الخطبة بعنوان من أسباب السعادة، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 14 رجب 1442هـ الموافق 26 فبراير 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُشدد على أهمية اتباع الدين الإسلامي والعمل به لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. كمال الأجر يتحقق بكمال العلم والعمل والمتابعة.
حسن الخلق من أسباب دخول الجنة ويرتقي بالمسلم في درجات الإيمان، ويتضمن أصولًا ثلاثة: كف الأذى، بذل الندى، وطلاقة الوجه. يُناقش أيضًا أصول تُنافي حسن الخلق.
يتناول أصول سوء الخلق مثل الوقوف عند الحسن دون الأحسن، والظلم، والشهوة، والغضب، وكيف تؤدي إلى سوء الخلق ونقصان الإيمان. هذه الأصول تُبعد عن الصراط المستقيم.
دعاء يطلب المغفرة للمسلمين الأحياء والأموات والحماية من الفتن، ويعبر عن الثقة بقدرة الله ويحمد الله رب العالمين. يعكس الدعاء التضرع والتسليم لله.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَكْرَمَنَا بِهَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ الَّذِي جَمَعَ لَنَا فِيهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا تَكُونُ بِهِ سَعَادَةُ هَذَا الْإِنْسَانِ فِي الدَّارَيْنِ لِمَنْ تَذَكَّرَ وَتَعَظَّ وَاعْتَبَرَ بِمَا أَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْزَلَ. فَمِنْ حِكْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَرْسَلَ رُسُلًا وَأَنْزَلَ كُتُبًا، وَجَعَلَ دِينًا وَشَرِيعَةً لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَلِيُقِيمَ النَّاسَ عَلَى مَا يُحِبُّهُ لَهُمْ مِنْ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَكْمُلُوا إلَّا بِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ كَذَلِكَ أَنْ يَسْتَقِيمُوا إلَّا بِهِ. فَلِذَلِكَ كَانَ أَكْمَلُ النَّاسِ سَعَادَةً وَأَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً مَنْ كَانَ بِهَذَا الدِّينِ أَعْلَمَ، وَمَنْ كَانَ بِهِ أَعْمَلَ، وَمَنْ كَانَ لَهُ أَتْبَعَ. وَكُلَّمَا كَانَ الْمَرْءُ فِي جَهْلٍ عَنْ دِينِهِ وَقِلَّةِ عَمَلٍ بِهِ، وَكَذَلِكَ تَقَاعُصٍ وَتَقْصِيرٍ فِي اتِّبَاعِهِ، كَانَ مِنْ السَّعَادَةِ أَبْعَدَ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾، ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. وَيَقُولُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فَكَمَالُ الْأَجْرِ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِكَمَالِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْمُتَابَعَةِ، وَالْبُعْدُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْمُتَابَعَةِ سَبَبٌ لِنُقْصَانِ الْأَجْرِ وَحِرْمَانِ الْخَيْرِ، بَلْ وَرُبَّمَا - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - بِأَنْ تُكَدَّسَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. فَإِنَّ بَيْنَ عَمَلِ الْعَامِلِينَ الصَّالِحِينَ وَعَمَلِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْمُفْتَرِينَ وَالْفَاجِرِينَ حَدًّا مَحْدُودًا حَدَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَكُلَّمَا ارْتَقَيْتَ فِي سُلَّمِ الْإِيمَانِ وَتَدَرَّجْتَ فِي مَسَائِلِهِ وَفُرُوعِهِ وَتَشْرِيعَاتِهِ، ارْتَفَعْت دَرَجَةً وَكُنْت فِي أَعْلَى الْمَنَازِلِ فِي قَدْرِ عِلْمِكَ وَعَمَلِكَ وَاتِّبَاعِكَ. وَكُلَّمَا بَعُدْت سَفُلْت، فَكُنْت بَعْدَ ذَلِكَ بَعِيدًا مِنْ اللَّهِ، بَعِيدًا مِنْ دِينٍ وَشَرْعِهِ، وَرُبَّمَا أَسْقَطْت نَفْسَك فِي خَسَارَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالْكَثِيرُ مِنْ النَّاسِ لَا يَنْتَبِهُ لِهَذَا، وَالْمُعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ. عِبَادَ اللَّهِ: لِهَذَا نَحْنُ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ لِلْحِرْصِ عَلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَاتِّبَاعِهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي تَتَبُّعِ مَوَاضِعِ الرَّحَمَاتِ وَأَسْبَابِهَا، وَكَذَلِكَ الْمَغْفِرَةِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ بِمَا يَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ السَّعِيدَةُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ بِالْآخِرَةِ. نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُلْهِمَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الصَّادِقِ الْأَمِينِ. أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ: وَإِنَّ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَدَعَتْ إلَيْهِ شَرِيعَتُنَا أَمْرٌ عَظِيمٌ وَمَطْلَبٌ نَبِيلٌ يَكُونُ بِهِ كَمَالُ الْإِيمَانِ، وَيَرْتَقِي بِهِ الْمُسْلِمُ إلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِسْلَامِ، أَلَا وَهُوَ حُسْنُ الْخُلُقِ الَّذِي قَرَنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِيمَانِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلَاقًا». وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآخَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَأَسَانِيدَ أُخْرَى صَحِيحَةٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ». مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَرْتَقِي بِهِ الْمُسْلِمُ فِي إيمَانِهِ، وَهِيَ خِصَالٌ جَامِعَةٌ تَجْمَعُ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ حِسِّيَةٍ وَمَعْنَوِيَةٍ، تَجْتَمِعُ فِي ثَلَاثَةِ أُصُولٍ: الْأَصْلُ الْأَوَّلُ كَفُّ الْأَذَى، وَالْأَصْلُ الثَّانِي بَذْلُ النَّدَى، وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْبَشَاشَةِ. فَإِذَا حَرَصْت عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَتَتَبَّعْتَهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفَّقَك اللَّهُ أَنْ تَرْتَقِيَ سُلَّمَ حُسْنِ الْخُلُقِ حَتَّى تَصِلَ إلَى عَالِي تِلْكَ الدَّرَجَاتِ. وَكَذَلِكَ مِمَّا يُنَافِي الْخُلُقَ الْحَسَنَ أَرْبَعَةُ أُصُولٍ، فَإِنَّكَ إنْ لَمْ تَنْتَبِهْ لَهَا وَقَعْت فِي سُوءِ الْخُلُقِ، عَلِمْت أَوْ لَمْ تَعْلَمْ، شَعَرْت أَوْ لَمْ تَشْعُرْ، كَمَا ذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. أَوَّلُهَا: الْجَهْلُ، فَكُلَّمَا كَانَ الْمَرْءُ مِنْ الْعِلْمِ أَبْعَدَ وَإِلَى الْجَهْلِ أَقْرَبَ، كَثُرَتْ مِنْهُ الزَّلَّاتُ وَتَتَابَعَتْ عِنْدَهُ الْخَطِيئَاتُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسُوءَ خُلُقُهُ. لِأَنَّهُ كَيْفَ لَهُ أَنْ يَعْلَمَ مَوَاضِعَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الْعِلْمَ الَّذِي بِهِ يَرْفَعُ نَفْسَهُ وَيُرَقِّي بِخُلُقِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَاسِنِ الْمُؤْمِنِينَ أَخْلَاقًا. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. أَيْ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ مِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ هُنَاكَ حَسَنٌ وَأَحْسَنَ، وَأَمَرَك اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْأَحْسَنِ. لَا يَكْفِي أَنْ تَقِفَ عِنْدَ الْحَسَنِ، بَلْ أَنْتَ مَطْلُوبٌ مِنْكَ أَنْ تَرْتَقِيَ بِنَفْسِك حِسًّا وَمَعْنًى إلَى الْأَحْسَنِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَثَانِيهَا: الظُّلْمُ، فَإِنَّ الظُّلْمَ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ. فَبِالظُّلْمِ يَعْمَى الْمَرْءُ، يَعْمَى الْمَرْءُ عَنْ مَوَاضِعِ السَّيِّئَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْقَبِيحَاتِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَجَاسَرُ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَأَخْذِ الْحُقُوقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ بِهِ سُوءُ خُلُقِهِ وَنُقْصَانُ إيمَانِهِ وَبُعْدُهُ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَالدِّينِ الْقَوِيمِ. وَثَالِثُهَا: الشَّهْوَةُ الَّتِي تُعْمِي الْقَلْبَ وَالْبَصَرَ، فَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ بَصَرٌ وَلَا بَصِيرَةٌ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ حَقٍّ وَلَا بَاطِلٍ فِي سَبَبِ شَهْوَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ شَهْوَةُ الْمَالِ أَوْ شَهْوَةُ الْجَاهِ أَوْ كَذَلِكَ شَهْوَةُ الْفَرْجِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الشَّهَوَاتِ الَّتِي تُعْمِي الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَرَى إلَّا بِمَا يُرِيهِ هَوَاهُ وَمَا تَطْلُبُهُ شَهْوَتُهُ وَلَوْ عَلَى حِسَابِ دِينِهِ وَعِلْمِهِ. وَلِذَلِكَ لَا تَسْتَغْرِبْ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ الْكَثِيرِ، وَلَكِنَّهُ بِسَبَبِ شَهْوَةٍ خَفِيَّةٍ - فَإِنَّهُ بِسَبَبِ شَهْوَةٍ خَفِيَّةٍ - يَتَعَدَّى تِلْكَ الْحُدُودَ وَيَتَجَاسَرُ عَلَى تِلْكَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَيَعْمَى قَلْبُهُ بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الشَّهَوَاتِ. كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فَالْكَسْبُ السَّيِّئُ يُبْطِنُ الْقَلْبَ بِالرَّانِ حَتَّى أَنَّهُ لَا يَرَى الْمَعْرُوفَ مَعْرُوفًا وَلَا الْمُنْكَرَ مُنْكَرًا إلَّا مَا أَشْرَبَ مِنْ هَوَاهُ، كَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ حَدِيثٍ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ عِبَادَ اللَّهِ: مِنْ أُصُولِ سُوءِ الْخُلُقِ الْغَضَبُ الَّذِي مَعَهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ أَنْ يَضْبِطَ نَفْسَهُ. فَرُبَّمَا كَانَ عِنْدَهُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَعِنْدَهُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَمَلِ وَعِنْدَهُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْإِخْلَاصِ، لَكِنَّهُ إذَا اسْتَرْسَلَ فِي غَضَبِهِ وَلَمْ يَضْبِطْ غَضَبَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ رُبَّمَا قَالَ الْبَاطِلَ أَوْ فَعَلَ الْبَاطِلَ أَوْ تَجَاسَرَ عَلَى الْحَرَامِ أَوْ فَعَلَ مَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ بَلْ وَيُبْغِضُهُ اللَّهُ بِسَبَبِ عَدَمِ ضَبْطِهِ لِغَضَبِهِ. وَلِهَذَا كَرَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «لَا تَغْضَبْ، لَا تَغْضَبْ، لَا تَغْضَبْ». كَرَّرَهَا ثَلَاثًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. لِأَنَّكَ إذَا غَضِبْت رُبَّمَا تَجَاسَرْت عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، فَفَعَلْت الْمُنْكَرَ وَتَرَكْت الْمَعْرُوفَ وَفَعَلْت كُلَّ قَبِيحٍ، وَكَذَلِكَ زَهِدْت فِي كُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. خُلَاصَةُ ذَلِكَ عِبَادَ اللَّهِ: نَحْنُ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إلَى أَنْ نَتَفَقَّهَ بِدِينِنَا، وَأَنْ نُبْصِرَ بِأُمُورِ شَرْعِنَا بِمَا يَكُونُ بِهِ سَعَادَتُنَا بِهَذِهِ الدُّنْيَا وَالدَّارِ الْآخِرَةِ. نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُبْصِرَنَا بِأُمُورِ شَرْعِنَا، وَأَنْ يُبْقِنَا بِأُمُورِ دِينِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، وَادْفَعْ عَنَّا وَعَنْ الْمُسْلِمِينَ الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.