الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 12، الدرس الثاني عشر:من( فصل:في مسائل التفضيل ... وإن كان تسعاً وعشرين كان التاريخ بالباقي كالتاريخ بالماضي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك لفضل ليلة القدر وتفسيرها وأدلتها من القرآن والسنة. يُفصّل معنى ليلة القدر والتقدير السنوي والعمري فيها.
ليلة القدر خير من ألف شهر، وحث الشرع على الاجتهاد في العمل الصالح فيها. ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على إدراكها واعتكف العشر الأواخر من رمضان.
يناقش تحديد ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، ويبين أن الأرجح أنها في الوتر من العشر، مع ضرورة الاجتهاد في كل ليالي العشر. يوضح ترتيب الليل والنهار.
تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع الإشارة إلى استكماله في درس لاحق. التأكيد على أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في مسائل التفضيل. وعلمنا فيما سبق أن الفصل هو جامعة محتوية على مجموعة من مسائل العلم، بمثابة التفصيل والتفريع من النوع. فكأن الكتاب جنس، والباب نوع، والفصل تفصيل لهذا النوع. فلما كان الكلام على مسائل الصيام، ثم صار الكلام بعد ذلك على بعض ما يذكر أنه مستحب أو ليس مستحب من مسائل الصيام، ناسب أن يذكرها هنا فصلا يتعلق ببعض المستحبات في شهر الصيام. ومن ذلك قضايا تتعلق بفضل ليلة القدر، ثم ناسب أن يذكر معه بعض الأيام المفضلة وما يلحق به من مسائل التفضيل، أي ما ذكر أنه أفضل شيء، فذكر الباقي استطرادا لمناسبة ذكره في هذا المقام. فقوله: مسائل التفضيل، المسائل جمع مسألة، والتفضيل المراد به ما قيل فيه أنه أفضل شيء، سواء مما يتعلق بالصيام. والمقصود هنا ليلة القدر، وأنها أفضل الليالي، أو ما يلحق به من أفضل الأيام، أو كذلك أفضل النساء الذي ذكر استطرادا. قال رحمه الله: وليلة القدر من أفضل الليالي، وهي في الوتر في العشر الأخير من رمضان. والوتر قد يكون باعتبار الماضي، فيطلب 21 وليالي 3 إلى آخره، يعني 3 وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين. قال: وقد يكون باعتبار الباقي، باعتبار الماضي 21، 23، 25 هذا الوتر باعتبار الماضي. قال: وقد يكون باعتبار الباقي لقوله صلى الله عليه وسلم: «لتاسعة تبقى» الحديث. فإذا كان الشهر ثلاثين فتكون تلك من ليالي الأشفاع، وليلة الثاني والعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع سابعة تبقى، كما رواه أبو سعيد الخدري. وإن كان تسعا وعشرين، كان التاريخ بالباقي كالتاريخ بالماضي. عندنا هنا مجموعة من المسائل تتعلق بليلة القدر. أولها في فضل ليلة القدر، وأنها أفضل الليالي. فليلة القدر أفضل الليالي على الإطلاق، أفضل ليالي الدنيا. وفسر قول الله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ أي العشر الأخير من رمضان، وقيل غير ذلك. وفي فضل ليلة القدر أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة. فاستدل على فضلها بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. وما هو معنى وتفسير ليلة القدر؟ قيل: إنه من التقدير، وفسر بآية سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وببعض آيات سورة القدر: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. فقالوا: فهذا يدل أن تفسير ليلة القدر أي أنها مأخوذة من معنى التقدير. وقيل: إن المعنى ليلة القدر، أي ليلة عظيمة الشأن، فالقدر من عظم الشأن وعظم القدر. وكلا المعنيين صحيح، لأن كلا المعنيين قد ثبت معناه بدلالة الكتاب والسنة، وهو كذلك لا ينافي اجتماعهما في الشيء الواحد. فقوله جل وعلا: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ هذا من التقدير. وهكذا الآية الأخرى. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ هذا فيه معنى ماذا؟ عظم الشأن والقدر. فكلا المعنيين صحيح. ليلة القدر ليلة تقدر فيها مقادير الخلائق من الأرزاق والآجال. فالتقدير السنوي كما ذكر أهل العلم، واستنبطوا بهذه الآية وبعض الآثار وعمومات بعض الحديث يكون في ليلة القدر. فهناك تقدير سنوي، وهناك تقدير عمري على تفاصيل لأهل العلم. فالتقدير السنوي يكون في ليلة القدر، وكله في سابق علم الله عز وجل. فالحاصل: ليلة القدر هي أفضل الليالي لما ورد في فضلها في هذه الأدلة التي ثبتت في الكتاب، وهكذا كذلك مثلها في السنة كثير. ولو لم يكن إلا أنها خير من ألف شهر، أي في العمل. وقدر الألف شهر بأكثر من ثلاث وثمانين سنة. فليلة واحدة العمل الصالح فيها يضعف بأفضل وأكثر من ثلاث وثمانين سنة، هذا يدل على عظم فضلها، وأنها ليلة عظيمة فاضلة. ولهذا حث الشرع على الاجتهاد في العمل الصالح فيها. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حرصا وتحرى إدراكها، كما جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي سعيد: «فأعتكف العشر الأول من رمضان، فجاءه جبريل قبل أن تنتهي العشر الأول، قال: إن الذي تطلب أمامك». فطلبها النبي عليه الصلاة والسلام في العشر الأوسط من رمضان، يعني اعتكف كم؟ عشرين يوما في نفس السنة. فلما كانت كادت أن تنقضي، جاءه جبريل فقال له: «إن الذي تطلب أمامك». فقال لأصحابه: «من كان منكم اعتكف يريد ليلة القدر، فإنه أوحي إلي أنها في العشر الأواخر من رمضان، وإن أريت أني أسجد على صبيحتها في ماء وطين» الحديث. فاعتكف معه أصحابه العشر الأواخر. ومعناه أنهم اعتكفوا في تلك السنة كم؟ كل الشهر. كل الشهر اعتكفوا يطلبون ليلة القدر. وهذا يدلك على عظم فضلها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر لم يخبر بها، أي بليلة القدر. قال العلماء: وذلك طمعا من الله سبحانه وتعالى، أراد لعباده الاجتهاد. أراد الله عز وجل أن يطمع العباد في الاجتهاد في الخير، وهم يطمعون في الوصول إلى ليلة القدر، فيجتهدون في سائر الأيام، فيكونوا في ذلك الخير لهم. ثم إن الله عز وجل بلطفه وحكمته ورأفته بخلقه، وعلمه بضعفهم، أوحى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام أنها في العشر الأواخر، حتى يكون اجتهادهم أكثر فيها. وأوحى إليه كذلك بعد ذلك أنها أرجى ما تكون في التسع الأواخر. ففي العشر الأواخر جاء في الصحيحين من حديث عائشة، وعن عدد من الصحابة. وجاء من حديث ابن عمر في صحيح مسلم: «أنه عليه الصلاة والسلام أخبر أصحابه أنها أرجى ما تكون في التسع الأواخر». وجاء من حديث ابن عباس وغيره. وهكذا جاء من حديث ابن عمر: «أنها أرجى ما تكون في السبع الأواخر»، وهو في البخاري وغيره. وهذا يدل أن العشر كلها أرجى ما تكون، وأرجى ما تكون من العشر في التسع، وأرجى ما تكون في التسع في الوتر منها، وأرجى ما تكون كذلك في السبع، وأرجى ما يكون من السبع الوتر منها. لأنه عليه الصلاة والسلام قال بحديث عائشة، كما في البخاري وغيره: «أنها أرجى ما تكون في الوتر من العشر». وجاء هذا المعنى عن عدد من الصحابة. ومن مسائل ليلة القدر كذلك كما ذكر رحمه الله: أنها أرجى ما تكون في الوتر من العشر الأخير. وقد علمنا أن لهذا أدلة كثيرة، منها حديث عائشة في البخاري وغيره، وجاء عن عبادة، وجماعة من الصحابة. ثم أشار إلى ما المقصود بالوتر. فالوتر قد يأتي باعتبار الماضي، وقد يأتي باعتبار الباقي. فاعتبار الماضي هو المتبادر إلى الذهن. فعندنا مثلا ليلة 21 من الوتر، و23 من الوتر، و25 من الوتر، هذا باعتبار الماضي، ترتيب الأيام بما مضى. وقد يكون باعتبار الباقي، يعني تذكر الأيام باعتبار ما يبقى من أيام الشهر. أما الأول فلما جاء من حديث أبي سعيد، وجاء كذلك عن غيره من الصحابة: «أنه أمرهم أن يلتمسوها في 21 و23»، وفي حديث كذلك ابن عمر: «في 27». وهذا يدل أن التماسها في الوتر باعتبار ماذا؟ الماضي. باعتبار الماضي. وأكثر الأحاديث جاءت بهذا. وجاء في حديث ابن عباس: «أنه اعتبر فيها باعتبار الباقي». فقد قال عليه الصلاة والسلام، كما في رواية في حديث ابن عباس: «التمسوا الوتر في العشر الأواخر، لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى». وهنا اختلف أهل العلم في تفسير هذا المعنى. ما معنى لتاسعة تبقى؟ هل المراد أنها كما سبق باعتبار الماضي، فيكون المقصود ليلة كم؟ قالوا: لا، ليس هذا. لأنه لو كان كذلك لم يقل لتاسعة تبقى. والمراد بأن يبقى من الشهر أي أن يكون هناك شيء يفضل إلى النهاية. فإذا هو المراد به لما يبقى من الشهر. فأنت تأخذ العشر وتنقص منها التسع، تنقص منها التسع، فستكون ليلة كم؟ لتاسعة تبقى على هذا الاعتبار، أنقص من الأخير إلى الأمام، كم؟ قال رحمه الله: لأن لو قلنا واحد وعشرين أخطأنا على هذا الإطلاق. وهكذا كذلك لو قلنا الثاني والعشرين أخطأنا على هذا الإطلاق. لكن لابد أن نقيد. نقول: أنت تريد تبقى باعتبار ماذا؟ لأنك أنت إذا تريد تبدأ، لابد تبدأ من كم؟ من ثلاثين. أو من ثلاثين؟ لأن الآن العكس. أنت بالأول عددت باعتبار الماضي، فتبدأ من كم؟ من واحد. لكن إذا عددت من نهاية، مثلا إنسان قال لك: عد عشر خطوات من النهاية، تقول له: النهاية من أين؟ لابد أن تعرف من أين ستبدأ النهاية؟ الشهر يأتي على تسعة وعشرين، ويأتي على كم؟ على ثلاثين. فلذلك إذا قيل لك: عد الأيام من آخر الشهر، لابد أن تسأل: أعده باعتبار كم؟ باعتبار تسعة وعشرين، وباعتبار ثلاثين. فهنا قال شيخ الإسلام رحمه الله: فتكون تلك من ليالي الأشفاع، وليلة الثاني والعشرين تاسعة تبقى، هذا إذا كان الشهر كم؟ ثلاثين. وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث: «التمسوها» وغيرها، هل فيه جزم أنها لا تتعدى العشر؟ أكثر أهل العلم على هذا، أنها لا تتعدى العشر، خصوصا وأنهم لم يعرفوا في شيء من السنة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام ما فيه أنها ثبتت أي ليلة القدر في غير العشر الأواخر. وبهذا وذاك استدلوا على أن آخر الأمر كان من النبي صلى الله عليه وسلم الجزم أنها تكون في العشر الأواخر، لكنها متنقلة في هذه العشر. فقد تكون في الوتر، وهذا هو الأرجى. وقد تكون في غير الوتر. وقد ثبت أنها كانت في أحد السنوات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في غير الوتر، بل في شفع. وبعض أهل العلم يقول استدلالا ببعض الروايات: أن هذه الأحاديث لا تدل على الجزم أنها لا تأتي إلا في العشر، ولكنها تدل على أن الغالب الأعم أنها تأتي في العشر الأواخر، ولكن لا يعني ذلك أنها لن تأتي في غير العشر. ولهذا قالوا: ينبغي للمسلم أن يجتهد في كل الشهر، لأن ليلة القدر قد تأتي في غير العشر. ولكن من تأمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبقاؤه، أي بقاء اعتكافه واجتهاده في العشر الأواخر، يدل ويؤكد أنها حصرت في آخر الأمر في العشر الأواخر. ولهذا كان يعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر، وقبل علمه بذلك كما تقدم في حديث أبي سعيد: «اعتكف في العشر الأول، واعتكف في العشر الأوسط»، كل ذلك يبحث عن ليلة القدر ويتحراها. فلما أوحي إليه أنها في العشر الأواخر، صار آخر أمره عليه الصلاة والسلام أنه يعتكف في العشر الأواخر من هذا الشهر، من شهر رمضان، وذلك لعلمه والإخبار جبريل له عليه الصلاة والسلام أنها أرجى ما تكون في هذه العشر. لكن مع ذلك لا يجزم في أي العشر. فكل العشر هي مضان أن تكون ليلة القدر، وأرجى ما يكون من العشر في الوتر منها، وأرجى ما يكون من الوتر في الثلاث الأخير منها، كما جاء في بعض الروايات. وأرجى ما يكون من الثلاث ليلة سبع وعشرين. ومع ذلك ليس معناه أن يجتهد الإنسان في ليلة سبع وعشرين، ويكسل في غيرها من الليالي. ثم هنا مسألة أخرى كذلك: هل الليلة هي التي تتقدم النهار، أم الليلة التي بعد النهار؟ فمثلا ليلة الأول من رمضان، هل هي هذه التي نحن فيها الآن، أم الليلة التي كانت أمس؟ الصواب أنها الليلة التي كانت أمس، فهي ليلة الأول من رمضان. لأن الصحيح أن الليل يأتي في الترتيب قبل النهار، ولهذا أدلة كثيرة. طيب نقف عند هذا الحد لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله بدرس لاحق. والله تعالى أعلم.