شأن الأخوة الإسلامية في حياة المسلم

شأن الأخوة الإسلامية في حياة المسلم

الخطبة بعنوان شأن الأخوة الإسلامية في حياة المسلم، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

الافتتاحية والدعاء بالتوفيق

يستهل المتحدث بالدعاء للجميع بالتوفيق والسداد، ثم يحمد الله رب العالمين ويصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تهيئ هذه الافتتاحية القلوب لاستقبال موعظة الأخوة الإسلامية.

شأن الأخوة الإسلامية وأهميتها

تستعرض الخطبة نصوص القرآن والسنة التي تأمر بتقوية الأخوة الإسلامية وتجعلها أساساً للقوة والتعاون. وتذكر كيف ألف النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار فصاروا نموذجاً للمحبة والإيثار في الله.

الحب في الله ووحدة الأمة

يؤكد المقطع على أن الرابطة الحقيقية بين المسلمين هي الحب في الله والبغض في الله، والاجتماع على طاعة الله والتعاون على البر والتقوى. ويحذر من التفرق والتحزب والعصبيات التي تذهب هذه الأخوة مستدلاً بآيات وأحاديث تبين فضل المتحابين في الله.

خطر التفرق ووجوب الاعتصام بالكتاب والسنة

يحذر الخطيب من الفرقة والتحزب بين المسلمين معتبراً إياها من أعلام النبوة ومكيدة للأعداء. ويؤكد أن السبيل الوحيد للنجاة والوحدة هو التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أجمع على ذلك السلف الصالح.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شأن الأخوة الإسلامية في حياة المسلم، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن النصوص كثيرة في القرآن والسنة التي تحث على كل ما يقوي الأخوة، ويبعث على الألفة، ويزيد في المحبة بين المسلمين. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. نعم عباد الله، لما في الأخوة من القوة، ومن التعارف والتعاون على البر والتقوى، ولما في الفرقة والاختلاف من التنازع والفشل، وفتح الأبواب للأعداء. وكذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشاد بهذه الرابطة، وفصّل من شأن هذه الأخوة، ونوه بذكرها. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» متفق عليه من حديث النعمان بن بشير. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك بين أصابعه، متفق عليه من حديث أبي موسى. البنيان شيء واحد إذا تفرق سقط، وهكذا المؤمنون شيء واحد إذا تفرقوا فقدوا الحياة. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يكذبه». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يكذبه، ولا يخونه، ولا يخذله». ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». أحاديث كثيرة في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا يدلنا عباد الله على فضل هذه الرابطة، وعلى عظم هذا الآصر وهذا الرابط بين المسلمين: الحب في الله، والبغض في الله، والتواصل من أجل الله. وفي ذاك الله سبحانه وتعالى من أجل الأعمال، وأوائل الأعمال التي قام بها النبي عليه الصلاة والسلام حين مقدمه المدينة أن آلف بين المهاجرين والأنصار، وأصلح بين الأوس والخزرج، وصاروا بفضل الله سبحانه وتعالى بعد أن كانوا يعانون من أسباب الفرقة والشقاق والتنازع والحروب والتطاحن، صاروا بفضل الله سبحانه وتعالى كما وصفهم الله عز وجل في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾. صاروا كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ضربوا عباد الله أروع الأمثلة في المحبة والصدق والإيثار، يؤثر بعضهم بعضاً مع الفقر والخصاصة والحاجة، يحبون بعضهم بعضاً، تآلفوا وتواددوا وتحابوا فيما بينهم، وتآلفوا في الله ومن أجل الله سبحانه وتعالى، ليس لأجل الدنيا منقبة ولا لأجل حطام شأن. الفضل في هذا لله سبحانه وتعالى، هو الذي ألف بين قلوبهم، وهو الذي جمع بين أجسادهم. قال الله عز وجل مذكراً إياهم بهذه النعمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾. نعم عباد الله، الذي يؤلف بين القلوب، والذي يجمع بين الصدور هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى، هي العقيدة الصحيحة، هو الاعتصام بكتاب الله وبسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويقول الله تبارك وتعالى أيضاً مذكراً لهم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. سمى الله عز وجل هذا التأليف وهذه المحبة نعمة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ أي متنافرين متطاحنين متفرقين متمزقين، فمن الله عز وجل عليهم ببعثة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذه الرابطة عباد الله التي ينضوي علينا أن نحرص على إحيائها، وأن نسعى في زيادتها وتنميتها، وأن نسعى في تحسينها وإشاعتها بين المسلمين: الحب في الله، والبغض في الله، والاجتماع على طاعة الله، والتعاون على البر والتقوى، والاعتصام بالقرآن والسنة، فلا مذهبية، ولا حزبية، ولا عصبية، ولا طائفية، ولا قومية، ولا وطنية، ولا حطام، ولا دنيا، وإنما هو حب في الله وبغض في الله سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في مسند أبي يعلى وصحيح ابن حبان والنسائي في التفسير من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن من عباد الله عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء، ليسوا بأنبياء ولا شهداء». قالوا: يا رسول الله، صفهم لنا لعلنا نحبهم. قال: «هم قوم تحابوا في الله من غير أرحام بينهم ولا أنساب، وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون يوم يخاف الناس، ولا يحزنون يوم يحزن الناس». ثم تلا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. نعم عباد الله، هذا فيه فضل الحب في الله تبارك وتعالى، تحب أخاك المسلم لأنه استسلم لله، لأنه أذعن لكتاب الله، لأنه اعتصم بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نعم عباد الله، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله». ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يقول الله عز وجل: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتجالسين فيّ». وهكذا ينادي ربنا تبارك وتعالى عباده يوم القيامة فيقول: «أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي». فأعلموا عباد الله أن الذي يذهب هذه الرابطة، ويزيل هذه المحبة، هو التفرق والتنازع والاختلاف والتدابر، والتحزب والتكتل في دين الله سبحانه وتعالى. فهذا من أعظم الأمور في حصول التفرق الذي هو قرة عين الشيطان الرجيم، والذي هو قرة أعين أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم. وقد أخبرنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم أن هذا التفرق والتنازع، وأن هذا الاختلاف إنما هو من طريقة الكفار، ومن طريقة المشركين الذين ذمهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، فقال عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. ويقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، ويقول الله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. الله عز وجل يريد من هذه الأمة أن تكون أمة واحدة وجماعة واحدة في عقيدتها، وفي عبادتها، وفي معاملاتها وأخلاقها، ودعوتها وسلوكها ومنهاجها. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، وكما قال الله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. الله نهانا عن التفرق والاختلاف، ويقول الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. وأعلموا عباد الله أن الذي يحصد هذه الأخوة، ويزيل هذه الرابطة، لهو التحزب في دين الله تبارك وتعالى، والتكتل. ينشئ شيعاً، ويبذر لهذا الإخاء، ولهذا المحبة، ولهذا الترابط، ولهذا التواصل، ما تشعر بالأمة الواحدة والطائفة الواحدة والجماعة الواحدة إلا وتصير جماعات وفرقاً وطوائف وأحزاباً بسبب هذا التكتل وهذا التحزب في دين الله سبحانه وتعالى، الذي ذمه الله عز وجل أشد الذم، والذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. هذا الذي يرضاه الله عز وجل لنا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، فالله يكره التفرق والتنازع. وفي الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة أبداً، ويد الله مع الجماعة، يد الله مع الجماعة، ليس مع الجماعات». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». وهذا يعتبر علماً من أعلام النبوة، إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وقوع الفرقة والاختلاف، فكان كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا في السنن من حديث قبيصة بن مخارق قال: كان الناس إذا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلوا منزلاً تفرقوا تحت الأشجار وفي بطون الأودية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن تفرقكم هذا في الشعاب والشجر من الشيطان». فكانوا بعد ذلك إذا نزلوا منزلاً انضم بعضهم إلى بعض، قال الراوي: حتى لو بسط عليهم بساط لاشتملهم لشدة تقارب بعضهم من بعض. فاحذروا عباد الله مما حذرنا الله تبارك وتعالى منه، ومما حذرنا منه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هذا التكتل، وهذا التفرق، وهذا التحزب، وهذا التشتت، وهذا التمزق الذي تعاني منه الأمة. وما أكثر الذين يعرفون عن هذه التوجيهات، والذين لا يأخذون بهذه الإرشادات، والذين لا يقبلون هذا الأمر من نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ما تشعر بين الحين والآخر إلا بنشوء جماعة جديدة في صورة مؤسسة أو جمعية أو حركة أو حزب أو طائفة أو غير ذلك، تبدأ مشوارها وفي يديها قفازان من حرير، ثم ما تلبث هذه الجماعة إلا وتحارب الجماعة الأخرى، وتقع فيما حذرهم منه ربهم تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾. واعلموا عباد الله أن التحزب في ديننا حرام مرفوض، سواء ظهر بصورة عمل جماعي، سواء سموه عملاً جماعياً أو سموه حزباً، أو سموه لجنة، أو حركة، أو مؤسسة، أو غير ذلك، فالعبرة بالحقائق والمعاني، وليس بالألفاظ والمظاهر. واعلموا عباد الله أن أعداءنا من اليهود والنصارى حريصون غاية الحرص على تمزيق المسلمين، وتغاير قلوبهم، وإيجاد الشحناء والبغضاء والاختلاف فيما بينهم. هذه أمنيتهم، حرصوا صباح مساء، وخططوا وبذلوا ومكروا في سبيل تفريق المسلمين. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. وهكذا يقول الله عن المنافقين: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾. وهكذا يحذرنا ربنا تبارك وتعالى من مكائدهم فيقول: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، ويقول الله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. حرصوا عباد الله على تمزيق المسلمين إلى دويلات، وإلى قوميات، وإلى وطنيات، وإلى حركات ومؤسسات وجمعيات وأحزاب وفئات وطوائف. فعلينا أن نحذر من ذلك، وأن نعتصم بحبل الله تبارك وتعالى كما أمرنا ربنا عز وجل بذلك في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فالمخرج عباد الله من هذه الفرقة وهذا التنازع هو الاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ويقول الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ويقول الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فما هو الحل وما هو المخرج؟ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث زيد بن أرقم: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله». وأحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعلينا عباد الله بالعودة إلى القرآن والسنة، فهذا هو البديل عن هذه الجماعات، وهذا الأحزاب، وهذا التفرق: الاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو سبيل النجاة، وهو الطريق المستقيم، وكلمة المسلمين. فإن هذا التفرق وهذا التحزب جاهلية يرفضها الإسلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوة جاهلية». فدعوة جاهلية تشمل الدعوة إلى العصبيات القبلية، وهكذا إلى الدعوات القومية والوطنية، والدعوات الحزبية والطائفية والمذهبية والعنصرية. فنحن أمة الإسلام، جعلنا الله عز وجل أمة واحدة، فسبيل النجاة للتخلص من هذه الفتن والشتات وهذا التفرق هو رجوع الجميع إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الإمام مالك رحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». ويقول الإمام الزهري رحمه الله: «كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسنة هو النجاة». أسأل الله تبارك وتعالى للجميع التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.