استغلال الإجازات الصيفية

الدرس في استغلال الإجازات الصيفية، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

استغلال العمر في طاعة الله وتجنب تضييعه

يُنبه الخطيب على أهمية استغلال العمر في طاعة الله ويحذر من تضييعه في غير طاعة، مستشهدًا بحديث النبي عن نعمتين مغبون فيهما كثير من الناس. ينبغي للمسلم أن يستغل نعمة العمر والصحة والفراغ في طاعة الله.

مسؤولية الإنسان عن عمره وشبابه يوم القيامة

يسأل الإنسان يوم القيامة عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه، وتعلم العلم الشرعي وتلاوة القرآن من أهم الأعمال التي تنفع في الدنيا والآخرة. ينبغي استغلال الأوقات في الأعمال النافعة والمباحات الشرعية.

أثر تعلم القرآن والعلم النافع على الفرد والمجتمع

تعلم القرآن والعلم النافع له أثر كبير في صلاح الفرد والمجتمع، ويترتب عليه أجر عظيم يوم القيامة. تعليم الأبناء لهذا العلم ينفعهم وينفع المجتمع.

الدعاء للتمسك بالخير والهداية

المقطع يتضمن دعاءً إلى الله ليغرس حب الخير في القلوب ويجعل أصحابها يتبعون أحسن الأقوال، ويحمد الله على نعمه. الدعاء يعبر عن الرغبة في التمسك بالخير والهداية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئة أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. أقسم ربنا جل وعلا في هذه السورة العظيمة الجامعة التي قال عنها الإمام الشافعي -رحمه الله-: «لو أن الناس تدبروا هذه السورة لكفتهم»، أي لما فيها من الموعظة والاجتماع لخصال الخير الذي ينتفع به هذا الإنسان في هذه الدنيا وهكذا في الدار الآخرة. يقسم ربنا جل وعلا بالعصر، وهو الزمان بما فيه، وهو سبحانه يقسم بما شاء من خلقه؛ لأنه الرب جل وعلا، ولا يجوز لخلقه أن يقسموا إلا به سبحانه وحده. من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. والله جل وعلا إذا أقسم بشيء من خلقه إنما يقسم سبحانه وتعالى لينبه على عظمة ذلك المخلوق وما تضمنه من حكم عظيمة ومقاصد جليلة لا ينتبه ولا يلتفت ويغفل عنها الكثير من الناس. فيقسم ربنا جل وعلا لينبه عباده ويذكرهم ويأمرهم بما يدل عليه مقتضى الخطاب من الالتفات إلى ما يجب العمل مع هذا الذي أقسم الله جل وعلا به. وأقسم ربنا جل وعلا بالعصر لما فيه من عمل العاملين وما يكون به حال الناس أجمعين. فالناس أعمالهم في هذا العصر وهو الزمان بمرور أيامه ولياليه وساعاته وأعوامه التي يغفل عنها الغافلون حين يسألون يوم القيامة عما عملوا فيما مضى من أعمارهم، وهم ظنوا أنها لحظة أو لحظات، وقد مرت عليهم السنين الطوال وهم في غفلة عما مضى من عمرهم. فيكون لهم وعليهم حسرة حين لا تنفع الحسرة، ويندمون حين لا ينفع الندم. فيذكر الله جل وعلا عباده أن يقيموا ما أوجب الله جل وعلا عليهم وما أمرهم به تجاه هذا العصر. فإن أعمال العاملين فيه ولهذا أقسم في سور أخرى سبحانه وتعالى بأحد أو أفراد هذا العصر وهو الزمان. فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. فأعمال العاملين عباد الله هي في هذا الزمان بأحداث وأفراده، في الضحى وفي الفجر كما قال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، وفي غير ذلك. فإنها كلها مواضع أعمال العاملين. وهكذا تنتبه وتلتفت إلى قوله جل وعلا: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. أفلح من زكاها بالعمل الصالح وما يقرب إليه سبحانه وتعالى، وخاب من دنسها بالعمل السيء بما كان منه في هذه الدنيا. وكل ذلك يكون في هذا الزمان وهذا العصر الذي أقسم الله جل وعلا به. فإن علمت ذلك عباد الله، فلتعلم أن هذا الزمان وما فيه من أحداث وأفراده هو عمر هذا الإنسان. فعلى المسلم أن يستغل له أتم استغلال؛ لأجل أن لا يندم ولا يتحسر حيث لا ينفع الندم ولا تنفع الحسرة. ولهذا صح عن سلفنا ما يدل على هذا المعنى. فقد جاء عن الحسن البصري -رحمه الله تعالى- أنه كان يقول: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام وليالي، فإذا مضت عليك بعض تلك الأيام والليالي ذهب بعضك، فإذا ذهب بعضها ذهب بعضك». فعمرك أخي المسلم ويا أيها الإنسان إنما هو هذه الأيام والليالي. فما مضى عليك من أيام وليالي فهو شيء قطع من عمرك. فما بقي فهو ما بقي من أيامك ولياليك حتى يأتي الوقت الذي كتبه الله جل وعلا لك. فإذا علمت ذلك فلتحرص أخي المسلم ويا أيها الإنسان أن تستغل هذا العمر فيما ينفعك في الدنيا والآخرة. وإننا بهذا المقام نذكر أنفسنا وإخواننا كذلك بما جاء في أدلة الكتاب والسنة وما دلت عليه النصوص الشرعية بعموماتها وخصوصها فيما يدل على استغلال هذه الأعمار واستغلال هذه الأوقات. فإن الناس تمر بهم بين الحين والآخر أوقات ينبغي أن تستغل فيما ينتفع بها في الدين والدنيا. وهذه الإجازة الصيفية التي تمر على الناس في كل عام، كم مرت هذه الإجازات على طوائف وأناس شتى، ولكن الناس فيها على فريقين اثنين: فمنهم من استغلها فيما ينتفع به في دينه ودنياه، ومنهم من مرت عليه هدرًا وعملًا، فتكون عليه حسرة وندامة يوم القيامة. وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». أي نعمتان من نعم الله، ونعم الله كثيرة لا تعد ولا تحصى، لكن هاتين النعمتين من النعم التي يغفل عنها الكثير من الناس، فيغبن فيها كما يغبن المشتري في شرائه أو بيعه. فينبغي لكل مسلم أن يستغل هاتين النعمتين بما ينتفع به في دينه ودنياه، وإلا كانت عليه حسرة في الدنيا وحسرة أعظم كذلك في الدار الآخرة حين يصل الواصلون إلى ما وصلوا إليه من استغلال أعمارهم وأوقاتهم في شيء ينتفعون به في دين أو دنيا، فيرتقون ويرتفعون ويصلون إلى النتائج والثمار الحسنة في هذه الدنيا أو كذلك في اليوم العظيم يوم القيامة. وأنت عند ذلك وحين ذلك تندم حيث لا ينفع الندم. وصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال -كما في حديث أبي برزة وبمعنى في حديث عبد الله بن مسعود، وهو عند الترمذي وغيره بإسناد حسن- أنه قال عليه الصلاة واله: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك». وفي لفظ آخر: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع» -بحديث أبي برزة- وبحديث عبد الله بن مسعود: «حتى يسأل عن خمس». وذكر منها صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه، وعن علمه ما صنع به». وبحديث أبي برزة: «عن جسده فيما أبلاه». فانظر أخي المسلم إلى هذه النعمة التي تسأل عنها يوم القيامة، وانتبه إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «عن عمره فيما أفناه»، ثم أتبع بقوله: «وعن شبابه فيما أبلاه». إن دل ذلك على شيء، دل على أن عمر هذا الإنسان من أعظم النعم التي يسأل عنها يوم القيامة. ولا تزول قدماه يوم القيامة -يعني لا يتحرك يمنة ولا يسرة- حتى يسأل عن هذه النعم، ومن أعظمها وأولها سؤالًا: أن تسأل عن عمرك فيما أفنيته أخي المسلم. فتأمل وليمر بخاطرك وذاكرتك ما مضى من عمرك مرورًا سريعًا. فلتتأمل بماذا أعمرت هذا العمر فيما مضى من عمرك؟ هل أعمرته بشيء تفرح أن تلقى به ربك جل وعلا وأنت تقف بين يديه؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم-: «ما منكم من أحد إلا سيقف بين يدي ربه، أو قال: سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». تقف بين يدي الله جل وعلا، ويسألك ربك جل وعلا عن عمرك فيما أفنيته. فتذكر وتأمل أخي المسلم فيما مضى من عمرك في أي شيء مضى؟ هل تجد فيه شيئًا تفرح بلقاء ربك جل وعلا به؟ أو أنك تجد شيئًا تفرح أنك جعلته لنفسك دخرًا في هذه الدنيا فضلًا عن الدار الآخرة؟ إن أكثر أعمال العاملين لفي بعد عن هذا إلا من رحم الله. وهذا في حديث عبد الله بن عباس يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يؤمر العبد أن يستغل نعم الله عليه، ومن ذلك حياته قبل موته، وصحته قبل مرضه، وفراغه قبل شغله». فإنك أخي المسلم ينبغي عليك أن تستغل هذه النعم قبل أن تزول عنك. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يذكر أمته -وهو حريص عليهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن ينتفعوا بأعمالهم بما يقوم به الخير والدخر لهم في هذه الدنيا والدار الآخرة. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، لقد سمعنا وعلمنا أهمية استغلال الأعمار والأوقات فيما ينتفع به هذا الإنسان في هذه الدنيا والدار الآخرة. فإذا علمنا ذلك فلنعلم أن الأعمال التي ينتفع بها دينًا ودنيا كثيرة. وعلى المسلم أن يعتني بالأهم فالأهم، وأول ذلك وأعظمه في دين الله جل وعلا هو تعلم العلم الشرعي الذي به يعبد الله جل وعلا على بصيرة. فإن العلم الشرعي هو الطريق الذي يوصل إلى الله جل وعلا، وهو النور الذي يضيء لك طريقك وسيرك إلى الله سبحانه وتعالى. وبدون هذا العلم فأنت في ظلمات الجهل تتخبط، تأخذك الفتن بشهواتها وشبهاتها يمنة ويسرة، لا تميز بين نافع وضار، وبين طيب وخبيث، وبين حلال وحرام، وبين توحيد وشرك، وسنة وبدعة. ولكنك بالعلم النافع تميز بين ذلك كله. ولهذا كان ميراث النبوة هو هذا العلم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، يهدي به ربنا جل وعلا الناس إليه سبحانه. وأول ذلك علم ما في كتاب الله. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. فحتى ربنا جل وعلا على ذلك، وحتى عليه بقراءته وحفظه وتدبره، فإن في ذلك مما يقرب إليه ويزيد في الإيمان، وكذلك ما ينتفع به المسلم في الدنيا وفي الآخرة. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. فبين ربنا جل وعلا أن أهل الإيمان الحق من صفاتهم أنهم يعتنون بكتاب الله جل وعلا، يقبلون عليه إقراءً وحفظًا وتدبرًا بما يكون به زيادة إيمانهم والتوجه إلى الله جل وعلا بالأعمال الصالحة. وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري من حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فخير أهل الإيمان جميعًا عباد الله هو من تعلم القرآن في نفسه وعلمه غيره. فإنك لا تتعلم آية إلا ويرفعك الله جل وعلا بها درجة حتى تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عبد الله بن عمر وغيره أنه قال عليه الصلاة والسلام: «يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل كما كنت تقرأ وترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». وهكذا كذلك ليستبشر أولياء الأمور بتعلم أبنائهم ودفع أبنائهم لتعلم القرآن ببشارة عظيمة بشر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ أن والدا قارئ القرآن يتوجان بتاجين يوم القيامة. فيقال لهما: «بماذا كسبتما هذا يا ربنا؟ فيقال لهما: بما علمتما ابنك القرآن». فانظر إلى هذه الفضيلة وهذا الشرف والرفعة بما يكون من تعليم القرآن. ولو كان هو لم يتعلمه، فكيف لمن تعلمه وحرص عليه؟ ولو كان عليه شاقًا، فإن من بذل الجهد والوسع كتب له من الأجر ولو كان لم يصل إلى ذلكم العمل. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى: «إن أقوامًا بالمدينة ما سرتم سيرًا ولا نزلتم واديًا إلا وهم معكم، شاركوكم في الأجر، ما منعهم إلا العذر». وكل من بذل الوسع فإنه يكتب له الأجر ولو كان لم يصل إلى النتيجة. وهذا نصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق». وضد ذلك أن من مات وهو يحدث نفسه بالغزو والجهاد فإنه يبلغ منزلة الشهداء ولو مات على فراشه؛ بما كان من الصدق الذي عنده. وهذا كذلك تعلم العلم سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن ببقائه وحفظه بقاء وحفظ هذا الدين في نفسك أخي المسلم وفي مجتمعك. فإن معيار هذا المسلم هو بتركه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والعلم الذي تركه. فبه أنت مسلم يا عبد الله. فإن العلم الذي تركه نبينا عليه الصلاة والسلام فيه الأمر والنهي، وفيه العمل الصالح. فأنت به تكون مسلمًا، وبغيره ينقص من إسلامك بقدر فقدانك من العلم والعمل. وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول: «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعًا ينتزع من صدور العلماء، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول كذلك: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدًا: كتاب الله وسنتي». ومعلوم لدى كل عقل سليم صحيح أن نتمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس المراد منه أن يأخذ أحدنا نصوصًا فيضعه تحت وسادته ويسير معه حيث ذهب. ولكن المقصود التمسك بهما بتعلمهما والعمل بما فيهما. فإذا أعرض الناس عنهما ظهر لهم من الشر والضلال بقدر ما يكون من الابتعاد عن هذين الأصلين. فصدق صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدًا: كتاب الله وسنتي». وهكذا كذلك ينبغي أن يُعلم أن تعلم ذلك له وسائل كثيرة، والحمد لله الذي يسر وآوان بتيسير وسائل العلم المتنوعة الكثيرة: الأشرطة المسموعة، وكذلك الكتب المقروءة، وهكذا دور العلم ومواضع العلم، والدورات العلمية التي تقام في مراكز أهل السنة لتعلم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا يشك عاقل أن بث هذا العلم في المجتمع له من الأثر الصالح الحسن على الفرد وعلى الجماعة، وعلى المجتمع بما يكون له الأثر الحسن في هذا المجتمع في الدنيا فضلًا عن الآخرة. فإن استقامة المجتمعات ليست فقط بإقامة السنن والسلاطين وما يكون من قوة قهر السلطان، بقدر ما يكون معه وأعظم منه من توجه الناس لمراقبة الرب الرحمن سبحانه وتعالى. فإن المجتمع المراقب لله جل وعلا مؤمنًا به حريصًا على العلم النافع والعمل الصالح، إن قطعت من هذا المجتمع الشرور الكثيرة وقلة الجرائم والفواحش والشر؛ لأن الواحد منهم يراقب الله سبحانه وتعالى، فلا يريد أن يفعل السوء الذي حدثته به نفسه الأمارة بالسوء إلا وهو يتذكر وعد الله وعيده بما يحجزه ويحجزه عن تلك المعاصي والذنوب والجرائم. وما من أحد يريد أن يتأخر عن رضوان وواجب أمر الله به، ولا يأمر الله سبحانه إلا بما يصلح العباد في الدين والدنيا، وهو القائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. إلا وكان فيما كان من مراقبته لربه ما كان سببًا في حثه ودفعه لذلكم الخير وتلك الفضيلة. ومن ثبت ذلك عباد الله، إن تنشئة أبناء المسلمين على معاني الفضيلة ومعاني الإيمان له الآثار الحسنة في إصلاح هذا المجتمع من جوانب شتى. فهؤلاء هم في الغد سيكونون الأطباء والمدرسون، وهكذا المهندسون وغير ذلك ممن يضع الشيء في موضعه بما علم من مراقبة الله سبحانه وتعالى. بخلاف لو أن الناس أهملوا هذا الجانب، كان ذلك سببًا لانحراف المجتمع لكثرة الشر والطمع والميل إلى الشهوات. فإن ذلك من عظيم ما أفسد المجتمعات. وهذا كذلك عباد الله، إن لم يكن في هذا الباب، فإن عندنا من أبواب الخير الأخرى الكثيرة ما تستغل به الأعمار. وهذه الإجازات من الذهاب إلى الحج والعمرة، أو كذلك التعاون في أنواع من الأعمال النافعة، وكذلك أعمال الخير والبر. أو كذلك أن يستغل هذا الفراغ بأن يعمر في المباح الذي أحله الله، فضلًا عما قد يكون من غيره الذي فيه أجر الدنيا وأجر الآخرة. فإن المباح الذي ينشغل به من بيع وشراء مع بعض أهله، أو كذلك إعمار في بيته، أو كذلك استغلال للأوقات بغير ذلك من المباح الجائز الذي دلت عليه الأدلة الشرعية. فإنه أولى وأحرى من العطالة التي تضر بالمجتمع مضرًا. فإن نشأة شباب ونشأة رجال ونساء تعلموا الفراغ والبطالة والعطل سبب لضياع هذا المجتمع بما يكون من تعودهم على هذه البطالة وهذا العطل. ولا يخفى على عاقل ماذا يكون أثر هذه العطالة والبطالة على أهلها، خصوصًا إذا كان ذلك عند الشباب ذكورًا وإناثًا. وكما قال القائل: «وإن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أيما مفسدة». فإن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة النار عند الوقود. فإن الشباب إذا كان عندهم من الفراغ وقوة الشهوة والطيش وقلة الدين والوازع إلى الخير والفضيلة، نشأ في المجتمع من الشر والفساد ما أفسد الدين والدنيا. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغرس في قلوبنا حب الخير والبر، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.