من أحكام الحج

الدرس في من أحكام الحج، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 7 ذو القعدة 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في حكم وفوائد فريضة الحج

يشرح الشيخ أهمية فريضة الحج والحكم الكثيرة التي فرضها الله تعالى على عباده. الحج يحقق مصالح كثيرة للعباد في الدنيا والآخرة.

أركان الحج وواجباته الأساسية

يتناول أركان الحج وواجباته، حيث يذكر أن الحج له أركان أربعة لا يتم إلا بها. كما يذكر واجبات الحج التي تشمل الإحرام من الميقات المعتبر للحاج.

تفاصيل واجبات الحج ومحظورات الإحرام

يتناول واجبات الحج مثل الإحرام، الوقوف بعرفة، المبيت بمزدلفة ومنى، رمي الجمار، والحلق أو التقصير. يُشدد على تجنب المحظورات أثناء الإحرام.

آداب الحج وسلوك الحاج

يجب على الحاج الالتزام بآداب الإسلام وتجنب المحظورات أثناء أداء مناسك الحج. كما يجب أن يكون رفيقًا رحيمًا مع إخوانه المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى قد منّ على عباده بنعم كثيرة في دينه سبحانه وتعالى، هذه النعم التي تصلح لهم الدنيا وتصلح لهم الآخرة. ومن ذلك أنه سبحانه وتعالى شرع لعباده من الطاعات والعبادات وفرائض الدين ومبانيه ما يكون به صلاحهم في الدنيا وما يكون به صلاحهم في الآخرة. إذ ترتب على تلك العبادات وعلى تلك الطاعات من المصالح والحكم العاجلة والمنافع والثواب الآجل ما لا يعلم قدره إلا الله سبحانه وتعالى. وقد أعلم العباد ببعض تلك الحكم ليكون ذلك أدعى لهم في الإقبال على تلك العبادات والاعتناء بها والحرص على تكميلها وإحسانها بما تستوفى به تلك المصالح ويكون به الانتفاع التام. ومن تلك العبادات، عباد الله، عبادة وفريضة الحج التي هي فريضة من فرائض الإسلام ومبنى من مبانيه العظام. هذه الفريضة العظيمة التي فرضها ربنا جل وعلا على عباده لحكم كثيرة أدرك الناس بعضها ولم يدرك الكثير من كنهها. لما في هذه الفريضة من المصالح العديدة والطاعات المتنوعة، يدرك بذلك كل من دخل فيها وأداها أن لله جل وعلا فيها حكمًا كثيرة لا تعد ولا تحصى. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى فرضها على عباده، فرضها على عباده وهو الغني جل وعلا غني عن تعبهم ونصبهم وعن جهدهم وبذلهم. ولكنه سبحانه وتعالى لعلمه أن ذلك مما يصلحهم ومما تقوم به أمورهم في الدنيا، فينتفعون بذلك، وهكذا كذلك في الآخرة، فرضها ربنا جل وعلا وهو الحكيم. ومن حكمته ولطفه بخلقه أنه سبحانه فرضها على المستطيعين من عباده. فقال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فلحكمته سبحانه وتعالى وعلمه بحال خلقه لم يفرضها على الناس جميعًا، وإنما فرضها على أهل الاستطاعة منهم، وهو الحكيم العليم سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك لعظم أمر الحج وكذلك علو أثره، فإن الله عز وجل أمر به عباده في الأمم السابقة كما أمر به هذه الأمة. قال الله عز وجل في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾. فهو سبحانه وتعالى فرض هذه الفريضة على العباد جميعًا لعلمه سبحانه وتعالى بما في هذه العبادة من المصالح الكثيرة. ففيها ما يكون من إقامة ذكر الله جل وعلا الذي يكون به زكاة النفوس وطهرة القلوب واستقامة الأقوال والأفعال. وفيها كذلك من الحكم ما يكون من أداء أنواع العبادات والطاعات. وفي كل عبادة من تلك العبادات وكل طاعة من تلك الطاعات كذلك مصالح ومنافع كثيرة. ففيها شيء من عبادة الصلاة، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. وفيها كذلك معنى من معنى الإنفاق، وبذلك طهرة القلوب والأموال وكذلك النفوس من معاني الشح ومما يشوب المال من شوائب. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾. وفيها كذلك في حق من لا يستطيع الهدي أن يصوم عوضًا عن هذا الهدي عشرة أيام على التفصيل الذي أمر الله عز وجل به. وهذا معنى آخر مما يكون به تزكية نفوس الحجيج. ومن يؤدي هذه العبادة والطاعة، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وهكذا كذلك كل موضع من مواضع الحج وكل نسك من أنساكه فيه من معاني إقامة ذكر الله وما يكون من تعظيمه سبحانه وتعالى في القلوب وما يكون من تعظيم شعائر الله وحرماته. ولذلك فرض الله جل وعلا هذه العبادة بهذه الأنساك وهذه الطاعات. فالملبي يلبي وهو يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك». كلمات يرددها بلسانه، ولو تدبرها في قلبه لأثمرت إيمانًا عظيمًا ولأثمرت توبة صحيحة صادقة. فأنت أيها الملبي حين تلبي لله جل وعلا بقولك «لبيك اللهم لبيك» أي أجيب إجابة بعد إجابة. فأنت تجيب نداء الله جل وعلا إذ نادى عباده وأمر بنداء عباده أن يجيبوه في أداء هذه الفريضة. فتترك كل ما كان في هذه الدنيا طاعة واستجابة له سبحانه وتعالى. فإذا أقبلت على هذه الطاعة فأقبل عليه كذلك سبحانه وتعالى بالتوحيد والطاعة في سائر أمورك، وفي كذلك سائر أيام حياتك. فالله جل وعلا الذي عبدته بأداء هذه الفريضة، فكذلك اعبده سبحانه وتعالى في سائر ما أمرك الله جل وعلا به. وهكذا حين تقول: «لبيك لا شريك لك لبيك»، فأنت توحده سبحانه وتعالى وحده في هذه العبادة، وفي تلبيتك التي تتضمن هذه الطاعة على وجه الخصوص. وغيرها كذلك من باب أولى، فكل الطاعات والعبادات تصرفها لله جل وعلا وحده، لا تشرك معه أحدًا، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا صالحًا من الصالحين، بل تعبد الله جل وعلا وحده لا شريك له. وهكذا كذلك إذا وصلت إلى موضع الإحرام أحرمت لله سبحانه وتعالى، فتخليت عن ملابسك وثيابك طاعة لله وامتثالًا لشرع الله واتباعًا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. تلبس الإحرام الذي هو إزار ورداء يذكرك بخلوصك وخروجك من هذه الدنيا. دخلت إليها عاريًا لا تملك شيئًا، ليس عليك شيء، وكذلك تذكر نفسك، يذكرك ربك جل وعلا بهذه الطاعة وهذا النسك أنك ستخرج من هذه الدنيا بهذين الثوبين، ليس لك معهما شيء كما دخلت عاريًا تخرج من هذه الدنيا عاريًا. ومهما طال عمر بن آدم فإنه لا محالة خارج منها. إنك ميت وإنهم ميتون. والله جل وعلا يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. وهكذا حين ترى الناس جميعًا حولك وقد أحرموا لله جل وعلا وانتقلوا من طاعة إلى طاعة ومن نسك إلى نسك، وهم في ذلك الجموع الغفيرة وفي ذاك العدد الكبير الكثير، تتذكر يوم المحشر حين يجتمع الناس لله رب العالمين. يخرجون كما خلقهم الله سبحانه وتعالى كما خلقهم أول مرة، يعيدهم سبحانه وتعالى وهو على كل شيء قدير. تتذكر في ذلك الجمع العظيم وذلك الجمع الغفير تتذكر يوم الحشر وما تلقى به ربك سبحانه وتعالى، فيوجب لك انكسارًا ويحصل لك بها توبة وإنابة. ولهذا صح في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي الصحيحين عنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وهذا هو معنى وتفسير الحج المبرور، هو الحج الذي كمل في واجباته وأركانه وشروطه ومستحباته. فمتى ما أكمل الحاج تلك الأركان والواجبات والشروط فإنه بذلك يكون قد حج حجا مبرورًا. وأما إذا أخل بثم تلك الأركان فحجه باطل مردود عليه، أو نقصت بعض تلك الواجبات أو الشروط أو كذلك فعل بعض المحظورات فإنه يختل حجه، وعند ذلك لا يكون حجا مبرورًا. فبقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. يتناول تنبيه الحاج لما يجب أن يعتني به من أمر أركان الحج وواجباته وشروطه ومستحباته. فكل ذلك ينبغي أن يحرص عليها الحاج حتى ينتفع بهذا الحج. فإذا كان الحج كذلك كان كما ثبت في صحيح مسلم في قصة عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عمرو أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله وأن الحج يجب ما قبله». فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الحج يجب ويهدم ما كان قبله. وإنما ذلك بما ثبت في الأحاديث الأخرى أنه الحج المبرور الذي صاحبه ينال ثوابه وأجره. وفي السنن عند الترمذي وغيره من حديث ابن مسعود ومعناه من حديث عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب والخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد». فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن متابعة هاتين العبادتين سبب عظيم لتكفير الذنوب والخطايا. وإنما تكفر الذنوب والخطايا إذا كانت هاتان العبادتان على الوجه الشرعي الذي يحبه ربنا سبحانه وتعالى ويرضاه. واعلم أخي الحاج ويا من عزمت على فريضة الحج ويا من لك عزم على فريضة الحج لتعلمه وتبلغه ما ينبغي أن يعلم ويبلغ في هذا المقام. اعلم أن الحج له أركان أربعة لا يتم الحج ولا يقبل ولا يصح إلا بهذه الأركان الأربعة. أولها النية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نواه». فرب حاج حظه من حجه التعب والنصب، وليس له من ذلك شيء لأن نيته كانت على غير ما أراد الله، إما رياء وسمعة، وإما غرورًا وعجبًا، وإما تعاليًا وتباهيًا، وإما كذلك مراءاة الناس، مسايرة لهم. «وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نواه». فلذلك على كل من عزم على هذه الفريضة أن يصحح نيته ويخلصها ويريد بذلك وجه الله وأداء فريضته سبحانه وتعالى. ومن أركان الحج كذلك أنه لا يتم حج حاج حتى يطوف ويسعى، الطواف الذي أمر الله جل وعلا به وفرضه. فالطواف والسعي ركنان كذلك من أركان الحج، فلا يتم حج حاج إلا أن يطوف بالبيت وأن يسعى. والطواف والسعي الذي فرضه الله. وهكذا رابعًا أن يقف بعرفة، فإن الحج عرفة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فمن أخل بأحد هذه الأربعة فلا حج له، من حج بنية على غير النية الصحيحة، أو لم يطف طواف الحج، أو لم يسع سعي الحج، أو كذلك لم يقف بعرفة فلا حج له. وعليه أن يعيد حجه مرة أخرى. وأما أركان الحج وأما واجبات الحج فهي ستة كما أجملها أهل العلم بما دلت عليه أدلة السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاني أدلة الكتاب. أولها الإحرام من الميقات، أن يحرم من الميقات. فمن أراد الحج وأراد أن يأتي بأركانه وواجباته فعليه أن يحرم من الميقات الذي أمره رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يحرم منه. فقد جعل للحج مواقيت زمانية ومواقيت مكانية. أما المواقيت الزمانية التي لا يصح الحج إلا بها فهي شهر شوال وشهر ذي القعدة وعشر من ذي الحجة. فهذه هي المواقيت الزمانية لا يصح حج الحاج إلا فيها. فمن أتى بعمرة الحج في رمضان لم تصح ولم تقبل منه. ومن أتى ببعض أفعال الحج بعد شهر ذي الحجة لم يصح منه ولم يقبل منه. فلا يجوز أن يقدم ولا يجوز أن يؤخر عن هذه المواقيت الزمانية شيء من أعمال وفرائض الحج وواجباته. وهكذا كذلك جعل للمسلمين مواقيت مكانية على من أتاها أو مر بها أو حاذاها أن يحرم منها بالحج. فيدخل في نسكه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر وجاء معنا من حديث ابن عباس وجماعة من الصحابة أنه قال عليه الصلاة والسلام: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل اليمن من يلملم، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن المنازل». وقال عليه الصلاة والسلام: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة». وعلى هذا فكل من أراد الحج والعمرة فمر بأحد هذه المواقيت المكانية وهي مواقيت معلومة معروفة جعلت لها علامات. وبين العلماء أحكامها وتفاصيل مسائلها في كتب أهل العلم التي لا ينبغي أن يستغني عنها بل يجب الرجوع إليها لكل من أراد الحج والعمرة. فهذه المواقيت مواضع معروفة معلومة، من مر بها أو حاذاها وأراد الحج أو العمرة فعليه أن يدخل في إحرامه على الوجه الذي أمره الله عز وجل به. وهنا تأتي مسائل ينبه على أهمها يبتلى بها بعض الحجاج ويغفل السؤال عنها. من هذه المسائل أن بعض حملات الحج ربما تعتزم الذهاب إلى المدينة أولًا ثم يمرون ببعض هذه المواقيت. فهل يجب على من مر بها وهو يريد الحج ولكنه في هذه السفر بعينها إنما يريد المدينة، هل يجب عليه أن يحرم بهذا من عند هذا الميقات الذي مر به أو أنه يحرم من ميقات أهل المدينة؟ الصحيح من أقوال أهل العلم وهي فتوى الكثير من المحققين من مشايخنا وعلمائنا أنه يحرم من ميقات أهل المدينة. فلو أن يمانيًا مر بميقات أهل اليمن برًا أو جوًا وهو لا يريد في هذه السفر بعينها أن يفتتح الحج، ولكنه أراد أن يذهب أولًا إلى المدينة على ما هيئ له من أمر حملته، فإنه لا يحرم إذا مر بهذا الميقات، ولكنه يحرم من ميقات أهل المدينة. وفي مقابل هذا ينبه بتنبيه آخر وخطأ كبير يخطئ فيه الكثير من الحجاج، وذلك أن بعضهم يسافر من بلده يريد الحج جوًا ثم بعد ذلك لا يحرم إذا حاذ الميقات الذي مر به جوًا، وإنما يحرم من جدة. وجدة على القول الصحيح من أقوال أهل العلم وهو الصواب الذي لا يخالفه إلا الباطل وهو الخطأ أنها ليست بميقات من المواقيت، بل هي موضع من المواضع التي دون المواقيت. فلا يجوز لحاج أن يحرم من جدة. فإذا مر الحاج وهو في الجو بأحد هذه المواقيت وأراد مكة وهو يريد الحج أو العمرة، كان يجب عليه أن يحرم وهو في الجو حين حاذ ذلكم الميقات. فلو أن أهل المشرق مروا بميقات أهل اليمن عليهم أن يحرموا إذا مروا به. أو أهل المغرب مروا بميقات أهل نجد إذا حاذوا وجب عليهم أن يحرموا منه. أو كذلك أهل الشمال إذا مروا بميقات أهل المدينة أو الجحفة وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا على ما أمر الله عز وجل به رسوله وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم أمته. ومن نزل إلى جدة ولم يدخل في إحرامه وجب عليه أن يرجع إلى أحد هذه المواقيت فيحرم من حيث يحرم الحاج كما أمره رسولنا صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك من واجبات الحج أن يكمل الحاج وقوفه بعرفة إلى بعد الغروب. فلا يجوز للحاج أن ينصرف من عرفة قبل غروب الشمس. وما يفعله الكثير من العوام إذ يقفون بعرفة بعض اللحظات أو الساعات ثم يبادرون بالانطلاق من عرفة فيخرجون منها قبل غروب الشمس فهذا خطأ وليس بصواب. وهنا تنبيه آخر عظيم وهو أنه ينبغي التفريق بين الوقوف بعرفة الذي هو ركن من الأركان وبين إتمام الوقوف إلى الغروب الذي هو واجب من الواجبات. وعلى هذا فينتبه لأمر الوقوف أولًا ولإتمام الوقوف ثانيًا. ومما ينبه عليه في هذا المقام أن الكثير من الناس بجهله وبتساهله وعدم سؤاله أهل العلم ومرافقته أهل الجهل فإنه ربما وقف بغير عرفة. فمثلًا المسجد الموجود في عرفة المسمى بمسجد نمرة ليس كله من عرفة، فقبلة المسجد وثلث منه تقريبًا ليس من عرفة بل هو من نمرة. فمن وقف في قبلة المسجد وبقي فيه إلى غروب الشمس فلا حج له وعليه أن يحج مرة أخرى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة». ولذلك وضع داخل المسجد علامات ظاهرة وكتابات واضحة وبلغات عديدة أن قبلة المسجد والثلث المقدم منه ليس من عرفة. فمن وقف فيه بعد الزوال إلى غروب الشمس ولم يدخل في عرفة فلا حج له وعليه أن يعيد حجه مرة أخرى. فمثل هذا الحكم مع هذا الخطأ اليسير يدلك أخي الحاج على أهمية الاعتناء بتفقد أفعال نسكك وكذلك حركاتك في حجك مما يكون به سلامة حجك. ومن واجبات الحج كذلك، عباد الله، من واجبات الحج وجوب المبيت كذلك في مزدلفة. قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوجب على الحجاج أن يبيتوا بمزدلفة ليلة يوم العاشر بعد أن ينطلق من عرفة فيصل إلى مزدلفة. يجب على كل حاج أن يبيت بمزدلفة ويصلي الفجر فيها. فإن ذلك من واجبات الحج. غير أنه رخص للضعفة من النساء والأطفال والعجزة ومن كان بمعنى هؤلاء أو في رفقتهم أن ينطلقوا بعد منتصف الليل، أي بعد غروب القمر تيسيرًا لهم. وكذلك إبعادًا لهم عن زحمة الناس كما صح معناه من حديث ابن عباس وأسماء وعائشة وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وهكذا كذلك من واجبات الحج وجوب المبيت في أيام منى في منى يوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن أراد أن يكمل عدة الحج. فعليه أن يبيت هذه ليالي هذه الأيام جميعًا. ومن لم يبت لعذر كان له عذره، فقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للسقاة وللرعاة ولمن كان بمعنى هؤلاء أن لا يبيتوا. فعلم أنه يرخص ولا يرخص لأهل الأعذار، ولا يرخص إلا من واجب. وإنما الاستهانة تكون بالرخص من الواجب. وهكذا كذلك من هذه الواجبات رمي الجمار، فرمي الجمار واجب من واجبات الحج يجب على من حج أن يرمي الجمار على الوصف المشروع. فيرمي في يوم العاشر الجمرة الكبرى فقط بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة ويسميه في أول الرمي كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا فعل ذلك فإنه بهذا يتحلل التحلل الأول كما صح معناه من حديث عائشة رضي الله عنها. وهكذا يرمي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر إذا أتم الأيام الثلاثة. يرمي لكل جمرة سبع حصيات، الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، كل واحد بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة ويسميه في أول الرمي. ويسن له أن يدعو بعد الأولى والثانية، ولا يسن له الوقوف ولا الدعاء بعد الثالثة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن المسائل في هذا الموضع أنه ربما يشق ويصعب على بعض النساء والضعفة أن يرمي في زحمة الناس. فإن الرمي في يوم العاشر يبتدئ كما تقدم من بعد طلوع الشمس إلى غروب الشمس. فإذا كان هناك حرج للضعفة جاز لهم أن يرموا قبل ذلك أو بعد ذلك في المساء كما تقدم. وهكذا في الأيام الثلاثة، فإنه لا يرمى إلا بعد الزوال. فإذا شق الرمي مع زحمة الناس جاز أن يرمى بعد غروب الشمس في نفس اليوم. ولا يجوز على الصحيح أن يرمى قبل الزوال. وما تسمعونه أو يسمعه بعض الحجاج من فتاوى بجواز الرمي قبل الزوال فهو خطأ وخلاف الصواب. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». والواجب السادس من واجبات الحج الحلق أو التقصير، فإنه لا يتم حج حاج حتى يحلق أو يقصر. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين من الرجال ثلاثًا وللمقصرين مرة. والمرأة تقصر من أطراف شعرها قدر أنملة أو أنملتين لا تزيد على ذلك كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. عباد الله، بهذه الإشارات واللفتات يعرفون أنه يجب على المسلم إذا سلك طريق هذه الفريضة أن يتفقه في دين الله وأن يتبصر في أمر هذه الفريضة العظيمة بما يكون به أداؤها على الوجه الذي يحبه ويرضاه. نسأل الله سبحانه أن يبصرنا بأمور شرعنا وأن يبصرنا بأمور ديننا وأن يرينا الحق حقًا يرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلًا يرزقنا اجتنابه. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإما مما ينبه عليه في هذا المقام أنه يجب على الحاج أن يتأدب بآداب الإسلام في سائر تنقلاته وأدائه لفرائض الله جل وعلا وطاعاته. وفي أنساك الحج خاصة، فإن الحج يخدشه وينقص أجره بل وربما يبطله بعض تلك المخالفات وبعض تلك المحظورات. ولهذا فإنه أمر الحاج أن يجتنب عددًا من المحظورات يكون بها إتمام حجه وكمال نسكه. فمن هذه المحظورات أنه لا يلبس، أي الرجل لا يلبس من الثياب ما يكون محيطًا بجسده وهو ما يسميه الفقهاء بالمخيط. فلا يلبس السراويل ولا القميص ولا ما نسميه بالشميز ولا كذلك العمائم ولا القلانس ولا البرانس ولا غير ذلك مما يوضع على الرأس. ولكن يلبس إزارًا وهو يشبه ما نسميه بالمعوز المفتوح أو السباعية، وكذلك رداءً مثله مفتوحًا، يجعل أحدهما في أسفله والآخر في أعلاه. ولا يلبس شيئًا من الملابس الداخلية تحت ذلكم الإزار امتثالًا لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وإكمالًا لواجب هذه الفريضة. ولا حرج عليه أن يلبس الحزام أو السير أو الساعة أو النظارة أو ما كان بمعنى مما ليس بمعنى ما تقدم. وهكذا المرأة لا تنتقب ولا تلبس القفازين كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وليس معنى لا تنتقب أي تكشف وجهها للرجال الأجانب، بل صح من حديث عائشة وأسماء أنهن إذا مر بهن الرجال الأجانب سدلن على وجوههن أي بالخمار الذي يرمى من أعلى الرأس. فأما ستر الوجه فهو واجب على القول الصحيح من أقوال أهل العلم لدلالة الكتاب والصحيح من السنة. وهكذا المتواتر عن سلف الأمة، فلا يجوز للمرأة ولو كانت حاجة أن تكشف وجهها فرارًا من الانتقاب، بل تستره ويجب عليها ذلك. ولكن بغير ما يشد على الوجه من النقاب أو اللثام أو اللجام أو ما كان بمعنى من البرقع وغيره. فكل ما يشد على الوجه لا يجوز للمرأة أن تلبسه. وأما ما يرمى من أعلى الرأس كالخمار وما كان بمعنى فإنه لا بأس أن تلبسه، بل يجب أن تلبسه إذا كان عندها رجال أجانب. وبه نعرف كذلك خطأ ما يفعله بعض الناس من وضع الواقي الذي لا يجعل الخمار يلمس الأنف وأطراف الوجه، فإن هذا ليس من سنة الصحابة ولا مما كذلك صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في الإذن فيه. ولكن إذا رمى إذا رمت المرأة الخمار من أعلى رأسها فإنه ولو مس وجهها فلا حرج في ذلك. ومن ذلك أن الحاج الذكر والأنثى يجتنبون جميعًا الطيب، فلا يجوز للحاج أن يتطيب إذا كان محرمًا. وأما قبل الإحرام فيجوز للرجل أن يتطيب ولو بقي أثر الطيب في جسده أو رأسه، إلا أنه لا يطيب الثياب. فقد صح من حديث عائشة أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل إحرامه وحين أن رمى جمرة العقبة. وفي صحيح البخاري من حديث يعلى بن أمية أنه رأى رجلًا قد أحرم وقد طيب وقد لبس جبة وتطيب على الثوب الذي عليه، فأمره أن يخلع ثوبه وأن يغسل عنه الطيب. ففرق العلماء بين الطيب الذي يوضع على الجسد قبل الإحرام فهو جائز بل سنة. وبين الطيب إذا وضع على الجسد بعد الإحرام أو وضع على ثياب الإحرام فإنه لا يجوز قبل الإحرام ولا يجوز بعد الإحرام. ولا بأس باستعمال الصابون وما كان بمعنى إذا لم يكن فيه رائحة الطيب الظاهرة الواضحة. وأما إذا كان فيه رائحة طيبة ولكنه ليس بطيب فهو ليس بطيب لا شرعًا ولا عرفًا ولا لغة، ولا حرج في ذلك. والأفضل والأكمل أن يجتنب المحرم كل ما كان فيه معنى الطيب. ومن هذه المحظورات وهو أعظمها وهو كذلك أعلاها وأشدها أمر الجماع، فإن الجماع من أعظم المحظورات. ولهذا فمن جامع أهله قبل التحلل الأول، أي قبل أن يرمي الجمرة جمرة العقبة يوم العاشر، فإن حجه فاسد. وعليه أن يتمه على أن يتم الحج كما أمره الله وأتم الحج والعمرة لله. وعليه أن يعيد الحج ويقضيه لأنه أفسد حجه قبل تحلله التحلل الأول بهذا الجماع. وقد قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. وصح عن ابن عمر وابن عباس وجماعة هذه الفتوى، وكذلك ألزموه بفدية وهو أن يذبح ناقة يتصدق بها جبرًا لما فعله. وأما من جامع أهله بعد التحلل الأول، بعد التحلل الأول أي أنه تحلل يوم العاشر فرم الجمرة وحلق رأسه ثم لبس ثيابه وجامع أهله قبل أن يطوف بالبيت طواف الحج. فإنه لا يفسد حجه ولكنه يأثم وعليه فدية وهو أن يذبح ناقة جبرًا لما فعله، إذ أنه لم يتحلل التحلل الكامل. وبه نعرف كذلك عباد الله ويتأكد ما سبق أهمية اعتناء الحاج بالتفقه في دين الله والتبصر في شرعه وكذلك في تفاصيل نسكه. بما يكون به أداء هذا النسك على الوجه الذي يحبه سبحانه وتعالى ويرضاه. واعلموا عباد الله أن الحاج يؤدي طاعة لله، فإذا علم ذلك واستشعر فليستشعر أن ما هو عليه أمر عظيم وأن من معه من إخوانه المسلمين على أمر عظيم. فليكن معهم رفيقًا رحيمًا ودودًا محسنا إليهم ولنفسه. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالرفق واللين في سائر مواضع الحج. ففي الطواف قال لعمر رضي الله عنه: «يا عمر إنك رجل قوي»، فنهاه أن يزاحم الحجيج لأجل تقبيل الحجر. وهكذا كذلك في يوم عرفة حين انطلق الناس من عرفة إلى مزدلفة أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفق وأن لا يزحم بعضهم بعضًا حتى لا يؤذي الناس بعضهم بعضًا. ومن باب أولى أن يصبر بعضنا على بعض وأن يصبر الحجيج على وجه الخصوص بعضهم على بعض فيما يقع في تلك المجامع الكبيرة والجموع الغفيرة. فيصبر على ما يصدر من إخوانه من خطأ. وهكذا كذلك يعين من يحتاج إلى إعانة، وغير ذلك من الآداب الإسلامية التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم. وليعلم أن العصبية وأن الشدة وغير ذلك ربما أفسد عليه الحج. فالظلم عما ينافي أخلاق الإسلام. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يجنبنا ما يبغضه يا أبا. وأن يجعلنا