الدرس في شرح السياسة الشرعية 14، الدرس الرابع عشر:من( ومن تشبه بقوم فهو منهم رواه أحمد في المسند عن ابن عمر واستشهد به البخاري ... ولا تجوز النهبة فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول حكم التشبه بالكفار في لباسهم وأفعالهم، ويستدل بحديث "من تشبه بقوم فهو منهم". يجب اجتناب الألبسة التي لها معاني فاسدة أو تتعلق بعقائد الكفار.
يجب توزيع الغنائم بالعدل وفقًا للشريعة، دون محاباة لأحد. يجوز للإمام أن ينفل بعض المقاتلين زيادة على سهمهم إذا قاموا بأعمال نافعة.
يناقش توزيع الغنائم والنفل في الجهاد، ويشرح آراء الفقهاء حول جواز إعطاء المقاتلين أكثر من الثلث من الغنيمة إذا اقتضت المصلحة ذلك.
يشير إلى انتهاء الوقت المحدد للدرس ويعلن عن متابعة الموضوع في درس قادم، ويختم بالتأكيد على علم الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. مر معنا بالدرس السابق ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في أول الفصل الثاني، ما يتعلق بأحكام الغنيمة، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، فيما يتعلق بهذا الباب. ومما يتم به المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن تشبه بقوم فهو منهم». وهذا الحديث حديث عظيم في التحذير، تحذير المسلمين من التشبه بالكافرين في كل ما هو من خصائصهم وعوائدهم، حتى الملبوس والمركوب وغير ذلك مما هو من خصائص الكافرين. وقد ذكر تفاصيل كثيرة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العظيم «اقتضاء الصراط المستقيم ومخالفة أصحاب الجحيم»، حتى جعل هذا الحديث أصلًا لذلكم الكتاب وما فيه من تفاصيل ومسائل كثيرة. وهنا تأتي مسألة يسأل عنها بعض الناس، وهي ما إذا كان ما هو من خصائص الكفار انتشر بين المسلمين حتى صار الكثير من المسلمين يتزين مثلا بذلك الزي الذي هو من زي الكفار، هل يعد هذا من التشبه بهم أم لا يعد؟ قال بعض أهل العلم: إنه لا يعد، والصحيح عملًا بعموم الأدلة ومحافظة كذلك على صفاء المسلم، ولا يدخل إلى قلبه شيء بسبب الموافقة في الظاهر للكافرين، أنه ينهى عن ذلك، ينهى عن ذلك ما دام أصله من خصائص الكافرين. أما إذا كان ذلك له وصف يلبسه الكفار، ووصف يلبسه المسلمون، فيقال: إذا لبس على الوصف الذي يلبسه المسلمون، فهذا من المباح، وهو أحوط وأكمل، بل هو اللازم. وأما الكيفية التي يلبسها بها الكفار، فلا، ولو لبسها الكثير من المسلمين. مثلًا: السراويل، لفظ السروال له أصل عند المسلمين، وله كذلك معنى ووصف عند الكافرين، لكن يعرف المسلمون أصنافًا من السراويل، وهي ما تسمى بالبناطيل، ولها مسميات كثيرة بحسب الموضات وصرخات الكفار، هي ليست من لباس المسلمين، وإن لبسها الكثير من المسلمين، فلا يعني ذلك حل لبسها. فما كان كذلك، فالواجب على المسلم أن يجتنبه، ولو انتشر بكثرة في أوساط المسلمين، ما دام أن أصل ذلك وكيفيته هو من خصائص الكفار. فالصحيح أن المسلم لا يجوز له أن يلبسه. بينما السراويل الواسعة التي لها أصل في الإسلام، فهذا يجوز للمسلم أن يلبسها، ويشرع له بالوصف الذي أذن له، والأفضل والأكمل أن يلبس فوقها شيء، قميص أو إزار. «تسرولوا وأتزروا» خالفوا اليهود، «تسرولوا وأتزروا» خالفوا اليهود، قيل: معناه لا تخصوا أنفسكم بلبس السراويل دون الأزر، وقيل: إلبسوا السراويل ومن فوق السراويل الأزر، أي الإزار، حتى تخالف اليهود. وكل المعنى صحيح، خصوصًا إذا لم يجد المسلم إلا ذلك. ولا يجوز له أن يتشبه باليهود والكفار مما هو من خصائصهم. فمثلًا: سراويل أهل الشام الواسعة، وأهل المغرب، وهكذا كذلك الكثير من المسلمين، حتى في بعض بلاد الهند، تلك من السراويل المباحة، ولبس شيء فوقها هو الأفضل والأكمل. وسراويل الكفار التي تسمى بمسميات خاصة، ربما هي حتى بمسمياتها من مسميات الكفار، مثل ما يسميه بعضهم، وكانت صرخات في فترات زمنية ليست ببعيدة، تسمعون بسروال وقال له شرلستون، تسمعون بهذا، قد كانت صرخات لبعض الناس، وربما بعض الدول، إلى يومنا هذا يكثر لبسه مثل بعض بلاد الهند ونحو ذلك، يكثر لبس مثل ذلك، فهذا من خصائص الكفار. أو ما يسميه اليوم بعض الناس «أبو قصبة»، شيء ضيق جدًا حتى يكاد يصف العورة، فهذا من خصائص الكفار، لا يجوز للمسلم أن يلبسه، وهكذا غيره مما هو من خصائص الكفار، ولو انتشر بين المسلمين. مثل الجاكيت والكرافت، فهذا من خصائص الكفار، الصحيح أن المسلم لا يجوز له أن يتشبه بهم، بل هذا فيه معنى في دين اليهود والنصارى، خصوصًا النصارى، لهم في عقد ربطة العنق معاني توافق عقائدهم الباطلة من عقائد النصارى أهل التثليث وعباد الصليب. وكذلك قل في أشياء كثيرة في كيفيتها وفي ألوانها وفي أوصافها، لها معاني فاسدة، ولهذا ولغيره حرم على المسلم أن يتشبه بالكفار، لأن ألبسة الكفار ليست ألبسة تتعلق بعوائد مجردة، بل هي ألبسة في الغالب تتضمن عقائد وأخلاق فاسدة منحرفة. فالكثير من ألبستهم لها معاني، إما معاني تدل على عقائدهم الفاسدة، أو معاني تدل على كذلك أخلاقهم الساقطة، وربما لا يعلم بذلك الكثير من المسلمين، لكن من عرف الكفار أو عاش بينهم أو كان يومًا من الأيام منهم وتربى عندهم، عرف الكثير من ذلك من ألبستهم التي لها تعلق بعقائد فاسدة وأخلاق ساقطة. فالواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى، وقسمة الباقي بين الغانمين كما تقدم. وعلق شيخنا رحمه الله فيما سمعنا: أن الأصل في الغنيمة أن تقسم خمسة أخماس، فأربعة أخماس تكون. سهم للراجل، وثلاثة أسهم للفارس، له سهم، ولفرسه سهمان. والخمس الباقي فهو لله والرسول، على ما قسم الله عز وجل. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «والغنيمة لمن شهد الوقعة». وهو كما أشار المعلق: صح عن عمر رضي الله عنه من غير وجه، رواه سعيد بن منصور وعبد الرزاق والبيهقي وغيرهم. وقال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجاله الصحيح. كذا ذكر في «مجمع الزوائد». وهكذا جاء معناه عن أبي بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما. فقد روى معناه البيهقي عن أبي بكر، وهكذا كذلك عند البيهقي نحوه عن علي. فهناك آثار صحيحة تؤيد هذا المعنى، بل عمومات تدل عليه بأحاديث كثيرة تصحح هذا المعنى من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع صحابته رضي الله تعالى عنهم. قال: وهم الذين شهدوها للقتال، قاتلوا أو لم يقاتلوا. قاتلوا واضح، ولم يقاتلوا؛ لأنهم جاءوا للقتال، ولكن لم يقاتلوا؛ لأن المصلحة اقتضت ذلك، كالساقة الذين يكونون في مؤخرة الجيش، أو من يؤمرون بحماية ظهور المسلمين، كأولئك الرماة الذين أمروا أن يبقوا في جبل الرماة، أو غيرهم ممن يوكلون بحفظ الماء أو حفظ المتاع أو غير ذلك. أو من يتغيب لإرساله كعين أو سرية ترسل في مقدم الجيش، ولا يحصل لها قتال، ويحصل القتال للجيش المتبقي، أو غير ذلك. فالمهم ما دامت خرجت للقتال، فهي تغنم كما غنم الناس، هذه الطائفة ولو لم تقاتل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك مع أصحابه، وعدل كما سيأتي. وكذلك لعموم هذه الآثار المروية عن الصحابة، وهو فعل الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، واتفق العلماء عليه. قاله: ويجب قسمها بينهم بالعدل. والعدل ليس بمقتضى العقل، ولا العواطف، ولكن بمقتضى ما جاء قسمته في الشرع، كما تقدم: الراجل له سهم، والفارس له ثلاثة أسهم. قال: فلا يحاب أحد، لا لرياسته، ولا لنسبه، ولا لفضله. لا لرياسته: كونه مثلًا كان الأمير، ولا لنسبه: كونه كان مثلًا من آل البيت، أو من نفس سلالة الملك أو الأمير، أو غير ذلك. ولا لفضله: حتى لو كان الفضل للدين والعبادة، كعالم أو عابد، أو كذلك حافظ للقرآن، أو غير ذلك. فلا تكون هناك محاباة، إلا ما دل الدليل عليه كما سيأتي إن شاء الله، فهو من العدل، وليس هو من المحاباة. قد يزاد بعض المقاتلين بمقتضى الدليل، لا بمقتضى المحاباة. قال: كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يقسمونها. ومن تتبع لأحاديث الكثيرة في قسمة الغنائم، وجد ذلك عنه عليه الصلاة والسلام. ولا ينافي ذلك ما تقتضيه المصلحة فيما يراه ولي الأمر من تأليف المؤلفة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين. قال: وفي الصحيح البخاري: أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رأى أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟». ومعنى: رأى أن له فضلًا: يعني كونه يقاتل ويحسن الرمي، وغيره ربما من الموالي الذين لا يحسنون القتال، ولا كذلك يحسنون الرمي. وليس معنى ذلك أن يفضل هذا على هذا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟». يعني: العدل؛ لأنكم رزقتم ونصرتم بضعفائكم، حتى لا يترفع ماذا قوي على ضعيف، سواء القوة الحسية أو القوة المعنوية. والحديث كما أشار وبين المعلق: هو في صحيح البخاري وغيره. قال: وفي مسند أحمد: أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، الرجل يكون حامية القوم، يكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: «ثكلتك أمك، ثكلتك أمك، ابن أم سعد، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟». والحديث بهذا اللفظ فيه انقطاع كما أشار المعلق، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة؛ لأن مكحولًا لم يسمع من أحد من الصحابة على خلاف سماعه من صغار الصحابة، وهو لم يسمع بلا شك من سعد رضي الله تعالى عنه أرضاه. لكن معناه ثبت صحيحًا كما جاء وتقدم من طريق ابن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله تعالى عنه أرضاه. فمعناه صحيح، ولكن بهذا اللفظ لم يصح. قال: وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية وبني العباس؛ لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر، يعني: على هذا العدل، وعلى ما أمر الله عز وجل بقسمته، وقسمه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون، وهكذا من بعدهم من الأئمة من بني أمية وبني العباس. وهكذا يجب أن يكون إلى قيام الساعة. قال: لكن يجوز للإمام أن ينفل من ظهر منه زيادة، نكاية، كسرية سرت من الجيش، أو رجل صعد على حصن ففتحه، أو حمل على مقدم العدو فقتله، فهزم العدو، ونحو ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه كانوا ينفلون لذلك. وكان ينفل السرية في البدأة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس. وهذا النفل قال العلماء: إنه يكون من الخمس. وقال بعضهم: إنه يكون من خمس الخمس؛ لأن لا يفضل بعض الغانمين على بعض. والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس، وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية، لا لهوى النفس، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة. وهذا قول قتادة الشام، وابي حنيفة، وأحمد، وغيرهم. وعلى هذا: فقد قيل: إنه ينفل الربع والثلث بشرط وغير شرط، وينفل الزيادة على ذلك بالشرط، مثل أن يقول: من دلني على قلعة فله كذا، ومن جاء برأس برأس فله كذا، ونحو ذلك. وقيل: لا ينفل زيادة على الثلث، ولا ينفله إلا بالشرط. وهذا قولان لأحمد وغيره. وكذلك على القول الصحيح: للإمام أن يقول: من أخذ شيئًا فهو له، كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد قال ذلك بغزوة بدر، إذا رأى ذلك مصلحة راجحة على المفسدة. هذه مجموعة من المسائل من المسائل التي يستثنى فيها في جواز زيادة بعض المقاتلين على بعض، وليس هذا لهوى، ولا محاباة، لا لرياسة، ولا لنسب، ولا لفضل، ولا لغير ذلك، ولكن لما وردت فيه من الأدلة. وفي بعض هذه المسائل خلاف، والصحيح ما ذكره رحمه الله، وأشار إليه. فأفاد أولًا: أنه يستثنى من هذا ثلاثة أصناف، يجوز تخصيصهم بزيادة عطاء. وأشار إلى ذلك، وضحه شيخنا رحمه الله، بشرحه الأول: من كان له زيادة فعل ونفع للمقاتلين، وفي نصر الجيش. ومثل الشيخ رحمه الله لهؤلاء: من صعد على حصن ففتحه، أو حمل على مقدم العدو فقتله؛ لأنه إذا قتل المقدم ارتبك الجيش، ولم يجدوا من يوجههم، وكذلك يدبر أمورهم، فعند ذلك يكون قد فعل أعظم شيء كانت به الهزيمة. ومثله: من نقب نقبًا فدخل، وأدخل معه من المسلمين إلى الكافرين في حصونهم، فأضعفهم. أو من تسلل على سور، فرم نفسه فوقه حتى فتح للمسلمين الأبواب، أو غير ذلك من الأعمال التي تكون السبب الأعظم للنصر بعد توفيق الله عز وجل. فمثل هذا يستحق أن يعطى زيادة عطاء، وسيأتي معنا إن شاء الله بعض أدلته. والنوع الثاني: السرية التي تخرج، سواء خرجت بشرط أو بغير شرط، كما سيأتي. قال بعضهم: إنه يكون من خمس الخمس. هنا خلاف: هل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس من الخمس أم شيء زائد بعد الخمس؟ ومعنى من الخمس: أي من الخمس الذي هو لله وللرسول، الذي: القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، هل منه يعطى هؤلاء؟ لأن العلماء نصوا: وهناك تفاصيل كثيرة في كتب الفقه وشروح الحديث في معنى هذا الخمس. قلنا: أن أربعة أخماس للمقاتلين الغانمين، وخمس من هذه الأربعة لله وللرسول، يضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولي الأمر من بعده حيث تقتضيه المصلحة، حيث تقتضيه المصلحة. فبعضهم جعل هذا العطاء الزائد يكون من ماذا؟ من هذا الخمس، حتى لا يضر بالمقاتلين، حتى لا يضر بالمقاتلين، ولا ينقص من غنيمتهم شيء. وفي هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح كما قال رحمه الله: وهو المروي في رواية صحيحة عن الإمام أحمد، وروي نحوه عن عمر بن الخطاب، وأبي بكر، وغيرهما، كما أشار إليه بكتاب «منهاج السنة»، وذكره صاحب «الإنصاف»، ومختصر «الإنصاف» الشيخ الإمام محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وغيره من أهل العلم: أنه يعطى من غير الخمس، يعني: يعطى هؤلاء من غير الخمس. ثم بيّن رحمه الله: أن هذا التفضيل لمصلحة دينية، لا لهوى النفس، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة، وسيأتي معنا الإشارة إلى ذلك في أحاديث، عمومات، ومنها ما سيأتي قريبًا إن شاء الله. في قوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلًا فله سلبه». وهكذا ما أعطى سلم بن الأكوع وغير ذلك. ثم قال: وهذا قول قتادة الشام، وبحنيف، وأحمد، وغيرهم. على هذا: فقد قيل: إنه ينفل الربع والثلث بشرط وغير شرط. وهذه مسألة أخرى فيها خلاف: هل الربع والثلث، الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس، هل يعطى بشرط، يعني إذا شارطه الإمام، فإذن وفاء للشرط يعطيه؟ أم حتى ولو لم يشارطه في هذا؟ تفصيل: الصحيح أنه إذا شارطه لا شك يعطيه وفاء بالشرط، وإذا لم يشارطه، فبما تقتضيه المصلحة، ويجوز أن يعطيه الإمام إذا اقتضت المصلحة ذلك، الربع بعد الخمس في البداءة، والثلث بعد الخمس في الرجعة، كما جاءت به الأحاديث والآثار الصحيحة فيما تقدم. منها ما هو مرفوع، ومنها ما هو موقوف. وقوله: «وينفل الزيادة على ذلك بالشرط»، مثل أن يقول: من دلني على قلعة فله كذا. هذه مسألة أخرى اختلف فيها الفقهاء، وذكروها في كتب الفقه وشروح الحديث: هل يجوز أن يعطى المقاتل أكثر من الثلث؟ الكثير من الفقهاء يقول: لا يجوز أن يعطى أكثر من الثلث. قالوا: لأن أكثر ما روي الثلث في هذا الحديث: الثلث بعد الخمس. وبعضهم نقل الإجماع في هذا. ورجح شيخ الإسلام كما ترون في هذا الموضع، واختاره بعض الحنابلة، وأشار إليه في «الإنصاف»: أنه يجوز أن يعطى أكثر من الثلث، يجوز أن يعطى المقاتل إذا اقتضت المصلحة ذلك أكثر من الثلث. أولًا: لعموم الأدلة في ذلك، وما سيأتي معنا إن شاء الله مما يؤيد هذا من العمومات، وأدلة خاصة. وثانيًا: أن هذا من جهة الدليل، وكذلك ثانيًا: من جهة التعليل؛ إذ ربما يكون النصر بسبب فعل ذلك المقاتل، وكانت الغنيمة كلها بسبب ذلك المقاتل، فإذا كان كذلك، فلما لا يعطى أكثر من الثلث؟ والغنيمة كلها جاءت بسببه. فمن جهة الدليل والتعليل لا مانع على الصحيح أن يُعطى المقاتل، فردًا كان أو سرية، أكثر من الثلث. وهذا هو القول الصحيح التي تقتضي عمومات الأدلة والقياس الصحيح، ولا يمنع منه شيء صحيح صريح. وقوله: «ولا ينفله إلا بالشرط»، يعني: الزيادة على الثلث، الصحيح أنه لا يُشترط ذلك، لا يُشترط في الأكثر من الثلث أن يكون بالشرط، بل يجوز بالشرط، ويجوز بغير الشرط. قال: وكذلك على القول الصحيح: للإمام أن يقول: من أخذ شيئًا فهو له. وهنا أطلق التعميم، وإلا في الأحاديث الصحيحة جاءت في السلب: «من قتل قتيلًا فله سلبه». هكذا جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديثه، بقتادة. وجاء معناه كذلك عن غيره: «من قتل قتيلًا فله سلبه». وجاءت أحاديث بهذا المعنى العام، لكن فيها ضعف، لكن فيها ضعف، واستأنس العلماء بمعناها بعمومات، والتعليل الصحيح. يعني: لو اقتضت المصلحة تشجيعًا للمقاتلين، وكذلك لشدة المقام وضيقه، بأن يقول الأمير: من وقع في يده شيء فهو له، حتى يشجع المقاتلين أن يقدموا أكثر في العدو، ولا يتراجع، ولا يتردد أحد، تشجيعًا لهم. فيجوز ذلك على الصحيح، فإن ذلك مما دلت عليه العمومات، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلًا فله سلبه». فإن التعليل فيه يوافق هذا المعنى، فليس هو خاص بقتل القتيل، بل كذلك يجوز في غيره على الصحيح. قال: كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد قال ذلك في غزوة بدر، إذا رأى ذلك مصلحة راجحة على المفسدة. المفسدة: ما قد يقع في النفوس، والمسلم مأمور أن يجاهد نفسه ويخلص نيته، ولكن مقابل هذا مفسدة أكبر، ما هي؟ غلبة العدو، وأن ينطفئ نور الله، وأن تبادى العصابة القليلة من أهل الحق. ولهذا قال بعض العلماء: لا يجوز لولي الأمر أن يتوسع في هذا، بل ينبغي أن يفعله في أضيق الأحوال وأشدها. فالنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر كان في أضيق الأحوال وأشدها، حتى قال في دعائه: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض». يعني: نحن آخر الناس عبادة لك يا رب، فإن هلكت هذه العصابة، معناه: لا يبقى مؤمن في الأرض. فهذا يدلك على ضيق المقام وشدته. ولهذا قال العلماء: لا يجوز مثل هذا إلا لدرء مفسدة أكبر. فتجوز المفسدة الصغرى لدفع المفسدة الكبرى. فكأنه يقال: تستعمل كل الوسائل الحسية والمعنوية لطلب النصر عند شدة المقام، وكون الأمر يكون عصيبًا. وهذا هو الصحيح: أن مثل هذا التوسع لا يكون إلا مع شدة المقام. قال: وإذا كان الإمام يجمع الغنائم ويقسمها، لم يجز لأحد أن يغل منها شيئًا. ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة. فإن الغلول خيانة. والغلول يتناول أخذ شيء خفية قبل القسمة، بل ومن كذلك الغلول: نص بعض أهل العلم، ولو لم يكن خفية. فما أخذ قبل القسم لم يحل. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر بعض أصحابه بإكفاء القدور، حين أخذوا من الغنائم قبل قسمها، حين أخذوا قبل قسمها. وهو أحد التفسيرين للحديث المروي في هذا الباب. قال: ولا تجوز النهبة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها. يعني: عن النهبة؛ لما جاء في الصحيح، كما أشار: من حديث عبد الله بن يزيد. طيب، نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.