمران رضي الله عنهم جميعًا. وأما قوله: والفواضل من نساء هذه الأمة كخديجة وعائشة وفاطمة أفضل منهما؛ هذا قال به بعض أهل العلم، وقال بعضهم: بل امرأة فرعون، وكذلك مريم لهم الفضل، وفضلهما في القرآن وفي السنة الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام. وبعضهم جعل التفصيل، ولعل هذا أفضل وأصوب وأعدل؛ فيجعل الفضل باعتبار الصبر على الدين والتضحية له وتحمل الأمانة والمسؤولية وأدائها لمريم ابنة عمران، وكذلك آسية امرأة فرعون السبق في ذلك؛ فهما بهذا الاعتبار وما كان بمعناه أفضل النساء وأكمل النساء. ولم يكن مثله لخديجة رضي الله عنها ولا لعائشة وفاطمة؛ فقد اختصوا بذلك، فكان لهم الفضل. وقد روي في بعض الآثار فيما رواه أبو يعلى بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه في ذكر بعض ما ابتلى الله عز وجل به امرأة فرعون، وكيف كان يعذبها زوجها فرعون، ما يدلك على عظيم فضلها لعظيم صبرها. فقد روي بإسناد صحيح عن أبي هريرة موقوفًا: أن فرعون كان يضعها في الشمس، فيضرب لها أربعة أوتاد في أرجلها وأيديها، ثم يكون ما يكون من عذابها. فإذا اشتد بها العذاب قالت: رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة. قال أبو هريرة: فيريها الله عز وجل بيتها في الجنة، تريها إياها الملائكة؛ تثبيتًا لها وتصبيرًا على البلاء الذي أصابها. ومثل هذا لم يصب الكثير من الرجال فيصبروا فضلًا عن امرأة؛ حتى صبرت على دين الله عز وجل. قال رحمه الله: والصواب الذي عليه عامة المسلمين، وحكي الإجماع عليه، أو وحكي الإجماع عليه غير واحد: أنهما ليستا بنبيتين؛ أي مريم وآسية رضي الله عنهما؛ فهما ليستا بنبيتين. وقد أجمع العلماء أنه لا يكون نبي إلا من الذكور، وأدلة الكتاب والسنة تدل على ذلك؛ فيما أخبر الله عز وجل به من أخبار الرسل العامة والخاصة. قال: وأما أزواجهما في الآخرة؛ فقد روي في مريم أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو العباس: ولا أعلم صحة ذلك، ولا أعلم ما يقطع به؛ يعني لم يقف على صحة هذا المروي. وقد روي فيه حديث عن أبي أمامة رواه أبو يعلى، وجاء معنا عن غيره، ولكنه ضعيف؛ لم يصح فيه يونس بن شعيب، وهو ضعيف؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أمامة: «أما علمت أن الله زوجني مريم ابنة عمران وكلثوم أخت موسى وآسية امرأة فرعون؟» قال: فقلت: هنيئًا لك يا رسول الله». والحديث لم يصح. وروي حديث آخر عن عائشة، أشار بعض المخرجين أنه رواه ابن السني والديلمي، وهو بمعنى الحديث الأول؛ أنه قال: «يا عائشة، إن الله زوجني مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم في الجنة»، فرفأت عائشة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كذلك لا يصح. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن التهنئة بتهنئة الجاهلية، وهو بالترفيه. قال رحمه الله: والغني الشاكر والفقير الصابر أفضلهما وأتقاهما لله تعالى؛ يعني قال: أفضلهما أتقاهما لله تعالى؛ فالأفضل الأتقى. قال: فإن استويا في التقوى استويا في الدرجة. وقد اختلف أهل العلم في هذا اختلافًا كذلك كثيرًا. والصواب كما ذكر رحمه الله؛ فقد يكون الفقر أشد من الغنى باعتبار، ولكن كذلك الغنى أشد من الفقر باعتبار آخر. فالفقر مع الصبر فضله عظيم، والغنى مع الشكر كذلك فضله عظيم. وقل من يشكر وهو غني كما قل من يصبر وهو فقير. بل أشار ابن القيم رحمه الله تعالى في بعض المواضع من كتبه: أن شكر الغني أقرب أن يكون أشد في البلاء من صبر الفقير؛ لأن الفقير ليس له خيار إلا الصبر، وأما الغني له خيار آخر. وابتلاء الغني بالشكر، ومن الشكر القيام بعبودية الله وحق الله في ماله وغير ذلك؛ هذا أشد عليه من صبر الفقير. وهذا وهذا قد يكون له وجه، لكن لا شك أن العبرة في هذا بالأتقاء؛ فمن كان أتقى سواء في شكره أو في صبره، فالفقير يصبر حتى لا يقع في حرام، ولا يتخلف عن واجب، ولا يرد قضاء، ولا غير ذلك من المعاني التي تنافي الصبر؛ فهو بكمال تقواه أفضل. وهكذا الغني الشاكر لا يقع في حرام، ولا يتخلف عن واجب، ولا يجحد نعمة الله عليه، ولا يرد قضاء؛ فهو بهذا، وكلما كمل في تقواه كان أفضل. فإذا استويا في التقوى، وهذا يصعب؛ يعني أن يستوي؛ لأن التقوى مباحثها كثيرة، وتفاصيلها كذلك دقيقة. فلو قدر أنهم استويا في التقوى، قال شيخ الإسلام: استويا في الدرجة. وإيش المانع من هذا؟ لا مانع أن يكون درجتهما واحدة؛ الغني الشاكر والفقير الصابر. فإن قال قائل: كيف؟ قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الفقراء يسبقون الأغنياء بخمسين ألف عام، أو خمسمائة؟ فالجواب: هذا كما قال بعض أهل العلم: إكرام من الله عز وجل عباده الفقراء بما كان من ابتلاء لهم بنقص النعمة في الدنيا، ولا يعني كونهم يدخلون أولًا أن تكون لهم المنازل الأعلى في الجنة؛ فقد يكون فقير له الدخول المقدم؛ لأنه ليس له ما يحاسب عليه، بينما الغني ولو كان شاكرًا فإنه يسأل عن ماله: من أين أخذه؟ ومن أين اكتسبه؟ وفي أي شيء وضعه؟ «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومن ذلك عن ماله فيما أبلاه، من أين أخذه؟ ومن أين وضعه؟» نحو ذلك. فهذا هو الحكمة، ولا يعني من ذلك أنه له درجة أفضل في الجنة، وإنما الدرجات بما يكون من كرامة الله عز وجل لعباده، مع ما يكون كذلك من تقوى العبد. ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: وصالح البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، وصالح الملائكة أفضل باعتبار البداية. وهذه مسألة أخرى من مسائل التفضيل، وقد وقع فيها كذلك خلاف بين أهل العلم. وجمهور أهل العلم كما نقله ابن بطال وغيره: أن الملائكة أفضل من البشر، ثم تحت هذا تفاصيل كثيرة وأقوال. ومنهم من قال: إنما الفضل لخواص الملائكة على عوام البشر، أما خواص البشر من الأنبياء والمرسلين فهم أفضل. وقيل غير ذلك. وما ذكره الشيخ رحمه الله هنا له وجه، وهو أن فضل صالح البشر باعتبار كمال النهاية؛ إذ كان لهم من الشكر والصبر ما كان محل تكريم وتفضيل. بينما الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولكن للملائكة فضلًا باعتبار البداية؛ فهم لهم فضل. وعلى هذا يجمع بين الأدلة التي وردت فيها فضل بني آدم، أو بعض من خص من بني آدم كالأنبياء والصالحين، أو كذلك الأدلة الأخرى التي فيها ذكر فضل الملائكة. فهذا باعتبار البداية، وهذا باعتبار النهاية. فمثلًا قول الله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ قدم الملائكة على أهل العلم؛ فهذا يدل على فضلهم، لكن لا شك أن فضلهم باعتبار ماذا؟ باعتبار البداية؛ باعتبار البداية. وهكذا كذلك يقال بالأدلة التي أوردت في المعنى الثاني. وبهذا يجمع بين الأدلة الواردة في هذا الباب. وبسط الكلام على تفاصيل هذه المسألة والخلاف فيها يطول. وهذه الإشارة تكفي كما أشار رحمه الله تعالى على أن بعض أهل العلم قال: لو أن الإنسان سكت في هذا لكان له وجه؛ لأن تفصيل التفضيل لم يرد به دليل، وإن كان عموم التفضيل جاءت في معانيه بعض الأدلة. ولكن ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله فيه خروج من تخصيص التفضيل؛ فهو لم يخصص تفضيل جنس على جنس، وإنما جعل التفضيل بالاعتبار. وهذا معنى صحيح. قال رحمه الله: عشر ذي الحجة أفضل من غيره لياليه وأيامه. وقد يقال: ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل، وأيام تلك أفضل. وقال أبو العباس: والأول أظهر؛ يعني فضل عشر ذي الحجة. وفي هذا خلاف بين أهل العلم، والصواب التفصيل كما أشار إلى هذا القول. فإن الأدلة تدل على هذا التفصيل؛ فحديث ابن عباس وما جاء بمعناه في حديث جابر بن عبد الله: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر»، وهو حديث صحيح. وحديث ابن عباس في الصحيح يحمل على النهار؛ لأن اللفظ جاء في الأيام. ففي حديث ابن عباس: «ما من أيام»، وفي حديث جابر: «أفضل أيام الدنيا»، ولا ينافي ذلك كون ليالي العشر الأخير من رمضان هي أفضل؛ باعتبار الليالي. وبهذا يجتمع فضل كل الجهتين؛ فهذا باعتبار الليل، وهذا باعتبار النهار. فعشر ذي الحجة أفضل أيام العام باعتبار النهار، والعشر الأواخر من رمضان أفضل الأيام باعتبار الليل. وبهذا تجتمع الأدلة الواردة في هذا الباب. قال رحمه الله: ورمضان أفضل الشهور، ويكفر من فضل رجبًا عليه. أما كونه أفضل الشهور؛ فلما ورد من فضائله الشيء الكثير. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في فضائل رمضان بضعة عشر حديثًا، منها ما في الصحيحين، ومنها ما هو خارج الصحيحين. ولم يرد في شهر من الفضائل ما ورد في شهر رمضان؛ فهو شهر القرآن، وهو شهر الصيام، وهو شهر القيام، وهو شهر الصبر، وهو شهر كذلك الشكر، وهو شهر الصدقة، وغير ذلك مما روي في فضائل هذا الشهر. وأما قوله: ويكفر من فضل رجبًا عليه؛ لأنه كما قال بعض أهل العلم: كذب بما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ فأدنى عامي يعرف أن لشهر رمضان فضائل، وورد فيها من الأدلة من المزايا ما لم يرد في غيره، مع ما فيه من موافقة أهل الجاهلية. قال: ومكة أفضل بقاع الله، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ونص الروايتين عن أحمد. قوله: ومكة أفضل بقاع الله؛ ورد في هذا الشيء الكثير من الكتاب، ومن السنة. وقد ألفت في هذا مؤلفات كثيرة في ذكر فضائل مكة. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيه أحاديث. والخلاف وقع بالنسبة للمدينة: هل المدينة أفضل من مكة؟ لما روي من فضائل المدينة، ولما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه دعا أن يحبب الله له المدينة كما حبب له مكة وأشد. ولا ينافي التحبيب وذكر الفضائل للمدينة وذكر الفضائل للمدينة كون مكة أفضل، ولا أدل على ذلك كون البيت الحرام فيها، وكون كذلك القبلة إليها، وكون كذلك الصلاة فيها بمئة ألف صلاة. وسيأتي معنا أن مضاعفة الحسنات من علامات التفضيل. وكون مكة تضعف فيها الحسنات إلى مئة ألف في الصلاة؛ أي المسجد الحرام خاصة. وإن كان بعضهم قال: كل مكة. والصواب أنه المسجد الحرام. هذا يدل على فضل مكة على سائر البقاع. وإن كان في بعض بقاع الدنيا فضل؛ مثل المدينة فيها فضائل، وقد رويت فيها أحاديث كثيرة. قال رحمه الله: قال أبو العباس: ولا أعلم أحدًا فضل تربة النبي صلى الله عليه وسلم على الكعبة إلا القاضي عياض، ولم يسبقه إليه أحد، ولا وافقه عليه أحد، بل أنكر العلماء عليه. فما من أحد يبلغه قول القاضي عياض إلا وأنكره، ونبه عليه. وقد نبه بكتب شروح الحديث، وكتب العقائد حين ذكر أو يعرض عليهم ذكر هذه المسألة التنبيه على خطأ القاضي عياض في هذه المسألة. ولكن كما قيل: لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة. والعبرة بدليل الكتاب والسنة؛ فأدلة الكتاب والسنة تدل شكًا على فضل مكة والمدينة، وليس فضل التربة؛ فليس فضل المدينة لأجل تربة النبي عليه الصلاة والسلام؛ ففضلها قبل موت النبي عليه الصلاة والسلام. ولحديث الوالدة في فضل المدينة كانت قبل وفاة النبي عليه الصلاة والسلام. مع ما في هذا القول من فتح ذريعة الشرك والوقوع به، وخدش حمى التوحيد. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو عمومًا، والغلو فيه خصوصًا. وهذا القول لا شك أنه يفضي إلى ذلك، وما هو أعظم منه. قال: والصلاة وغيرها من القرب بمكة أفضل؛ لما ورد في ذلك؛ فالصلاة فيه بمئة ألف صلاة؛ كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك لما روي من فضل متابعة زيارة هذا البلد الحرام؛ خصوصًا بالحج والعمرة؛ فإنه ينفي الذنوب والخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد؛ كما جاء معناه في حديث ابن مسعود، وابن عباس. قال: والمجاور بمكان يكثر فيه إيمان وتقواه أفضل؛ حيث كان. وهذا يردنا إلى المسألة بأنه قد يكون في بعض ما يظن أنه مفضول ما يجعله أفضل من الفاضل ببعض الاعتبارات. فإذا كان الإنسان في مكان محصن بالعلم، ويحفظ أسرته ونفسه، وملازم للسنة؛ فكونه في هذا المكان ولو لم يكن مكة أو المدينة خير له من أن يكون في مكة أو المدينة؛ فيقتصر على العبادة، ولا يتحصن بالعلم مثلًا، ولا يجد الإعانة على تحصين أهله. فينظر الإنسان الأصلح له من حيث التقوى والإيمان وسلامة الدين. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديثه يبي سعيد، وجاء عن غيره: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال يتتبع مواضع القطر، يفر بدينه من الفتن». ما أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب بسكن مكة والمدينة، وكذلك في الأحاديث التحذير من التعرب. ومع ذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر، يفر بدينه من الفتن». إذا كثرت الفتن في المدن والقرى، وصار الإنسان لا يسلم بدينه إلا أن يذهب إلى البوادي؛ كان هذا أفضل؛ لأن المقصود هو سلامة الدين. وهذا المعنى له أدل كثيرة تدل عليه. وتعرفون حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، أمره العالم أن يخرج من الأرض التي هو فيها؛ فإنها أرض سوء، وأن يذهب إلى الأرض الفلانية؛ ففيها قوم صالحون يعبدون الله، وأمره أن يعبد الله معهم. وهكذا الإنسان ليس له وطن يستقر به، ولكن يتتبع الموضع الذي يكون به سلامة الدين؛ فحيث يجد سلامة الدين فهو موطنه وهو موضعه؛ سواء كانت مكة أو المدينة أو غير مكة والمدينة. قال رحمه الله: وتضاعف السيئة والحسنة بمكان أو زمان فاضل؛ ذكره القاضي وابن الجوزي. انتهى. وهذا المعنى دلت عليه دلائل كثيرة؛ منها ما فيه التنصيص بزمان معين أو مكان معين، ومنه ما يدل بمعناه. ففهم العلماء من هذه الأدلة بعموماتها، وبما ورد في بعض آحادها هذا المعنى. فوضعوا هذه القاعدة: أن الحسنة والسيئة قد تضاعف باعتبار المكان أو الزمان. فكما قال الله عز وجل في حق مكة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. فكذلك المعصية في المدينة ليست كالمعصية في غيرها. وهكذا كذلك بالنسبة لشرف الزمان؛ فالمعصية في شهر رمضان ليست كالمعصية في غير شهر رمضان. وكذلك بالنسبة للحسنات؛ فإذا كان هذا في حق المعاصي، فكذلك بالنسبة للحسنات. فمثلًا المجامع في نهار رمضان وجبت عليه كفارة مغلظة؛ لماذا؟ قال العلماء: لحرمة الزمان. ولهذا كما مر معنا في مسائل الصيام: أنه على الصحيح من جامع أهله في صيام رمضان، لكن قضاءً لا تجب عليه الكفارة على الصحيح؛ لا تجب عليه الكفارة. بينما لو فعل هذا في نهار رمضان تجب عليه الكفارة؛ فرق العلماء بين كونه قضاءً وبين كونه أداءً؛ لأنه لما كان أداءً كان في شهر رمضان الذي فيه الحرمة؛ فوجبت عليه الكفارة. ولما كان قضاءً لم يكن في شهر الأداء؛ فلم تجب عليه الكفارة. وإن كان يجب عليه الإثم لتعمده فعل ذلك وهو يؤدي واجب؛ على قول من يقول بذلك؛ خصوصًا إذا لم يكن هناك وقت موسع. وأما إذا كان الوقت موسعًا فالأمر أوسع. فالشاهد: هذا مما يستدل به على هذا المعنى، ويؤكده. وهكذا كذلك بالحسنات؛ فليلة القدر أحد ليالي رمضان تضاعف فيها الحسنات؛ حتى يصل عمل العامل فيها إلى عمل بضع وثمانين سنة -ألف شهر- وهذا يدل على ماذا؟ على مضاعفة الحسنات باعتبار شرف الزمان. وهكذا كذلك الصلاة في مكة بمئة ألف صلاة، وفي المدينة تضعف، وفي بيت المقدس تضعف؛ فكل هذه المعاني تدل على أن اعتبار الزمان والمكان الفاضل يكون سببًا في مضاعفة الحسنات. وهكذا كذلك في مضاعفة السيئات. وهذه قاعدة تقال بكل ما كان بمعنى. ولهذا قال بعض أهل العلم: أنه قد يحتف معنى غير الزمان والمكان؛ فيكون موجبًا لزيادة الحسنة أو العكس زيادة السيئة. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وذكر منهم: من عائل مستكبر، وملك كذاب، وشيخ زان». وهؤلاء الثلاثة استوجبوا هذا العذاب الشديد والإثم الكثير؛ لا ينظر الله إليهم، ولا يكلمهم، ولا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. وهذا يدل على أن العذاب الذي لهم أعظم من عذاب غيرهم؛ فالزاني يعذب، لكن كونه شيخًا زانيًا أشد؛ كونه شيخًا زانيًا أشد. والكذاب يعذب، لكن كونه ملكًا وكذابًا فهذا أشد؛ لأن الشيخ الزاني أسباب الفتنة في حقه بعيدة، وأسباب العظة والعبرة في الدنيا مرت به كثيرة، ومع ذلك وقع في الزنا؛ فهذا شديد؛ فاستوجب العذاب الأشد. وهكذا الضعيف قد يكذب لضعفه؛ فأسباب الفتنة في كذبه كثيرة. والملك العكس. وهكذا كذلك العائل المستكبر. وكذلك ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من الزنا بحليلة الجار؛ الزنا كله حرام، وكونه بحليلة الجار أشد وأعظم. وهكذا يقال بكل ما كان بمعناه مما تحتف به بعض المعاني؛ تكون سببًا لمضاعفة السيئة أو كذلك مضاعفة الحسنة. فمثلًا الصدقة كلها موجبة للأجر، ولكنها على القريب ماذا؟ أفضل؛ بهذا الاعتبار؛ فهي صدقة وصلة؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ أُولَى بِالْمَعْرُوفِ﴾. وهكذا تحت هذا معاني وتفاصيل كثيرة تفهم من هذه الإشارات. وبهذا القدر نكتفي.