الدرس في شرح السياسة الشرعية 46، الدرس السادس والأربعون:من( وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا أو يغش في معاملته ... ويعطى كل عضو حظه من الضرب كالظهر والأكتاف والفخذين ونحو ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن التعزير في الإسلام وأنواع المعاصي التي تستوجبه مثل الخيانة والغش. التعزير يختلف باختلاف الذنب والمذنب والمصلحة.
يناقش أنواع التعزير مثل العزل والحبس والضرب وتسويد الوجه، والخلاف بين العلماء حول الحد الأقصى للتعزير.
يناقش آراء الفقهاء حول التعزير بالقتل في حالات الجاسوسية والدعوة إلى البدع والسحر، مشيرًا إلى شروط القتل كعقوبة.
يشرح تفاصيل العقوبة في التعزير والحدود وكيفية تطبيق الجلد بالشكل الصحيح وفقًا للشريعة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله، والحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن ولاه. أما بعد، فتتمة لما سبق، قال رحمه الله تعالى: قال: ونحو ذلك إذا خانوا فيها، وكالوكلا والشركاء إذا خانوا، كذلك الوكلا والشركاء إذا خانوا يلحقهم التعزير، وليس القطع؛ لأنهم متصرفون بإذن المالك أو المشارك، بالنسبة للشريك، ولهذا فإنه حصل له شبهة، وحصل من المالك أو المشارك شيء من التفريط. قال: أو يغش في معاملته، كالذين يغشون في الأطعم والثياب، نحو ذلك؛ يعني مما بمعناه، مما يقع في أسواق الناس، فمن وضع مثلا طعاما رديئا مع الطيب، أو أظهر في الأعلى الطيب وأخفى الرديء، أو كذلك غش في الثياب في جودتها ونحو ذلك، وهذا يتناول أشياء كثيرة، فهذا فيه التعزير. قال: أو يطفف المكيال والميزان؛ يعني ينقص، سواء البائع أو المشتري، إن، كان البائع فينقص، وإن كان المشتري فيزيد، أنه قد يقع العدوان من المشتري، يترك البائع يغفل، فيأخذ له شيئا زائدا عن حقه الذي هو له، فهذا كذلك يوجب التعزير. قال: أو يشهد بالزور، كذلك، ليس في هذا حد، فيوجب التعزير، ويدخل في شهادة الزور معاني كثيرة. قال: أو يلقن شهادة الزور؛ ليس هو الشاهد، لكن معين على الشهادة، كأن يعطيه مالا، أو يغريه بوعد، أو غير ذلك، فكل من عانى على محرم فإنه يستحق التأديب، حتى يرتدع الناس عن المحرمات. قال: أو يرتشي في حكمه، كذلك، الراشي والمرتشي والرائش؛ أي الواسط بينهما، فالكل يستحق التأديب، ولكنه بالتعزير، بما يكون أصلح لمثلهم في التأديب، وهو كما سيأتي يختلف من شخص إلى آخر، ومن رشوة إلى رشوة، ومن زمان إلى زمان، ومكان إلى مكان، وهكذا يقال في سائر المعاصي. قال: أو يحكم بغير ما أنزل الله، سواء كان قاضيا أو حاكما، أو عالما يفتي بخلاف ما علم، أو كذلك حتى ولي الأمر. قال: أو يعتدي على رعيته، وكما تقدم يتناول أنواع الرعاة، الراعي العام، أو من هو دونه. وقد يقول قائل: من يقيم الحد أو من يقيم التعزير على الوالي؟ فالجواب: إن أنصف فيقيم على نفسه هو، إن اعتدى على أحد، كما صح أن عمر رضي الله عنه طلب غير مرة أن يقتص منه، حين ظن أنه اعتدى على بعض الرعية. وإن لم ينصف، أفتاه العالم، أو قضى في حقه القاضي، فالقاضي له سلطة ينبغي أن لا يكون فوقها سلطة السلطان؛ لأنه عن الله يقضي بما علم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قد يقضي القاضي بما أعطاه الله عز وجل من العلم، وبما أوجب الله عز وجل عليه من قول الحق، حتى على السلطان العام، طبعا إذا لم يؤدي إلى مفسدة أعظم، وإلا فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. قال: أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ذلك من أنواع المحرمات، قد تقدم معنى هذا. قد يقول قائل: جاء حديث يحسنه بعض أهل العلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» جاء من حديث عائشة، وابن عمر، وابن مسعود، حسنه بعضهم بمجموع طرقه، وعليه فقال بعض أهل العلم: أن هذا يقتضي سقوط الحدود، وما دونه من باب أولى، على ذوي الهيئات؛ يعني من كان له منزلة، أو من لم تعرف له زلة. والصواب في هذا ما ذكره ابن القيم رحمه الله، ورجحه من أوجه: أن المراد به على صحة الحديث الصغائر دون الكبائر، المراد به الصغائر دون الكبائر، أما الكبائر التي وجبت فيها الحدود إذا بلغت السلطان ففيها الحد. قال رحمه الله تعالى: فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا، وهذه العبارات من باب التأكيد، فالحكم في الشرع تعزير وتنكيل وتأديب؛ تفسير وتأكيد لمعنى التعزير. قال: بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته، وليس هو بالهواء ولا بالجهل، ولكن هناك أصول يرجع إليها بفتاوى أهل العلم. فكما مر معنا: منه ما جاء فيه النص، فيقتدى بما جاء فيه النص، ومنه ما جاءت به الآثار الصحيحة عن السلف الصالح، ومنه ما يقاس على ذلك، ثم بعد ذلك يراعى بحسب المصلحة والمفسدة، كما قال رحمه الله: على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته. قال رحمه الله: فإذا كان كثيرا زاد في العقوبة، بخلاف ما إذا كان قليلا، كما زاد عمر رضي الله عنه، كما تقدم معنا، كم في حد السرقة، زاد أربعين؛ الأصل أربعين، وزاد أربعين، لما تفش ذلك في الناس. قال رحمه الله: وعلى حسب حال المذنب، فإذا كان من المدمنين على الفجور زيد في عقوبته، بخلاف المقل من ذلك. وعلى هذا يحمل، كما تقدم: قتل شارب الخمر في الرابعة؛ فإنه لكثرة إدمانه يقتل، وعلى هذا كذلك يحمل قتل السارق بعد الرابعة، على من صحح ما روي في هذا الباب. قال: وعلى حسب كبر الذنب وصغره، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، ما لا يعاقبه من لم يتعرض إلا لمرأة واحدة أو صبي واحد؛ يعني هذا له قضية واحدة، وذاك له قضايا كثيرة، يتأذى منه ناس أكثر، فيقتضي أن الأول يكون عقابه أكثر من الثاني؛ لأن أذيته أكثر، ومعصيته أكبر. قال: وليس لأقل التعزير حد، بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان من قول وفعل، وترك قول، وترك فعل؛ يعني قد يكون حسياً، وقد يكون معنويا. قال: فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه، والإغلاظ له، فيكون هذا كافيا في بعض القضايا، وحمل العلماء قضايا جاءت في السنة، في خروج بعض الأدلة عن الأصل، على هذا الباب؛ مثل مجاهرة بعض أهل السوء في العلن، فإنهم حملوه على التعزير؛ أن هذا من تعزيره، ومن تأديبه. قال: وقد يعزر بهجره، وترك السلام عليه، حتى يتوب، إذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا؛ يعني في قصة كعب بن مالك في الصحيحين، وهذا استدل به العلماء على التعزير بالهجر، والهجر علاج يستعمل إذا غلب على الظن أنه ينفع، فإنه يرد المهجور إلى الحق، وهكذا كذلك يحمي المجتمع من شر ذلك المهجور، ولهذا قال العلماء في هذا الحديث: أصل في هجر أهل البدع والمعاصي، فهو من التعزير، وقد كان للثلاثة رضي الله عنهم امتحانا وبلاء وتطهيرا، فقبل الله عز وجل توبتهم حين علم صدقهم. قال: وقد يعزر بعزله عن ولايته؛ يعني صاحب المعصية، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يعزرون بذلك؛ يعني من عزل بعض من ولي، مثل قصة ابن اللوتبية في الصحيحين. قال: وقد يعزر بترك استخدامه بجند المسلمين، كالجند المقاتل، إذا فر من الزحف؛ فإن الفرار من الزحف من الكبائر؛ يعني فيكون ذلك بعزله، وهذا من التعزير. قال: وقطع أجره نوع تعزير له، وقد تقدم معنا في فصول سابقة ما جاء وروي عن عمر رضي الله عنه في ذلك. قال: وكذلك الأمير إذا فعل ما يستعظم فعله، عزله من الإمارة تعزيرا له، ومن الذي يعزل الأمير؟ يعزله أهل الحل والعقد، يعزله أهل الحل والعقد، حتى الأمير العام إذا فعل ما يخل بالإمارة فإنه يعزل عن الإمارة، فيجتمع أهل الحل والعقد ويعزلونه من إمارته، وقد فعل العلماء مثل ذلك قديما وحديثا؛ أي أنهم قد يعزلون حتى الأمير العام إذا رأوا أنه فعل ما يستعظم، وما ينافي بقاءه في هذه المسؤولية التي هو عليها، فهو ليس بأهل، فبهذا يعزل. قال: وكذلك قد يعزر بالحبس، وهذا نوع من التعزير، الحبس، ومنه ما تقدم في حق من لا يمكن تغريبه؛ فإنه قد ينتقل معه إلى الحبس؛ لأن هذا بحسب المصلحة، وقد فعل عمر رضي الله عنه نحو ذلك. قال: وقد يعزر بالضرب، كذلك، كما صح فيما فعله عمر رضي الله عنه مع صبيض. قال: وقد يعزر بتسويد وجهه، وإركابه على دابة مقلوبا، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر بذلك في شاهد الزور؛ فإن الكاذب سود وجهه، يعني سود وجهه بالكذب، فسود وجهه بما يقتضي السواد، كالفحم وغيره، وقلب الحديث، فقلب ركوبه؛ يعني أركب على الحمار مقلوبا. قال: وأما أعلاه، فقد قيل: لا يزاد على عشرة أصوات، وقال كثير من العلماء: لا يبلغ به الحد، وفي هذا خلاف بين أهل العلم. قال: ثم هم على قولين: منهم من يقول: لا يبلغ به أدنى الحد، أدنى الحدود لا يبلغ بالحر أدنى حدود الحر، وهي الأربعون؛ لأن أقل الحدود حد الإسكار والسكر، كما جاء في حديث أبي هريرة، ونحوه من الحديث الأخرى. قال: أو الثمانون على قول من يقول: بأن الخمر لم يأت فيه حد؛ لأن فيه خلافا، كما تقدم، فإذن الثمانون هو أقل الحد. قال: ولا يبلغ بالعبد أدنى حدود العبد، وهي العشرون، أو الأربعون؛ العشرون على قول من يقول: أنه ينصف له كل شيء، ومنها حد شرب الخمر، وهذا بالقياس، أو الأربعون على ما ورد عن الصحابة، وهذا بالنص، كما تقدم معنا، ولأجل هذا وقع الخلاف، وقيل: بل لا يبلغ بكل منهما حد العبد؛ يعني هذا قول آخر، فأدنى شيء حد العبد، فعلى قول: عشرين، وعلى قول: أربعين. قال: ومنهم من يقول: لا يبلغ بكل ذنب حد جنسه، وإن زاد على حد جنس آخر، فلا يبلغ بالسارق من غير حرز قطع اليد، وإن كان ضرب أكثر من حد القادف؛ لأنه ليس بقادف، ولا يبلغ بمن فعل ما دون الزنا حد الزاني، وإن زاد على حد القادف، فحد الزنا بالنسبة للبكر جلد مئة، فإذن لو حد لو عزر بحد القادف ثمانين، فهو دون الزنا، هذا بالنسبة لمن باشر مثلا ولم يجامع، وهكذا بالنسبة لمن أخذ مالا ولم يسرق، كما تقدم. قال: وأما من قذف بغير ما يستحق به حد القذف، كأن يكون تكلم بكلام لا يستحق به حد القذف، فإنه يجلد ما دون الثمانين، وهذا أحد الأقوال. قال: كما رويا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رجلا نقش على خاتمه، وأخذ بذلك من بيت المال، فأمر به فضرب مئة ضربة، ثم ضرب في اليوم الثاني مئة ضربة، ثم ضرب في اليوم الثالث مئة ضربة. قال: وتقدم معنا لماذا ضرب ثلاث مرات؟ الآن كم صارت؟ ثلاثمئة، طيب الثلاثمئة لماذا هي كثير؟ ما عند من الجواب؟ ها مر معنا: هذا عند من؟ ها كيف نعم، عدة عقوبات، ما هي هذه العقوبات؟ ها نعم: كونه أولا نقش على الخاتم، فكان هذا تزويرا، وكونه أخذ بهذا الخاتم بهذا الختم، وهذا إيش؟ غش، وهذا وكونه أخذ مالا من بيت المال بغير حق، هذه ثلاث، فاستحق بهذه الثلاث ثلاث تعزيرات، ولهذا جلد ثلاثمئة. قال: وروي عن الخلفاء الراشدين في رجل وامرأة وجد في لحاف يضربان مئة، وهذا يحمل كما ذكر شيخنا رحمه الله: أنهما كانا ثيبين؛ لأنهما لو كانا بكرين لاستوجبا أقل من مئة؛ لأن حد البكر مئة، وبعضهم قال: حد البكر مئة وتغريب، فكونه جلد مئة، فلا إشكال؛ لأنه أسقط التغريب، فعلى كلا الأحوال لا إشكال فيه، هذا على قول من قال: بأنه يكون في كل ذنب بحد جنسه لا يصل إلى حده، وهذا القول هو الذي كما نراه رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أقرب الأقوال إلى الصواب؛ لأننا لو قلنا: أنه لا يزاد على عشرة أصوات، فقد ثبت عن الصحابة أنهم زادوا على عشرة، فلماذا لم يعمل بما ورد؟ سئل شيخ الإسلام عن حديث برد بن نيار في الصحيحين. قال: وإن قلنا: أنه لا يزاد كذلك على ما ذكر من أربعين، فقد ثبت أن الصحابة زادوا على أربعين، أو ثمانين، فقد ثبت أن الصحابة زادوا على ثمانين، ولكن لو تأملنا هذه الآثار المروية مع النصوص، وجدنا أن الجامع لذلك، بما لا يكون فيه اختلال، ويبقى في القياس الانتظام، هو هذا التعليل: بأنه يلحق كل حد بالتعزير، بما لا يزيد عن جنسه، ويجوز أن يزيد بحسب المصلحة عن غير جنسه، كما أشار، فلو أن إنسانا باشر ولم يجامع، أو لم يثبت الجماع، فإنه يحد بما دون حد الزنا؛ يعني يعزر بما هو دون حد الزنا، وهكذا يقال في السارق إذا سرق بما هو دون حد السرقة، فإنه يعزر بما هو دون حد السرقة، ولو زاد على غيره من الحدود الأخرى. قال رحمه الله تعالى: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي جارية امرأته: إن كانت حلتها له جلد مئة، وإن لم تكن حلتها له رجم، والحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صح عن عمر رضي الله عنه في نحو هذه المسألة: أنه جلد مئة؛ يعني ممن وقع في جارية امرأته، مع أنه يستحق الرجم، استحق الرجم، لكن عزره بجلد مئة؛ يعني دون الرجم. قالوا: هذه الأقوال في مذهب أحمد، وغيره، وقد ذكر هذا معنى ذلك في مسائل أحمد وإسحاق. قالوا: القولان الأولان في مذهب الشافعي وغيره؛ يعني أن لا يزاد على عشرة، أو كذلك لا يبلغ بالحر أدنى حدود الحر. قال: وأما مالك وغيره، فحكي عنه: أن من الجرائم ما يبلغ به القتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد، والمالكية من أكثر الناس توسعا في التعزير بالقتل، والصواب في هذا ما تقدم. قالوا: ووافقه بعض أصحاب أحمد؛ يعني في ثنايا بعض المسائل، قال: في مثل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين، فإن أحمد يتوقف في قتله، وجوز مالك، وبعض الحنابلة، ابن عقيل، قتله، ومنعه أبو حنيفة، والشافعي، وبعض الحنابلة، القاضي أبو يعلى، والصواب النفي، هذا بحسب المصلحة، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر، حين صنع حاطب ما صنع، فقال عمر: دعني أقتل، أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «إنك لا تدري لعل الله اطلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم». قال بعض أهل العلم: فيه دليل على أن الجاسوس يجوز قتله إذا لم يكن له عذر؛ أن الجاسوس يجوز قتله إذا لم يكن له عذر، وهذا قول له وجاهته، وكما نرى شيخ الإسلام ذكره كالمقر له، وفي بعض المواضع من كتبه ألمح إلى ذلك. قال: وجوز طائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد، وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالف للكتاب والسنة، خصوصا إذا كانت بدعته توصل إلى الكفر، وأما إذا كانت بدعته لا توصل إلى الكفر، فلا، أو كان له فيه شبه، أو تأويل، فكذلك لا. قال: ولهذا ثبت عن الأئمة قتل الرؤوس الجهمية، كالجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وهكذا رواية آثار نحو ذلك، ذكرها أئمتهم في كتب الاعتقاد، كالإمام البخاري في خلق أفعال العباد، وعبد الله بن أحمد في السنة، والخلال في السنة، وجماعة من ألفوا في الاعتقاد. قال: ومع ذلك فإنهم لم يجعلوا ذلك فيمن له شبهة، حتى إنه روي عن الإمام أحمد رحمه الله: سئل عن الصلاة خلف المأمون، فأمر بالصلاة خلفه؛ أنه يصلى خلفه، مع أنه كان لا يستجيز الصلاة خلف بن أبي دؤاد، ومن كان أمثاله؛ يعني ينبغي أن يفرق بين العام الذي قد يغرر عليه، أو من لبس عليه، وعنده شبه، ولو كان أصل المقالة كفرية، فيفرق في ذلك. قال: وكذلك كثير من أصحاب مالك، وكما مر معنا: المالكية في هذا الباب يتوسعون في باب التعزير بالقتل، ولهذا ينبغي الانتباه لمثل هذا، وعدم الاغترار بما ينقل عن المالكية في باب التعزير بالقتل. قال: وقالوا: إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية؛ لأجل الفساد، لا لأجل الردة، والصواب في هذا كما تقدم التفصيل. قال: وأما من كانت بدعته غير مكفرة، فالصحيح أنه لا يصل حد التعزير في حقه إلى القتل. قال: وكذلك قد قيل في قتل الساحر، وهذا هو الدليل في أن أصحاب البدع المكفرة يقتلون؛ لأن الساحر فعله كفر؛ لأن الساحر فعله كفر. قال: فإن أكثر العلماء على أنه يقتل، وقد روي عن جندب رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا: «إن حد الساحر ضرب بالسيف» وقد رويت في هذا آثار كثيرة، والموقوف منها له حكم الرفع، حتى لو قيل: إنه لم يصح فيه مرفوع، فالموقوف له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي. قالوا: عن عمر، وعثمان، وحفصة، وعبد الله بن عمر، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم قتله. قال بعض العلماء: لأجل الكفر، وقال بعضهم: لأجل الفساد في الأرض، لكن جمهور هؤلاء يرون قتله حدا؛ يعني سواء قيل: للرد والكفر، أو ليس ذلك، ولهذا فإنهم قالوا: أن الساحر يقتل بغض النظر عرف أن فعله كفر أو لم يعرف، وذلك لأنه قد جاء فيه من الموقوفات ما له حكم الرفع، فصار كالنص، ولأجل فساده كذلك. قال: وكذلك أبو حنيفة يعزر بالقتل فيما تكرر من الجرائم، إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يقتل من تكرر منه اللواط، أو اغتيال النفوس لأخذ المال، ونحو ذلك. قال: والصحيح أن صاحب اللواط يقتل من أول مرة، ولكن على قول من يقول: أنه يعامل معاملة الزاني، فيقولون: بأنه إذا تكرر منه فإنه يقتل. قال: أو اغتيال النفوس، وقد تقدم معنا أن القتل الغيلة يوجب القتل على كل حال، ولو عفى أولياء المقتول. قال: وقد يستدل على أن المفسد إذا لم نقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل، بما رواه مسلم في الصحيح عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» وفي رواية: «ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان» وهذا معناه أنه يقتل، ومن كان بمعناه ممن قد يثمر وجوده في المجتمع هذا المعنى؛ يعني من كان لا ينقطع شره إلا بالقتل فإنه يقتل، كما تقدم معنا في من يقتل، كرد الصائل، حمله العلماء على ذلك في حق شارب الخمر في الرابعة، ونحوه. قال: وكذلك قد يقال في أمره بقتل شارب الخمر في الرابعة؛ فكما تقدم معنا حمله العلماء أنه كرد الصائل الذي إذا اندفع شره بغير القتل لم يقتل، وإذا لم يندفع شره إلا بالقتل فإنه يقتل. قال: بدليل ما رواه أحمد في المسند عن ديلم الحميري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن بأرض نعالج بها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، فقال: «هل يسكر؟» قال: قلت: نعم، قال: «فاجتنبوه» قال: قلت: إن الناس غير تاركيه، قال: «فإن لم يتركوه فاقتلوهم» والحديث بعضهم ضعفه، وبعضهم صححه، ومن صححه فإنه يحمل على ما؟ يحمل على حديث قتل الشارب في الرابعة، وقتل الشارب في الرابعة يحمل أنه من لم يندفع شره إلا بقتله، كدفع الصائل. قال: وهذا لأن المفسد كالصائل، فإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل، وفي هذا دليل خصوصا إذا صح هذا الحديث: على أنه يجوز أن يردع الناس بالقتل فيما لا يردعهم إلا القتل، وأنه ليس خاصا بشرب الخمر والسرقة، بل وفي غيره من الأمور الأخرى، ولكن كما تقدم: لا ينبغي أن يتوسع في هذا الباب إلا بشرطين، أي القتل لا يتوسع فيه، بل يجب أن يقيد بشرطين، ما هذان الشرطان؟ مر معنا: هذان الشرطان: أن يكون فيمن تكرر منه ذلك، ويفهم هذا من حديث شارب الخمر، وأن يكون كدفع الصائل؛ من لم يندفع شره إلا بقتله فإنه يقتل، ونص العلماء على هذين الشرطين؛ فإنه لابد منهما حتى لا يتوسع في القتل كما فعلت المالكية، أو الكثير من المالكية؛ فإن الكثير من المالكية لما لم يتقيدوا بهذين الشرطين الذين دلت عليه النصوص توسعوا في باب التعزير بالقتل، والصحيح أنه لابد من التقييد بهذين الشرطين لدلالة النصوص على ذلك. قال رحمه الله تعالى: وجماع ذلك أن العقوبة نوعان: أحدهما على ذنب ماض، جزاء بما كسب، نكالا من الله، كجلد الشارب، والقاذف، وقطع المحارب، والسارق، وهذا تقدم. والثاني: العقوبة لتأدية حق واجب، وترك محرم في المستقبل، كما يستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب وإلا قتل، وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة، وحقوق الآدميين، حتى يؤدوها، وهؤلاء تقدم الكلام عليهم، فالتعزير في هذا الضرب أشد منه في الضرب الأول، ولهذا يجوز أن يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الصلاة الواجبة، أو يؤدي الواجب عليه؛ يعني من نفقة، أو دين أخذه، أو مال مغصوب أخفاه، أو نحو ذلك. قال: والحديث الذي في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يجلد فوق عشرة أصوات إلا في حد من حدود الله» وهو ما تقدم، حديث أبي برد بن نيار. قال: قد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد بحدود الله ما حرم لحق الله؛ فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام، مثل آخر الحلال وأول الحرام، فيقال في الأول: «تلك حدود الله فلا تعتدوها» ويقال في الثاني: «تلك حدود الله فلا تقربوها» فمن الحدود ما لا يجوز أن تتعدى، ومن الحدود ما لا يجوز أن تقرب، والشاهد منه تسمية من تعدى الحلال إلى الحرام أنه تعدى لحدود الله، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «حد حدودا فلا تعتدوها» فالصحيح أنه أعم من الحدود التي وردت به العقوبات، فهو يتناول ذلك ويتناول المحرمات. قال: فعلى قول من قال: «إلا في حد من حدود الله» فصار المراد التعزير لا يجلد في التعزير فوق عشرة أصوات؛ يعني التعزير يكون في عشرة أصوات فأقل، التعزير يكون في عشرة أصوات فأقل، وهذا القول مرجوح. قال: وعلى القول الآخر: أن المراد «إلا في حد من حدود الله» إلا في محرم مما حرم الله، فيكون المراد: لا يجلد فوق عشرة أصوات إلا فيما حرم مما حرم الله، فيكون المراد بالعشرة وما دون التأديب، وعلى هذا: رؤية عن إمام أحمد، وإسحاق، وجماعة من أهل العلم: أنه يحمل في تأديب الرجل امرأته أن لا يزيد على عشرة أصوات، وتأديب الأب لابنه لا يزيد على عشرة أصوات، وتأديب المدرس لتلميذه لا يزيد على عشرة أصوات، وهذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث، كما ذكره الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وانتصر له شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، وتلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو الصواب الذي تقتضيه عمومات الأدلة. قال: وأما تسمية العقوبة المقدرة حدا، فهو عرف حادث؛ يعني تسمية العقوبات المقدرة حد الزنا، حد السرقة، حد شارب الخمر، يقول: هو عرف حادث؛ يعني صار في اصطلاح أهل العلم، وليس مما كان عليه عمل السلف، أو قولهم، أو عرفهم، فضلا ينسب للشرع. قال: قاله: مراد الحديث أن من ضرب لحق نفسه، كضرب الرجل امرأته في النشوز، لا يزيد على عشر جلدات، وهكذا كذلك هو في تأديب الأب لابنه وابنته لا يزيد على عشر، فإن زاد على عشر فقد خالف هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيجوز أن يضرب، لكن لا يزيد على عشر، وهكذا المدرس مع التلميذ، كما نص عليه أهل العلم. قال: والجلد الذي جاءت به الشريعة هو الجلد المعتدل بالصوت الوسط؛ فإن خيار الأمور أوساطها. قال علي رضي الله عنه: «ضرب بين ضربين، وصوت بين صوتين» وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «وإياك وكرائم أموالهم» فالوسط في كل الأمور هو المطلوب، بل نص العلماء: أن من كان ضعيفا خفف عنه، فضرب بصوت له تفاريع تخفيفا عليه، كرجل مريض، هزيل، وعليه حد، لو ضرب حد الأقوياء ربما مات، وليس المقصود هو إماتته، ولكن المقصود هو تأديبه، فلهذا فإنه يضرب ربما ضرب واحدة تغني عن عشر، بأن يكون مثلا بعشر صياط مجموعة بضرب واحدة. قال: «ولا يكون الجلد بالعصي، ولا بالمقارع» لأن ذلك يضر، قد يقتل، ولهذا قال العلماء: أن المقصود من الضرب أن لا يكسر عظما، ولا يجرح لحما، إنما يكون به التأديب والإيلام، فلو ضرب بالحديد جرح اللحم، وربما كسر العظم، فلا يجوز، أسياخ الحديد أن يكون الضرب، ولا يجوز كذلك بالعيدان الصلبة، العصي والمقارع، والتي يسميها بعض الصيادين عندنا بالعسوة، تعرفون العسوة: العود الغليظ، فمثل هذا لا يضرب به أبدا. قال: ولا يكتفى فيه بالدرة، بل الدرة تستعمل بالتعزير؛ لأنها أخف من الصوت. قال: وأما الحدود فلابد فيها من الجلد بالصوت، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يؤدب بالدرة، فإذا جاءت الحدود دعا بالصوت؛ لأنه أدعى للتأديب. قال: ولا تجرد ثيابه كلها، بل ينزع عنه ما يمنع ألم الضرب من الحشايا والفرى ونحو ذلك؛ يعني الثياب الغليظة، فممكن أن يبقى بالثوب الرقيق، سواء الملابس الداخلية أو ما فوقها إن كانت رقيقة، وأما إن كانت غليظة فيؤمر بنزعها. قال: ولا يربط إذا لم يحتج إلى ذلك، وأما إذا كان يعالج فيمسك، فيمسك، فإذا لا ينفع المسك فيضرب. قال: ولا يضرب وجهه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قاتل أحدكم فليتقي الوجه» والحديث للصحيحين، والمعنى أنه يضرب في غير الوجه، بل نص العلماء أنه يضرب في مكان لا يؤدي إلى ضرره؛ لأنه من العدوان، فمثلا لا يضرب في المقدمة، في باطنه لا يضرب؛ لأنها كلها مواضع ضرر، لا يضرب في الصدر، ولا في البطن، ولا في العورة، ولا في كذلك باطن الفخذ، ولكن يضرب في إليته، وفي فخده من الخلف. قال: فإن المقصود تأديبه لا قتله، ويعطى كل عضو حظه من الضرب، كالظهر والأكتاف والفخذين، وكما قلنا: الفخذين من الخلف لا من الأمام؛ لأن من الأمام مظنة الخطأ فيصيب المقاتل، ولهذا لا يجوز على الصحيح أن يضرب من جهة الأمام أبدا، بل يضرب كل الضرب من جهة الخلف ابتعادا عن المقاتل. قال: والفخذين ونحو ذلك، وهذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب، وقد ذكر رحمه الله أهم المباحث، وفي مطولات كتب الفقه تفاصيل كثيرة، لكن فيما ذكره رحمه الله غنى وكفاية فيما يتعلق بما يحتاج إليه في باب السياسة الشرعية.