الدرس في من هم قادة الإرهاب والعنف ؟؟، خطبة الجمعة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 16 جمادى الأول 1431هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبين الشيخ أن الإسلام دين رحمة وعدل وحكمة، حيث تجلى ذلك في صبر النبي صلى الله عليه وسلم على أذى قومه ومعاملتهم بالحسنى. كما أشار إلى عفو النبي يوم فتح مكة.
يُوضح أن الجهاد في الإسلام ليس عنفًا بل هو من العدل ودفع للبغي، مستشهدًا بمواقف النبي صلى الله عليه وسلم. كما بين أن الإسلام يحرم الإرهاب ويحث على الرحمة.
يتناول تحريم الإرهاب وسفك الدماء في الإسلام، ويُبين حرمة دماء المسلمين والمعاهدين، مستندًا إلى القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. كما حذر من تشويه صورة الإسلام بسبب أفعال المتطرفين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ص، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا أنزل هذا الدين العظيم، وما معه من شريعةٍ حكيمة، على نبينا صلى الله عليه وسلم، ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وليقوم الناس على الصراط المستقيم بالقصد. فأنزل ما أنزل، وجعل ما جعل من شريعة، لعلمه سبحانه وتعالى أنه لا يصلح الناس إلا ذلك، ولا يصلح أمر الناس إلا بذلك. فمن ذلك أنه سبحانه وتعالى اصطفى من خلقه رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، لحمل هذه الشريعة وتبليغها وتأديتها. اصطفاه لما فيه من معاني الإصطفاء عليه الصلاة والسلام. واصطفى ربنا جل وعلى هذا الدين العظيم، ليكون خاتم الأديان، كما أن رسوله خاتم الأنبياء والمرسلين. فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فديننا الذي ختم الله عز وجل به الأديان، هو الدين الذي اصطفاه الله عز وجل للخلق، فكان هو الصالح للناس حتى يرث الله عز وجل من على الأرض جميعًا. وهو الحكيم الخبير سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك، علمنا واستيقنا أنه لا يصلح أمر الناس إلا بهذا الدين، وبما جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. ونبينا عليه الصلاة والسلام جاء بدين الرحمة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. مُهْدَاتٌ بعثها الله عز وجل مع نبينا عليه الصلاة والسلام، بأحكام هذا الدين الحكيمة، وتيسيراته الكريمة منه سبحانه وتعالى. فهو سبحانه وتعالى علم ضعف الخلق، فجعل لهم من الأحكام ما تناسب ضعفهم، وما يقوم به شأنهم في الدنيا والآخرة. وهكذا كذلك من أخلاق هذا الدين، ونبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، الذي فيه أكمل الأخلاق وأحسن الآداب، حتى أنه ضرب للناس في تاريخ البشرية أروع الأمثلة وأعظمها، مما يدل حقيقة وصدقا عند كل منصف، مهما بلغ من الكفر ومهما بلغ من العناد، إن كان منصفا، فلن يجد بدا إلا أن يقر ويذعن بأن هذا الدين هو دين الرحمة، وأنه دين العدل والحكمة. وأن نبيه عليه الصلاة والسلام كذلك نبي الرحمة، رحمة مهداة، بما أنزل الله عز وجل معه من شريعة رحيمة حكيمة، وبما كان من أخلاقه وهديه وسمته عليه الصلاة والسلام. فكم هي الأمثلة في سيرته عليه الصلاة والسلام في تبليغ هذا الدين، التي تبرهن لنا هذه الحقيقة العظيمة التي ينبغي أن يعلمها البشرية جمعا؟ قُتل وأوذي نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن معه من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أرضاهم، في أول الإسلام. ولا يخفى عليكم ما لقي أهل الإسلام الأول من صنوف العذاب والأذية. فمنهم من قتل والداه وعذب، كقصة عمار بن ياسر ووالديه. ومنهم من يضرب ويعذب في الصحراء، كبلال رضي الله عنه أرضاه، وغيرهم كثير ممن عذب وأوذي وقتل في أول هذا الدين العظيم. حتى نبينا عليه الصلاة والسلام لم يسلم من أذية الكافرين واعتدائهم عليه. تارة يجتمعون لقتله عليه الصلاة والسلام، ويكيدون المكائد في ذلك. وتارة يجتمعون عليه فعلا، فيشدوه ويخنقوه حتى كادوا يقتلوه عليه الصلاة والسلام. فيدفع عنه أبو بكر رضي الله عنه، فيقول لهم: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ويأتي إلى بعض الناس كما أتى أهل الطائف، يدعوهم إلى دين الله عز وجل، فصلَّطوا عليه السفهاء والأطفال، فرموه بالحجارة عليه الصلاة والسلام حتى أدموه. فيخرجوا حزينا مهموما مغموما، فيرسل الله عز وجل له جبريل ومعه ملك الجبال، فيقول له: يا رسول الله، إن الله قد علم ما صنع بك قومك، وقد أرسل معي إليك ملك الجبال، وإن شئت أن تأمره فأمره، فإنه سيطبق عليهم الأخشبين - أي جبلين عظيمين. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام - نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام: لا، ولكني أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يؤمن بالله لا يشرك به شيئا. هذا مثل عظيم يعرف به حقيقة هذا الدين، وما عليه حملته من حب الخير للخلق ورحمتهم بهم، حتى وهم على الكفر، حتى وهم على الشرك، حتى وهم يفعلون أنواع الأفاعيل في الأذية والإيذاء والقتل وغيره. وهذا مثل آخر يحكي نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو يربي أصحابه على هذه الأخلاق السامية، كما جاء في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه: أنه عليه الصلاة والسلام حكى نبيا من الأنبياء، آباه قومه حتى أدموه، وهو يمسح الدمى عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون. يرمونه بالحجارة ويؤذونه، ومع ذلك يمسح الدمى عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون. يربي نبينا عليه الصلاة والسلام أصحابه، وهو درس لنا جميعا: أن ديننا يأمرنا أن لا نعامل الناس بأخطائهم، وأن لا نرد مساوئهم بالمساوئ، ولكننا نعالج تلك الأخطاء بموجب الميزان الشرعي الذي أمرنا الله عز وجل به. فهذا معنى من معاني الرحمة التي جعلها الله عز وجل في هذا الدين. وهذا مثل آخر: يؤذى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنواع الأذية، حتى يأتي بعضهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو متكئ على جدار الكعبة، فيقول له: يا رسول الله، ألا ترى ما يصنع أي المشركون بنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر الله لنا؟ فينظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقول له: لقد كان فيمن كان قبلكم يؤت بالرجل فينشر بالمناشير من مفرق رأسه، فما يرده ذلك عن دينه من شيء. ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، فما يرده ذلك عن دينه من شيء. ولكنكم قوم تستعجلون. أذية بلغت بالصحابة رضي الله عنهم أرضاهم القتل والتعذيب بأنواع وصنوف العذاب، ومع ذلك يأمرهم نبينا عليه الصلاة والسلام بالصبر. يأمرهم بالصبر، ويرى أنهم يستعجلون النصر. تربية عظيمة يربي ديننا أهله على هذه المعاني السامية العظيمة. وهكذا مثل آخر: لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، حرض المشركون على قتل أشد الحرص، حتى بعث الرسل أفراداً وجماعات في طلبه حياً أو ميتاً. ومن أتى به فله كذا وكذا. فينجيه الله عز وجل بحفظه ورعايته، فيصل إلى المدينة. ثم يكون ما يكون يوم بدر، ثم يكون ما يكون يوم أحد. وفي يوم أحد - وما أدراك ما يوم أحد - فعل بالمسلمين ما لا يفعله الرجال فضلاً عن من ينتسب إلى العرب - من التمثيل والتشنيع بقتل المسلمين. حتى قتل بعض الصحابة، فما عرف لكثرة الطعن والضرب والتمزيق والتمثيل به، ما عرف بعضهم إلا ببنانه. عرفته بها أخته لما كانت تعرفه به. وحمزة رضي الله عنه مثل به، حتى أكل من جسده رضي الله عنه أرضاه - كما اشتهر بكتب السيرة. حتى قال أبو سفيان - وكان مشركا - حين خاطب بعض المسلمين، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم سترون في القتل مثلا لم آمر بها، ولم يؤسفني - أو قال: ولم يغضبني - أو يؤذيني ذلك. مما يدل أنه فعل شنيع فعلوه بقتل المسلمين. ومع ذلك توالت الأحداث، وحصل ما حصل يوم الحديبية، وما بعده من غدر المشركين بالمسلمين. وما فعلوه بعدد من المسلمين: غدروا بأكثر من سبعين قارئ من خيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم بمثابة العلماء. غدروا بهم فقتلوهم. فأسف النبي صلى الله عليه وسلم لشأنهم، والغدر التي وقعت عليهم، حتى دعا شهرا كاملا على المشركين. وهكذا بعده ما وقع لعشرة من أصحابه، يقتل منهم سبعة، وثلاثة منهم يدخلون في العهد والميثاق مع المشركين، فيغدرون بهم مرة أخرى ويقتلونهم. ثم تتوالى الأحداث، فيفتح الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام مكة، فيدخل فيها منصورا، يدخل فيها فاتحا. وقد نصره الله، ورقاب المشركين تحت يده. فيأتي إليه المشركون، فيقولون له: يا محمد، فيقولوا: ما تظنون أني صانع بكم - يعني: أنتم الذين فعلتم ما فعلتم، مما كان بعضها ما سمعتم - ما تظنون أني فاعل بكم؟ فيقولون: أخ كريم وابن أخ كريم. فيقول صلى الله عليه وسلم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، اذهبوا فأنتم الطلقاء. ثم يقول - من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن - إلى غير ذلك مما قاله عليه الصلاة والسلام. بالله عليكم، أين تجدوا في تاريخ البشرية مع أمة من الأمم، فيها من مثل هذه المواقف العظيمة؟ إن دل ذلك على شيء، دل على صدق ما أخبر الله عز وجل به، من أن هذا الدين دين الرحمة، ودين الحكمة، ودين وضع الشيء في موضعه. وهكذا ما جاء بالصحيح بحديث جابر بن عبد الله: أن رجلا من المشركين يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مستظل تحت شجرة، فيأخذ سيفه بغته ويرفعه على النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول: يا محمد، من ينجيك مني؟ فيتلفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: الله. يكررها: يقول: الله. فسقط السيف من يد المشرك، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من ينجيك مني؟ رد له المقالة، وعامله بالمثل. فقال: من ينجيك مني؟ فقال: هذا الأعرابي: كن يا محمد خير آخذ. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: تسلم - أي: تدخل في دين الإسلام. قال: لا، ولكني لا أقاتلك، ولأقاتل مع قوم يقاتلونك. فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم. فلما ذهب - كما جاء في بعض الروايات - أنه أسلم لما كان من هذا الموقف العظيم منه عليه الصلاة والسلام. هذا قليل من كثير، عباد الله، مما يدلنا على ما في ديننا من معاني الرحمة والرفق والحكمة. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيق يحب الرفق، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة». ويقول عليه الصلاة والسلام - كما جاء في الصحيح من حديث عائشة: «الرفق خير كله، وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». ومع ذلك، عباد الله، لا ينافي ذلك ما جاء في ديننا من الأمر بالجهاد في سبيل الله، وما جاء من رد السيئة بالسيئة. فإن ديننا دين الرحمة والحكمة. فلما كان أعداء هذا الدين لا يرغبون إلا أن يميتوا ويطفئوا نور الله، والله جل وعلا يأبى إلا أن يثبت نوره. وهو القائل عنهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾. وهو القائل جل وعلا كذلك عن هؤلاء المشركين، وحرصهم على أذية المسلمين، وإيصال كل شر إليهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. وغير ذلك من الآيات كثيرة. فلذلك، ولغيره، أمر الله عز وجل بالجهاد في سبيل الله، وإعداد العدة لذلك. فقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾. فكان بمقتضى الشرع والفطرة، وهكذا كذلك العقل والحس: أن دفع بغي الباغين واعتداء المعتدين، ليس من العنف، وليس كذلك من الأفعال المذمومة، بل هو من العدل الذي ينبغي أن يفعل في هذا المقام. وهل ما يفعله الناس قديما وحديثا من إعداد الجيوش لحماية أوطانهم، ولحماية مجتمعاتهم، إلا على هذا الميزان وهذا المعنى؟ فلماذا في مثل هذا المقام يُتهم الإسلام بمثل هذا: أنه دين الإرهاب، وأنه دين العنف؟ وفي مقابله ما يفعل مثله وأشد منه، لا يُحكم عليه بمثل هذه الأحكام الجائرة، وهذه الأحكام الظالمات؟ ينبغي أن نعلم، عباد الله، أن أعداء هذا الدين، وبعض أفراخهم، يتسللون لإدخال الزعزعة في ثوابت وأصول هذا الدين، وإدخال التشكيك فيما علمه الناس من أمور دينهم، مما يجب الإيمان به. إن الجهاد في سبيل الله أحد فرائض هذا الدين. من أنكره أو جحده، فإنه إذا علم وأقيمت عليه الحجج، يكون كافراً بالله العظيم، لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، مما لا يجوز جحده ولا إنكاره. كما أن ذلك هو مقتضى العدل الذي يأمر به ديننا، وتدعو إليه شريعتنا. وليس هذا فحسب، بل يفعل مثله وأشد منه في شرائع الناس وأديانهم وأوطانهم. فديننا، عباد الله، يأمر بذلك لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. فالجهاد في ديننا له معانٍ كثيرة، تجمع في معنيين اثنين. هذا أحدهما: وهو ما يكون لدفع بغي الباغين واعتداء المعتدين. والمعنى الثاني: ما يكون كذلك، ما يكون في إيصال هذا الدين إلى من لم يصل إليه. فمن كان حجر عثرة، يقف مع حريات الناس ومع اختيارهم، من باغٍ من البغاة أو دولةٍ من الدول، فإنهم يدعون إلى إحدى ثلاث: يدعون إلى الإسلام، أو إلى الجزية، أو القتال في سبيل الله. يقاتلون لله، لا لدنيا ولا لمغنم، ولا لغير ذلك من الأغراض الأخرى. ولكن لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وبهذا نعرف أن معنى الجهاد في سبيل الله معنى سامي، يدعو إلى كل ما فيه معنى الفضيلة. يدعو إلى إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. ومع ذلك، فهم مخيرون بالخيرة الشرعية التي خيرهم الله عز وجل بها، وامتثلها رسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده. فإذا علمنا مثل ذلك، فمن الظلم والخطأ أن تقلب الموازين، وأن يحول الظالم إلى عادل، وأن يحول العادل إلى ظالم. وأن يحول من تاريخه مليء بالعنف والجريمة وسفك الدماء، يحول أمثال هؤلاء بمطالبي العدالة، وبمن يريد أن يقيمها في الأرض. ومن تاريخه معروف بالعدل والاستقامة والرحمة والإنصاف، يحول هؤلاء أنهم أهل عنف، وأهل إرهاب. فإن هذا من قلب الموازين. لا يخفى عليكم ما حصل في حروب قريبة وبعيدة بين الكافرين، فضلا ما ذبحه الكفار بالمسلمين. لم ينسَ المسلمون ما وقع من قبل التتار. كم قتل في يوم واحد، فضلا عن أيام؟ فقد ذكر الحفاظ والمؤرخون في تاريخ تلك المجازر التي وقعت من غزو التتار على بلاد المسلمين: أنه قتل في يوم واحد أكثر من ألف ألف - يعني: أكثر من مليون - نفس، بينهم النساء والأطفال. أين مثل هذا وقع من المسلمين على الكافرين؟ ولكنه وقع مثله ونظائره كثير من الكفار على المسلمين. ولا يخفى على الناس، ومن قرأه في التاريخ: ما وقع على المسلمين في بيت المقدس وما حولها من الغزو الصليبي الأول والغزو الصليبي الثاني. وفي مقابله ما وقع من المسلمين مع النصارى حين فتح الله عز وجل على المسلمين بيت المقدس - الفتح الأول - في زمن عمر رضي الله عنه: كيف كانوا رحمة على النصارى؟ فحموهم من بغي اليهود، وحموهم من أنواع الظلم والعدوان، وأقاموا العدل في أرض الله. وما وقع كذلك بعد ذلك في أيام صلاح الدين الأيوبي، ومن بعده، ومن قبله. وما وقع في دخول المسلمين إلى بلاد الأندلس، حيث أقاموا فيها العدل، وانتشر فيها الرخاء، وعرض الناس الأمن. وما قبل وما بعد ذلك: كلها دماء وحروب، كلها من آثار الكافرين وأعمالهم. ولا يخفى على الناس ما وقع في الحرب العالمية الأولى، وما وقع في الحرب العالمية الثانية، من تلك المجازر الشنيعة التي فعلها الكفار بالمسلمين. وكل ذلك يدلك على أن حقيقة حملة الإرهاب، ودعاة العنف، ومن لا يبالي بالميزان الشرعي، بل ولا حتى العقلي ولا العاطفي ولا البشري بشيء من ذلك: من هم؟ إنهم هؤلاء الكفار. لا يخفى عليكم ما فعله الكفار في اليابان في الحرب العالمية، من تلك القنابل الذرية التي فتكت آلاف الألوف، بل مئات الألوف. ولا يزال آثارها إلى يومنا هذا. هل هذه أقيمت في الأرض بأيدي المسلمين، أم أقيمت بأيدي الكافرين؟ ولا يخفى على الناس ما وقع في حرب فيتنام، من بثي السموم والقنابل المتنوعة، وتجارب الأسلحة التي جربت في أرض فيتنام، حتى صارت أرضاً لتجريب أنواع الأسلحة الفتاكة، من أسلحة غازية وسامة، وغير ذلك من أنواع الأسلحة. لا يخفى على الناس مثل ذلك: من الذي فعل هذا؟ هل المسلمون الذين يرمون اليوم بالإرهاب؟ أم أنهم أعداء هذا الدين؟ ولا يخفى على الناس كذلك ما وقع في أمريكا الجنوبية، في مواضع شتى، من مجازر جماعية، وغيرها مما يفعل إلى يومنا هذا. كل هذا بأيدي من؟ لا يخفى على الناس تلك الإبادة الجماعية لشعب هنود الحمر، الذي وقع في الأمريكيتين. وتاريخ ذلك لمن تتبعه وقرأه، ينديه الجبين. بل لا يخفى على الناس ما وقع لليهود من قبل ذلكم الطاغية المسمى هتلر: كيف أدخلهم في أفران جماعية، لم يعرف التاريخ لها نظير ولا مثال. ولكنه عُرِف في التاريخ الأسود لأولئك الكافرين، بصنوف أنواعهم. ولا يخفى ما وقع في بلاد روسيا، في مواضع ومواطن شتى، في شمالها وجنوبها وشرقها وغربها: ما وقع من أصناف ومعاني العنف والإرهاب الحقيقي، الذي ينبغي أن يعرف الناس عنده، ويقفون وقفة صادقة. فيعرفون الميزان الصحيح: العقلي والفطري والحسي، فضلا عن الشرعي، الذي يميز به من هم أهل الإرهاب. ولا يزال ما يقع لإخواننا في فلسطين، وما يقع لإخواننا في العراق، وما وقع لإخواننا في الصومال: شواهد حية، وبراهين ما زالت موجودة، وآثارها باقية. تبرهن للناس أجمع: من هم حقيقة من يفجر الإرهاب في العالم، ومن هم الذين يطبقون العنف في البشرية، ومن هم الذين لا يبالون ولا يراعون بدماء بني آدم، فضلا عما يكنونه من النقمة والعداء على المسلمين وعلى بلادهم. بهذا نعلم، عباد الله، أنه ينبغي أن ينتبه المسلمون جميعا، وأولئك الذين يكتبون في وسائل الإعلام، أو يقرؤون، أو يتكلمون، ويذيعون: مقروءة ومرئية ومسموعة. فيكونون أيدي خفية، يبثون في مجتمعات المسلمين ما يطمع به أعداء هذا الدين، فيشوهون صورة هذا الدين. وربما استحيوا من بعض الأحكام الشرعية، فتنقصوها وهمشوها، وفعلوا ما لا يجوز فعله من مسلم. مع أنهم لو نظروا إلى هذه المعاني بنظرة صحيحة، لعرفوا من دعاة الإرهاب، ومن هم قادة العنف في العالم، ومن هم الذين ينبغي أن توجه لهم التهم. نسأل الله عز وجل أن يرينا الحق حقا، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا، ويرزقنا اجتنابه. وأن يلهمنا رشدنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، بعد إذ سمعنا ما سمعنا، لنعلم أن ديننا مع ذلك لا يحابي قريبًا، كما أنه لا يدع بعيدًا. فإن الحق حقًا يتبع، والحق يجب أن يعرف. فلذلك فإن ديننا لا يرتضي تلك الأعمال التخريبية التي يفعلها بعض الناس تحت مسميات الجهاد، وهو من الفساد. وتحت مسميات الإصلاح، وهو من الإفساد. فإن ذلك لا يرتضيه ديننا. فتلك الأعمال التي يفعلها بعض من سلك مسلك التكفير والتفجير - مسلك دعاة الخوارج قديمًا - فهم معنا من معاني الخوارج حديثًا. إن تلك الأفعال لا يرتضيها ديننا، ولا يقرها شرعنا. وما أكثر نصائح علمائنا في التحذير من هذه الأعمال، وما يلحق بها، وما يكون بمعناها. فإن ديننا يأمر بالعدل والإنصاف، حتى مع الكافرين. فلا يجوز سفك الدماء في ديننا. فالدماء شأنها عظيم في ديننا. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن أول ما يقضى بين الناس في الدماء. بل إن الله عز وجل أخبرنا في كتابه الكريم، وهو يبين لنا ويحذرنا من عدم انتهاك الدماء، وعظيم حرمتها. يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. ويقول سبحانه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. وهكذا يقول سبحانه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ويقول نبينا عليه الصلاة والسلام كذلك - كما جاء في الصحيح: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يسفك دمًا حرامًا». فإذا سفك دمًا حرامًا: «بلح» - أي: لم يجد خاتمةً حسنة - لعظم أمر الدماء. فإذا كان كذلك، فأمر الدماء في ديننا عظيم. والدماء المحرم في ديننا هي دماء المؤمنين المسلمين. فلا يحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والمفارق لدينه التارك للجماعة. كما جاء في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام، من حديث بن مسعود. وهكذا كذلك دماء من أمر الله بحقن دمائهم من الكفار، كالمستأمنين والمعاهدين وأهل الذمة. فإن لهم حرمًا في ديننا، فلا يجوز الاعتداء عليها، والبغي فيها. فإن ذلك من عظيم كبائر الذنوب. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم - في جامع البخاري - من حديث عبد الله بن عمر: أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من قتل ذميا بغير حق لم يجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما». وقال - كما جاء في حديث أبي بكرة - من حديث أبي بكرة: «من قتل معاهدا في غير كنهه لم يجد رائحة الجنة». وجاء في حديث علي رضي الله عنه - بمسند الإمام أحمد - بإسناد حسن: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المعاهد في عهده. فإن ذلك من كبائر الذنوب، عباد الله. وهكذا المستأمنين من دخلوا إلى بلاد الإسلام بأمان، فيجب حقن دمائهم. فسفكها يعد كذلك من كبائر الذنوب. فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه قال لأم هاني - كما في الصحيحين - حين جاءت إليه عام الفتح، وقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي علي بن أبي طالب - تريد أنه أخوها من أبيها وأمها، تأكيدًا - زعم أنه يقتل ابن فلان. وإني قد أعطيته الأمان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرت». وفي حديث علي رضي الله عنه أرضاه، يقول عليه الصلاة والسلام: «المسلمون تتكافأ ذممهم، ويأخذ بعهدهم أدناهم». ومعناه: أنه لو أخذ الأمان من أدنى مسلم، لم يجوز خفر هذا الأمان، ونقض هذا العهد. فكيف بأمان يوضع من قبل ولي أمر المسلمين، يدخل فيه الكفار إلى بلاد الإسلام بأمان؟ فإن هذا - مع ما فيه من نقض العهد والميثاق - فيه كذلك استحلال الدماء المحرمة. فليعلم عباد الله الجميع: أن مثل هذه الأفعال لا يقرها ديننا، وينكرها أشد الإنكار. وأن أفعال أمثال هؤلاء إنما هي تمثل أنفسهم الخبيثة، وجهلهم الدنيء، وبعدهم عن هذا الدين، وعدم مبالاتهم بالمصالح والمفاسد. فإن في ذلك - مع ما فيه من المخالفات الشرعية الكثيرة - فيه ما يطمع به الأعداء من فتح السبل للتسلط على بلاد المسلمين. ولهذا ربما كانت بعض تلك الأحداث من صنعي ومن أفاعيل بعض الكافرين، يريدون بها إشعال الذرائع في البلاد التي يريدون التسلط عليها. فكم من حدث من الأحداث كانوا هم صانعه، وهم الأيدي الخفية التي هيأته وأنشأته. علم ذلك جماعة الفساد أو لم يعلموا؟ فلذلك: الحذر الحذر يا أولياء الأمور، ويا شباب الإسلام، من أن تكونوا عونا لهدم الأمن والإيمان في بلادكم وبلاد المسلمين. وأن تكونوا عونا للكافرين في التسلط على المسلمين وبلادهم. وهكذا كذلك كلمة أخرى ينبغي أن يعدل فيها الجميع: وهي أن لا نخلط بين أفعال المفسدين، فيوصفوا بأنفسهم، وأفعالهم بأنها من الفساد، ومن الخطأ والإرهاب. وبين أن يعمم هذا الحكم، فيكون كل صاحب لحية، وكل صاحب قميص، وكل متمسك بدين، وكل امرأة متمسكة بحجابها وشرائع دينها، يوصف الجميع بأنهم من دعاة الإرهاب، ومن معاني الإرهاب في المجتمع. حتى يقابل ذلك بعض المنحلين والمفسدين، ببث الفساد والانحلال في المجتمع، بحجة مكافحة الإرهاب ومظاهره. فصار الحجاب في المدارس والجامعات من مظاهر الإرهاب. وصار اللحاء والقمصان، وما كان بمعناها، من مظاهر الإرهاب. وصارت حلقات القرآن والتحفيظ في بيوت الله، وفي مدارس التحفيظ، من الإرهاب. حتى يسعى بعض المفسدين - ممن نشك أن يكونوا أيدي خفية في هذا المجتمع، من أيدي الكافرين - يقومون بإصدار الأوامر بإغلاق مدارس التحفيظ، ومحاربة حلق القرآن في بيوت الله. بحجة مكافحة الإرهاب. اتقوا الله، عباد الله، واعلموا أن العدل أمر الله به من فوق السبع سماوات. بل إن مثل ذلك الأفعال ربما أثمرت ردود فعل سيئة، فأنشأت صدورًا ضيقة، وأعداء جددًا، مع كثرة الجهل وكثرة العاطفة في المجتمع. ودعاة الجماعة الفساد الذين يستغلون هؤلاء الناقمين، وهؤلاء الغاضبين، وهؤلاء الحاقدين، فيستغلونهم، فيحولونهم من عوام محبين للدين، إلى أفراد تحت جماعة الفساد. فالحذر الحذر أن يكون في المجتمع من ينشئ الإرهاب، وهو لا يدري. ومن يكون سببا في إيجاد بذور الإرهاب، شعر بذلك أو لم يشعر