ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا

الخطبة بعنوان ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٥ ذو القعدة ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل الحج وأهميته في الإسلام

الحج ركن من أركان الإسلام، وهو فريضة عظيمة يكفر الذنوب والخطايا. له أجور عظيمة وثواب كبير عند الله.

شروط وكيفيات أداء فريضة الحج

يشترط للحج الاستطاعة المالية والبدنية ووجود المحرم للمرأة، ويجب على الفور. كما يتطرق إلى حالات عدم قبول الحج.

الإخلاص والاتباع في الحج وآدابه

يجب الإخلاص في الحج لله وحده واتباع شريعة الله وسنة رسوله، مع الحذر من الرياء والفتاوى الزائغة. ومن آدابه الابتعاد عن الذنوب والمعاصي.

علامات قبول الحج وسلوك الحاج بعده

من علامات قبول الحج تحسن أعمال الحاج بعده، ويحث على لزوم الواجبات والطاعات بعد أداء فريضة الحج.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن من مباني هذا الدين العظيم دين الإسلام، ومن قواعده العظام حجُّ بيت الله الحرام. حجُّ بيت الله الحرام الذي هو أحد أركان هذا الدين العظيم لا يصح لمسلمٍ دينٌ إلا به. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «بُني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام». وللحديث روايات. فانظروا كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم من مباني هذا الدين حجُّ بيت الله الحرام. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم، في قصة جبريل عليه الصلاة والسلام حين أتى الناس يعلمهم دينهم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله -وفي رواية: أن محمدًا رسول الله- وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً». بل ربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فانظروا وتأملوا إلى هذه الأدل من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على ركنية هذه الفريضة العظيمة وهذه الطاعة الكبيرة، فريضة الحج إلى بيت الله الحرام. بل أجمع العلماء أن حجَّ بيت الله الحرام من فرائض الدين ومبانيه، وأن من أنكر هذه الفريضة فهو كافرٌ بالله عز وجل، لا يصح منه إيمانٌ ولا إسلام لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ومن لم يحج تكاسُلاً وتقاعُصاً مع استطاعته فهو على خطر. روى ابن ماجه في سننه والبيهقي كذلك بإسنادٍ حسن عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال: «لقد هممتُ أن آمُر رجالًا في هذه الأمصار فينظُرون من كان ذا جده، أي صاحبُ غنى، وهو لا يحجُّ إلى بيت الله الحرام، أن أضرب عليهم الجزية. ما هم بمسلمين -ما هم بمسلمين- ما هم بمسلمين. كرَّرها ثلاثًا رضي الله عنه وأرضاه». فانظُروا وتأمَّلوا كم في أوساط المسلمين ممن عنده الاستطاعة ومع ذلك لا يؤدِّي هذه الفريضة. فهو بين الكفر والخطر، وكلاهما أمرٌ عظيمٌ له في دنياه وكذلك في آخرته. واعلموا عباد الله أن فريضة الحج فريضةً عظيمة فرضها الله عز وجل الحكيم العليم الرحيم الكريم سبحانه وتعالى تكرُّماً منه سبحانه وتفضُّلاً على عباده. فهو غنيٌّ عن تعبنا وعن نصبنا وعن جوعنا وعن كذلك سائرٍ معاني المشاق التي تُصيبنا. وهو القائل جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. ولكنه سبحانه وتعالى لعلمه افتقار هذا الإنسان لمعاني التقوى التي تُصلِحه في الدنيا وتُصلِحه كذلك في الآخرة، ففرض عليه من أنواع الطاعات وصنوف القربات ما يكون سببًا لإصلاح ظاهره وإصلاح باطنه، ما يكون سببًا لإصلاح دنياه وإصلاح آخرته. وهو الكريم الرحيم سبحانه وتعالى. ولذلك رتَّب ربنا سبحانه وتعالى على أداء هذه الفريضة من الأجور العظيمة والثواب الكبير الشيء الكثير. فثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وفي الحديث الآخر كذلك بالصحيح قال: «الحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة». ومن منا عباد الله لا يريد أن يرجع كيوم ولدته أمه، ومن منا لا يريد أن يكون من أهل الجنة؟ فانظروا إلى هذا الفتح العظيم وهذا التيسير الكبير من الله الكريم الرحيم سبحانه وتعالى. فللعبد ذنوب وخطايا في يومه وليلته، وفي شهره وعامه، يحتاج أن يفتح على نفسه أبواب المكفِّرات ما يُذهب عنه آثار تلك الذنوب والسيئات. وهذا بابٌ عظيم من تلك الأبواب، بل هو أعظمها وأكبرها، فإنه يُكفِّر جميع الذنوب الخطايا. قال العلماء: ليس من الأعمال الصالحة ما يُكفِّر جميع الذنوب الخطايا إلا الحج، حتى الجهاد في سبيل الله فإنه يُكفِّر كل شيء إلا الدين. فإن الحج كاد أن يكون من الجهاد في سبيل الله، فهو كذلك يُكفِّر كل شيء إلا الدين، فهو حتى الكبائر الذنوب، فإنه يُكفِّرها. ولهذا سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم جهادًا. فصح عن أبي هريرة رضي الله عنه فيما رواه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح أنه قال: «حجُّ الكبير والضعيف والمرأة والصغير: جهاد الكبير والضعيف والمرأة والصغير». الحجُّ والعمرة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّاه جهادًا. وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم -وفي رواية: سألت امرأة- هل على النساء من حج؟ هل على النساء من جهاد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم عليهن جهادٌ لا قتال فيه: الحجُّ والعمرة». وثبت كذلك عند أحمد وغيره من حديث ابن عباس. وجاء معنى ذلك عن أبي الطُّليق عن امرأته أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه في أمر زوجها، إذ أرادت أن تحج وليس معها ما يحملها إلى الحج، فقالت لزوجها: لو أعطيتني هذا الجمل أحجُّ به. فقال لها: إني قد أوقفته في سبيل الله. فقالت له: وإن الحج من سبيل الله؟ فقال: إني قد أوقفته في سبيل الله -يريد الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم- فجاءت وسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أخبريه أن الحج من سبيل الله، أن الحج من سبيل الله». فاستدل العلماء بهذا أن الحج في مثابة الجهاد في سبيل الله، وفضله فضل المجاهدين في سبيل الله، لما فيه من المجاهدة العظيمة ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى، ولما فيه من معاني عظيمة وحكم جليلة. في اجتماع المسلمين وتراحمهم وتعاطفهم وتآلفهم، وأن تقوى شوكتهم، وأن يكون عندهم من القوة والمنعة، وما يكون من إظهار ذلك لأعداء الإسلام بمعاني كثيرة وحكم جليلة، كل ذلك مدعاة أن تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: «الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ويقاتل، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». فلما كان هذا المعنى وغيره، فإنه سمي من سبيل الله. وهكذا كذلك معاشر المسلمين، فإن العلماء بيَّنوا أنه يجوز إعانة من لا يستطيع الحج من الزكاة، فإنه من سبيل الله بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا علمنا ذلك معاشر المسلمين، فلا يجوز لمسلم عنده الاستطاعة أن يتأخر عن فريضة الحج. ولنعلم أن معنى الاستطاعة التي ذكرها الله جل وعلا في كتابه، ونبه عليها العلماء في كتبهم مما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، هو أن يكون عند المسلم ما يستطيع أن يذهب به إلى حجه من نفقة وغيرها، تزيد هذه النفقة عن نفقة نفسه وأهله وولده في مأكلهم ومشربهم وملبسهم لعام واحد، وحوائجهم الأصلية من مركوب وغيره. فإذا تحقق أن عنده الزائد على ذلك، فإنه من المستطيعين استطاعة مالية. ويبقى بعد ذلك الاستطاعة البدنية. فإن لم يكن له عذر، فعند ذلك فقد وجب عليه الحج. فإن قصر فهو على خطر. والصحيح من أقوال أهل العلم أن الحج من الفرائض التي أمر بها على الفورية، فيجب على كل مستطيع أن يباشر أداء هذه الفريضة ما دام مستطيعًا، لا يجوز له أن يؤخر ذلك. وقد أمر الله عز وجل به بكتابه، وهكذا علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عند فرضها أن يحجوا. وقد صح أن فريضة الحج فُرضت في السنة التاسعة أو العاشرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حج في السنة العاشرة، فدل ذلك على فرضيتها وعلى فوريتها. فإذا كان كذلك، فلا يجوز لمسلم أن يتأخر ولو لعام واحد، فكيف بمن يؤخره سنوات ومرات وكرات؟ ولنعلم عباد الله أن فريضة الحج فريضة فرضها الله عز وجل على كل مسلم بالغ عاقل قادر مستطيع. ومعنى الاستطاعة كما تقدم: استطاعة مالية واستطاعة بدنية. ويزاد كذلك أمر في حق المرأة وهو وجود المحرم. فأما كونه على المسلمين فلما أمر الله به بكتابه، وما أمر به نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، فلا تقبل هذه الفريضة من كافر أو من فعل فعلًا من أفعال الكفر فصار مرتدًا والعياذ بالله. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾. فإن أعمال العاملين ترد عليهم إذا وقع منهم ما ينقض هذا الإيمان والإسلام. ومن ذلك الشرك بالله، فإن الشرك بالله والعياذ بالله يبطل عمل العاملين، فعند ذلك لا يقبل من عامل عمل ولو كان العمل بحج بيت الله الحرام. قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فإن الشرك يبطل العمل كما أن الحدث يبطل الطهارة، فلا طهارة مع حدث، ولا طاعة ولا عبادة مع شرك، لأن الشرك يبطلها كما تبطل الطهارة بهذا الحدث، فتبطل صلاة المصلِّي، فكذلك أعمال العامل تبطل بوجود هذا الناقض من نواقض الإسلام. ومن ذلك أن يراجع الكثير من المسلمين أنفسهم في اعتقادات وفي مذاهب ينتهجونها ويعتقدونها، هي عند العارفين والعالمين من علماء الكتاب والسنة من معاني الردة والكفر تخرج صاحبها من دين الإسلام. فإنه ولو صلى ما دام يعتقد هذه العقيدة ويذهب هذا المذهب الرديء فإنه والعياذ بالله يكون كافرًا بالله. فاحذروا عباد الله أن يكون فينا من عنده ذلك، ثم يذهب فيؤدي الفريضة فلا تقبل منه وترد عليه كسائر نواقض الإسلام التي تنقض الإسلام عن صاحبها. وقد ذكر العلماء نواقض تنقض الإسلام. ومن ذلك أن يفعل شيئًا مما سماه الشرع كفرًا. وقد يكون الكفر قوليا، وقد يكون فعليًا، وقد يكون كذلك اعتقاديًا. فإن من أنواع الكفر التي تنقض الإسلام ما يكون في بعض العقائد. فلنحذر هذه العقائد الكفرية التي ربما تبطل علينا ديننا ونحن لا نشعر. وهكذا كذلك من هذه الشروط للوجوب أن يكون بالغًا عاقلًا. فمن كان صغيرًا قبل منه الحج، ولكنه الحج تطوع. فإذا حج وهو صغير، فليس هذا يسقط عنه فريضة الحج، بل يجب عليه بعد بلوغه أن يحج حجة الإسلام. لأنها إنما تكون على البالغين. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس وعلي وغيرهما بإسناد حسن أنه قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: وذكر منهم الصبي حتى يحتلم، أن يبلغ». والمعتوه أو المجنون حتى يفيق. فإذا كان كذلك، علم أن أمثال هؤلاء إذا أُدِّي منهم إذا فعلوا هذه الفريضة فلا تُقبل منهم. وإذا رجع لهذا المعتوه عقله أو الممسوس أو غيره، فإنه يجب عليه فريضة الحج في حينه. وهكذا إذا بلغ الصبي وجب عليه أداء فريضة الحج في حينه. وهكذا من معاني الوجوب الاستطاعة كما سمعنا. ومن الاستطاعة الاستطاعة المالية وقد علمناها. وهكذا كذلك الاستطاعة البدنية، وهي القدرة في البدن على أداء هذه الفريضة. وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: «يا رسول الله، إن فريضة الحج أدركت أبي وهو شيخ كبير لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: حجي عن أبيك». فأمرها أن تحج عن أبيها. وهكذا صح أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم في حجه عن أبيه بهذا المعنى، فقال: «حج عن أبيك واعتمر». فإذا كان لا يستطيع استطاعة بدنية، ولكنه يستطيع استطاعة مالية، عند ذلك يوكل من ماله من يحج عنه كما صحت به الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وليُعلم أن من أحكام التوكيل المهمة أن يكون الموكل عنده مانع لا يستطيع أداء الحج، أو كان قد مات قبل أن تكون عنده الاستطاعة والقدرة. وأما من لم يكن عنده مانع فلا يجوز أن يحج عنه، أو كذلك مات مع تفريطه، فكذلك لا يصح ولا يجوز الحج عنه، لأنه قد فرط في حياته، فكيف يحج عنه بعد مماته؟ وهكذا من أحكام التوكيل المهمة أن يعلم أن من وكله فعليه أن يخلص نيته في أداء هذه الفريضة لله، لا يكن قصده الأجرة والمال الذي يأخذه من هذا التوكيل إن أخذ أجرة أو أخذ مالًا على ذلك. ومن أحكام التوكيل أن يُحرص على انتقاء من عنده من الأهلية العلمية والأهلية الدينية والأمانة من مثله يؤدي مثل هذه الأمانة عن هذا الموكل. فليس الشأن كل الشأن أن تدفع بالمال، ولكن الشأن كل الشأن لمن تدفع هذا المال، تؤديه لمن يُحسن أداءه. وأن يكون عنده من الصفات ما يكون به إبرار صاحب هذه الفريضة. فلنحذر عباد الله من أهل السوء الذين ربما يتعيشون ويتأكلون بمثل هذه الطاعات، فعند ذلك ربما يخونون فيها أو يكون منهم ما يكون. وينبغي أن نعلم عباد الله أن كل عمل فرضه الله فله رُكنان اثنان لا يقبل عمل العاملين إلا بهما. أما الرُّكن الأول: أن يكون خالصًا لله سبحانه وتعالى. وأما الرُّكن الثاني: أن يكون على وفق شريعة الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل كما في الحديث القدسي فيما رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». وكم من الناس من يذهب إلى الحج رياءً وسمعة ولأجل أن يقال ما شاء الله فلان قد حج، وليس عنده أدنى استشعار أنها فريضةٌ عظيمة يجب أن تكون خالصةً لله. وعند ذلك ينبغي الحذر عن جميع مظاهر الرياء ومظاهر السمعة من احتفالات واجتماعات وغير ذلك مما يكون فيها معنى الرياء والسمعة. وكذلك أوراقٌ تُكتب في المساجد أو غيرها: فلان ابن فلان حج عن فلان ابن فلان أو غير ذلك من العوائد التي يفعلها بعض الناس في بعض الجهات، كل هذا مما ينافي الإخلاص لله سبحانه. فإنه إما أن يبطل العمل أو ينقص الأجر منه. وأنت تريد أجرًا خالصًا كاملًا، فاحرِص على إتمام إخلاصك لله. وهكذا أن تكون موافقةً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعلى من أراد الحج أن يتعلم أحكام الحج، وأن ينظر فيما ذكره العلماء من نصوص الكتاب والسنة في أداء هذه الفريضة على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. فليس الشأن كل الشأن أن يقال أن ذهبت إلى الحج، ولكن الشأن كل الشأن أن تؤديه على الوجه الذي يقبل منك. بأن يكون موافقًا لشريعة الله سبحانه وتعالى. وفي صحيح مسلم وعند البخاري معلقًا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وكم من أناس يذهبون إلى الحج ويرجعون وقد بطل حجهم، ربما لا يقف بعرفة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة». فهو ركن عظيم من أركان الحج. أو لا يطوف طواف الإفاضة -طواف الحج- يخلط الأمور، يظن أن طوافه في الأول يغنيه عن طوافه الآخر وهو طواف الحج. فيسمع أن السعي عند بعض الناس وعند بعض أهل أنساك الحج يغني عن السعي الآخر، فيظن أن الطواف مثله وليس الأمر كذلك. فلذلك أنت يا أخي الحاج تحتاج أن تتفقه في دين الله حتى تؤدي هذه الفريضة على الوجه الذي يحبها سبحانه وتعالى ويرضاها. ومن ذلك معاشر المسلمين أن نحذر من تلك الفتاوى الزائغة. فأعرفوا عن من تسألون، فإن الله عز وجل إنما أمرك أن تسأل أهل الذكر الذين هم على علم بالكتاب وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين فتاواهم تمشي على منهاج النبوة وما كان عليه سلف الأمة. فليس كل من أفتى يستفتى، ولا كل من تكلم في الدين يؤخذ منه الدين. فالدين لا يؤخذ من القنوات، ولا يؤخذ من المذيعين والمذيعات، ولا يؤخذ كذلك من بعض تلك الكتب والمطويات دون أن تتأكد من جمعها، من ألفها، هل الذي ألفها ممن يستحق أن يؤخذ عنه هذا العلم؟ فربما يرخص لك ما يكون سببًا في إبطال حجك. تؤتى لبعض الناس مطويات وكتب، وربما تضرهم ولا تنفعهم، مثل رسالة يقال لها: افعل ولا حرج -افعل ولا حرج- فإن بعضهم ألفها وجمعها يظن أنه يرخص للمسلمين، وما درى أنه أفسد على المسلمين هذه العبادة في جوانب كثيرة. فألف العلماء الغيورون على دين الله ردودًا على هذه الرسالة، لأنه ميع فريضة الحج تميعًا عظيمًا. فإذا كان هذا في كتاب وفي رسالة، وما أكثر الرسائل والكتب التي ربما تكون سببًا في تميع العبادات والطاعات والقربات على بعض الناس من حيث لم يشعروا. عباد الله، اعلموا أن هذه العبادة عبادة عظيمة جليلة تستحق أن يعتني بها المسلم. فكما قد بذل المال الكثير وسيتعب التعب الكثير، فكذلك عليه أن يجتهد في تعلم العلم الشرعي، وأن يتفقه في هذه المسائل بما يكون به أداؤه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه. نسأل الله أن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يبصرنا بأمور شرعنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما ينبَّه عليه في هذا المقام أن يحذر الحاج ومن يريد ويعزم الذهاب إلى الحج إلى عدد من الأخطاء الكثيرة التي قد يقع فيها بعض الحجاج شعروا أو لم يشعروا، تارةً بسبب قلة علمهم، وتارةً بسبب تقصيرهم في سؤالهم، وتارةً بسبب حداثة ذهابهم وكونهم يذهبون إلى هذا الحج أول مرة. فإن للحج مهابة، وللاجتماع والزحام كذلك مخافة ما يكون سببًا في اختلال بعض الأحكام والخطأ في بعض الأفعال. فلذلك على المسلم أن يحرص أن يسأل أهل العلم كثيرًا. والله عز وجل يقول: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقد تيسَّرت وسائل السؤال اليوم بفضل الله، فيمكنك من خلال بعض الأرقام المجانية التي تجدها أمامك وفي طريقك إلى الحج أن تسأل أهل العلم. وهكذا كذلك الهواتف العمومية أو الرسائل المجانية أو كذلك الأكشاك المنتشرة في مواضع المشاعر، كلها تعينك بإذن الله تعالى على أداء هذه الفريضة على الوجه الذي يحبه سبحانه وتعالى ويرضاه. واحرص في سفرتك على طاعة الله سبحانه وعلى عدم معصيته، لأن المعصية في سفرة الحج مما قد يحرمك أجر الحج لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جِنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». ولقول الله سبحانه: ﴿لَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. لا رفث أي لا فعل فاحش، ومنه جماع النساء أثناء الإحرام. ولا فسوق أي ولا فعل لشيء من معاني الفسوق، وهي الذنوب المعاصي. ولا جدال أي ولا فعل للجدال المذموم. قال العلماء: وفي هذا دليل على أن كل قول أو فعل مكروه ينبغي أن يجتنبه الحاج حفاظًا على حجه، كالصائم فإنه كذلك إن شاتمه أو سابه أحد قال: «إني صائم». فالحاج من باب أولى ألا يخدش حجه، وأن يحافظ عليه بما يكون من السكينة والرفق واللين وغير ذلك من الأخلاق الكريمة التي تعينه على أداء هذه الفريضة على الوجه الذي يحبه سبحانه وتعالى ويرضاه. ولنعلم عباد الله أن من علامات الحج المبرور الذي تقبله الله سبحانه وتعالى أن تكون أعمال الحاج بعد حجه خيرًا من أعماله قبل حجه، فإنها علامة ظاهرة نص عليها العلماء من علامات قبول الحج لهذا الحاج. فإذا وفقك الله لأداء فريضة الحج، فاحرص بعدها على لزوم الواجبات والطاعات والابتعاد عن الذنوب والخطايا والسيئات، وبرهن أن الله عز وجل قد تقبل منك حجك، وأنك بإذن الله سبحانه وتعالى تفتح صفحة جديدة بيضاء ليس فيها ما يدنسها ولا ما يكدرها. ومثل أعمال العاملين كالثياب البيضاء، فإذا أذنب نكت فيه نكتة سوداء، فإنه عند ذلك يكون ما يكون من سواده ومن ذنسه. وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة عند أحمد وغيره: «إذا أذنب العبد ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب واستعتب سُقِلت تلك النكتة، وإلا فإنه يكون الران على قلبه». وينبغي معاشر المسلمين أن يحرص من وفقه الله لأداء هذه الطاعة على إصلاح حال نفسه وعلى تنقية أعماله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا ووفق جميع المسلمين لطاعته ولحج بيته الحرام، وأن يجعلنا من عباده المتقين، إنه سميع مجيب. والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.