الدرس في صلاح القلب وفساده، خطبة جمعة في مسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 ربيع أول 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الخطيب على أهمية العناية بالقلب وصلاحه، وأن صلاح القلب يترتب عليه صلاح الجسد كله. كما يشير إلى أن الله ينظر إلى القلوب وأعمالها.
يشرح أهمية الإيمان وصلاح القلب، ويوضح أن الإيمان ليس مجرد كلمات تُقال بل هو اعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح. كما يشير إلى أن صلاح القلب يأتي من خلال التوبة والإنابة إلى الله.
يتناول أسباب صلاح القلب، ومنها المحافظة على طاعة الله، والابتعاد عن المعاصي، والإكثار من النوافل، وذكر الله، وصحبة الصالحين، ودعاء الله بصلاح القلب. يشدد على أهمية هذه الأسباب في تحقيق صلاح القلب.
يتضمن دعاءً إلى الله تعالى ليصلح أحوال المسلمين ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، مع الثناء على الله بقدرته وإحسانه. يُظهر المقطع توكل المتحدث على الله وتفويض الأمر إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في صحيح مسلم وغيره، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أنه قال: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبهما كيف يشاء». فإذا كان كذلك، عباد الله، علم كل مؤمن ومسلم أن من أعظم ما ينبغي أن يعتني به الاعتناء بقلبه، بصلاحه وصفائه وحياته وصحته. فإن الاعتناء بحياة القلوب وصلاحها، وهكذا كذلك سلامتها وصحتها، أعظم من الاعتناء بالأجساد في صلاحها وحياتها وصحتها. كيف لا وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». انظروا عباد الله وتأملوا واتعظوا واعتبروا بهذا الحديث العظيم. وانظروا إلى اعتناء الناس بهذه المضغة، كيف أن من اعتنى بصلاحها واهتم بسلامتها كان ذلك سببًا لصلاح سائر جسده، وبذلك يصلح سائر عمله. ومن لم يهتم بذلك ولم يلتفت إلى هذا المعنى العظيم، كان ذلك داعيًا لفساد سائر جسده وفساد أعماله تبعًا لذلك. واعلموا عباد الله أن الله جل وعلا لا ينظر إلى الناس بظواهرهم من أموالهم ومناصبهم وأجسادهم وجمالهم وغير ذلك. ولكنه جل وعلا ينظر إلى أمرين اثنين لا ثالث لهما، ينظر إلى القلوب وصلاحها، والأعمال واستقامتها. ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أموالكم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وفي رواية: «إن الله لا ينظر إلى أموالكم وصوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فانظروا يا عباد الله، إن الله جل وعلا الكبير المتعال لا ينظر إلى أموال الناس ولا إلى صورهم ولا إلى أجسادهم ولا إلى مناصبهم ومنازلهم ومراتبهم في هذه الدنيا. ولكنه ينظر جل وعلا إلى قلوبهم وأعمالهم. فإن صلحت هذه القلوب وصلحت معها الأعمال، كان ذلك سببًا لرضى الرب جل وعلا. فإن كان غير ذلك، كان ذلك سببًا لغضب الرب جل وعلا وسخطه. ومن هنا، عباد الله، وجب على كل مسلم أن يعتني بقلبه في إصلاحه وتتبع أحواله والنظر فيما يعينه على قوته وثباته وزيادة الخير فيه. فإن هذه القلوب يا عباد الله أوعية، فبما ملئت به كان ذلك ثمرتها. فإن ملأتها بالبر والتقى، وملأتها كذلك بذكر الله جل وعلا وطاعته والإيمان به والتصديق والتسليم واليقين والحب وغير ذلك من الأقوال والأعمال القلبية النافعة الصالحة، كان ذلك سببًا لحياة هذا القلب. وإن كان غير ذلك، بأن ملئت بضد ذلك من الأقوال والأعمال القلبية الممرضة والمميتة والمفسدة لهذه القلوب، كان ذلك سببًا لموتها وخورها وضعفها ومرضها. فلا تسأل بعد ذلك عن قلب أصابه ما أصابه من مرضه، كيف يكون حاله؟ والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فإن الكسب السيء يا عبد الله يجعل هذا القلب ينطلي بالران، ينطلي بالران حتى أنه يعميه وأنه يؤثر عليه. ومثل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلوب العباد على قلبين اثنين: قلب مثل الصفا أبيض، مثل الصفا لا تضره معصية ما دامت السماوات والأرض. وآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا. وذلك مثل قلوب الذين لم يعتنوا بصلاحها وفسادها، لم يعتنوا بصلاحها وأهملوا في فسادها، فكان ثمرة ذلك أن كانت قلوبهم على هذا المعنى. فقلوب أهل الإيمان وأهل الطاعة وأهل الاستقامة هي بيضاء كالصفا، لا تضرها معصية ما دامت السماوات والأرض. مثل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلوب أهل الإيمان بالحجارة الملساء البيضاء التي أثر عليها مرور الماء وكثرته، حتى صارت ملساء من كثرة مرور الماء عليها. فعند ذلك لا يعلق بها شيء من شوائب الماء ولا من علائقه. ولكن ما مر عليها من شوائب الماء سرعان ما يمر ولا يعلق به شيء، كتلك الحجارة الملساء البيضاء التي ترونها في الوديان وفي أطراف البحار والأنهار وغير ذلك. فمثل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلب المؤمن بهذه الأنواع من الحجارة. قال العلماء: ووجه الشبه في ذلك أن المؤمن بملازمته لطاعة الله ومداومته لذكره وحرصه على إصلاح قلبه، تمر عليه الأقوال النافعة والأعمال الصالحة بما يكون بذلك تطهير هذا القلب وتنقيته. فكلما مر عليه من العلم النافع ما يمر، وكلما مر عليه من العمل الصالح ما يمر، كان ذلك سببًا لنقائه وصفائه وحصول أكمل معاني النقاء، حتى أنه يكون في الصفاء والنقاء كذلكم الحجر الأملس. وهكذا كذلك، عباد الله، بالضد. فإن قلوب أهل المعاصي وأهل الفجور وأهل الكفر والشرك والنفاق، بما كان من تراكم الذنوب والمعاصي، فإنها تصير كالكوز مجخيًا، الكوز المقلوب. والكوز أكثر ما يكون في ثبات ما يعلق به ودخوله واختلاطه به. فإن قلوب أهل النفاق وقلوب أهل الشرك وقلوب أهل الفجور والمعاصي صارت كالإسفنجة، فيها من الثغرات وفيها من التخللات، بسبب بعد عهد صاحبها بها، كحال تلك الأكواز القديمة. فإن إهمال أهلها لها جعلها على ذلكم الوصف. فكذلك إهمال أهل الشرك والكفر والنفاق والمعاصي لقلوبهم وعدم اعتنائهم بها، كان ذلك داعيًا لأن تكون تلك القلوب كتلك الأكواز المجخية التي سرعان ما تشرب ما يعلق بها. وقد مثل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلًا آخر لحال هذه القلوب مع الذنوب والمعاصي. ففي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يقول عليه الصلاة والسلام: «إذا أذنب العبد ذنبًا، نُكِتَ في قلبه نكتة سوداء. فإن هو تاب ورجع وآناب، سُقِلَتْ أي تلك النكتة ومُحِيَتْ من قلبه. وإن لم يكن ذلك، فإنها تثبت. وعند ذلك يأتي الران، كما قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». هذا معنى حديث نبينا عليه الصلاة والسلام. وتأمل هذا المعنى جيدًا يا عبد الله، وانظر في أحوال نفسك. فما من ابن آدم إلا وتقع منه سقطات وتقع منه زلات وتقع منه هنات. ولكن العبد إذا تاب وأناب، سرعان ما يجد معنى الجلاء في قلبه، وأثر ذلك كذلك في أقواله وأعماله. وإنه متى ما أهمل ذلك، سرعان ما وجد ضد ذلك في قلبه. وهكذا كذلك، عباد الله، أحوال الناس في هذه الدنيا. فإنه ما من ابن آدم إلا وقد يقع منه تقصير وتفريط. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو الصادق المصدوق: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». فإن خير الخطائين يا عباد الله هم الذين يسارعون ويغفرون من التوبة والإنابة إلى الله جل وعلا. فجل وعلا يغفر له ربه سبحانه وتعالى. فهذا مثال قريب، مثال قريب لحال من يجاهد نفسه في إصلاح قلبه والاعتناء بإصلاح قوله وعمله. وبالضد تعرف يا عبد الله أثر إهمال الإصلاح والتصحيح والتوبة والإنابة إلى الله جل وعلا. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يعيننا على إصلاح قلوبنا وأقوالنا وأعمالنا. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن من أعظم الأسباب التي تعين على ثبات القلوب وصلاحها، أسباب يكون فيها تحليتها بما يقويها ويدخل حياتها وصحتها. وأسباب أخرى بتخليتها من أمراضها وأسقامها. فمن أعظم الأسباب الأولى، عباد الله، اعتناء العبد بإيمانه بربه جل وعلا. فإنه متى اعتنى بإيمانه الذي يؤمن به بربه جل وعلا، كان ذلك داعيًا لصلاح هذا القلب. فإن حقيقة الإيمان يا عبد الله الذي تؤمن به، إيمانك بالله ربًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا وبالإسلام دينًا، ليس هو ما تتلفظ به بلسانك. ولكن الإيمان يا عبد الله هو ما وقر في القلب وصدقه القول، وهكذا كذلك برهنة الأعمال. فالإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. فأنت إذا استيقنت ذلك وحرصت على المحافظة على إيمانك، فإنك بذلك حصلت أعظم الأسباب في صلاح هذه القلوب وحياتها واستقامتها وسلامتها. ومن ذلك يا عبد الله أن تحافظ على ما علمت من فرائض الله التي فرضها الله عز وجل عليك في لسانك وفي سمعك وفي بصرك وفي سائر جوارحك، وما فرض الله عز وجل عليك في ظاهرك وباطنك. فتصلح قلبك من أمراض قلوب التي تنافي الإيمان بالله جل وعلا، تخليه من العجب والرياء والحسد والغل وغير ذلك من المعاني السيئة. وهكذا تملئه بالحب والود والرحمة وغير ذلك من المعاني الحسنة الطيبة. وهكذا قل كذلك بأعمال القلوب من الخوف والرجاء والإنابة واليقين وغير ذلك من أعمال القلوب العظيمة التي يكون بها صلاحها واستقامتها. وهكذا كذلك تعتني بإصلاح لسانك، أن لا يكون فيه إلا ما يرضي الله، وأن لا يكون فيه ما يغضب الله. فعند ذلك تكون قد حققت الإيمان بقولك، حققت الإيمان بقولك بذكر الله جل وعلا. فإن ذكر الله من أعظم الإيمان به سبحانه وتعالى. وهكذا من ذكر الله سبحانه وتعالى، المحافظة على طاعته في هذا اللسان، بصدقك في الحديث، وبرك كذلك بمن أمر الله جل وعلا البر به، وبغير ذلك من محاسن ما يخرج من هذا اللسان. وباشتناب ضد ذلك من الكذب والخيانة والغش والهمز واللمز وغير ذلك من المعاني القبيحة والسيئة. وأعظم من ذلك السب والشتم وغير ذلك من خصال السوء التي تنافي الإيمان بالله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك يا عبد الله تتقرب بسائر جوارحك بما يحب ربك جل وعلا من الأعمال الصالحة، وأعظمها فرائض الله جل وعلا. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يقول الله جل وعلا: «ما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضت عليه». فإنما فرض الله عز وجل عليه من أعظم ما تتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. فإن كنت يا عبد الله ممن يسابق في هذه الفرائض، فكنت فيها في أحسن مراتبها وأعلاها، كان ذلك دليلًا على صحة إيمانك وكماله، وسببًا عظيمًا لإصلاح قلبك. فإن ذلك من أعظم الأسباب التي تصلح به القلوب. إن كان في الصلاة، فأنت تؤديها على أكمل ما أوجب الله جل وعلا عليك ويحبه لك، فأنت من المسابقين فيها. إن كنت في الصوم، فأنت من أهل الصوم الأول. وإن كنت في التبكير، فأنت من أول المبكرين. وإن كنت في الجماعة، فأنت من أول المحافظين عليها. وإن كنت كذلك في الوقت، فأنت تصليها في أول وقتها. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود: «أي الأعمال أحب إلى الله؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة لوقتها، الصلاة لوقتها». فإنه من أحب الأعمال إلى الله جل وعلا. وهكذا قل في سائر الفرائض، فأنت تحرص على كمالها في نفسك، بما يكمل لك إيمانك ويصلح لك ظاهرك وباطنك، ويستقيم بذلك قلبك. وهكذا كذلك تتبعه بالنوافل الكثيرة التي ينفعك الله جل وعلا بها. فإنك لا تعمل عملًا صالحًا من قول أو عمل، إلا أثمر ذلك صفاء ونقاء، لا تعلم به. والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَلَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. ومن هذه الأسباب، يا عباد الله، والأسباب كثيرة، الاعتناء بذكر الله جل وعلا بلسانك. فإنك لا تذكر الله جل وعلا بلسانك إلا وكان ذلك سببًا لحياة قلبك. ففي الصحيح من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، كمثل الحي والميت». فإن الأحياء هم الذين يذكرون الله جل وعلا بتلاوة كتابه وقراءة سنة نبيه، وبذكره سبحانه وتعالى بأنواع الذكر، من التسبيح والتكبير والتهليل وغير ذلك، مما يكون به نقاء هذه القلوب وحياتها وصفاؤها واستقامتها. والله جل وعلا يقول، كما سمعتم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. وهكذا كذلك يا عبد الله، من الأسباب والأسباب كثيرة، أن تتأمل في قصص الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ما يكون لك فيه آية وعبرة. فإن كان صبر على طاعة الله، فلك فيهم أسوة حسنة في صبرهم وجهادهم وثباتهم على طاعة الله سبحانه وتعالى. وإن كان بعد عن معصية الله وبغض له وبراءة منه، فلك فيهم أسوة حسنة، بما كان من مواقفهم العظيمة وثباتهم العظيم وسلامة أقوالهم وأفعالهم وبواهرهم وبواطنهم من معصية الله جل وعلا. فهم أبعد الناس منه. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ومن الأسباب والأسباب كثيرة، أن تحرص يا عبد الله على رفقة صالحة تعينك على طاعة الله جل وعلا، تذكرك إذا نسيت، وتنشطك إذا فترت. وهكذا تنبهك إذا غفلت، وتنصحك إذا عصيت. وهكذا كذلك تعيدك وتقيمك إذا عوجت. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ». وفي السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ». ومن الأسباب والأسباب كثيرة، ونخدم بها دعاء الله جل وعلا. فإن دعاء الله جل وعلا يا عبد الله، بلسان الحال ولسان المقال، من أعظم الأسباب الذي تحيى بها القلوب. فإنك إذا دعوت الله جل وعلا وألححت عليه بالمسألة، كان ذلك معينًا لك على تصحيح ما يخالف هذا الدعاء الذي تجع به بلسانك، مما يكذبه في أقوالك. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. فأنت تحرص على دعاء الله لك بالهداية العامة والهداية الخاصة، وتدعو كذلك بصلاح قلبك، الصلاح العام والصلاح الخاص، مما علمت من نفسك، ولا يعلمه الناس، ويعلمه الله جل وعلا الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يصلح أحوالنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.