الدرس في كتاب الصلاة 60، الدرس الستون:من( الحديث التاسع والثمانون:عن عبدالله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه ... إذا سجدتما فضما اللحم إلى بعض فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وتفريجه بين يديه في السجود، ويبين استحباب هذه الهيئة في الصلاة لما فيها من تواضع وتمكين للجبهة والأنف من الأرض. يبين الشارح أن هذه الكيفية سنة مستحبة.
يناقش المقطع حكم التفريج بين المرفقين في الصلاة، ويبين أنه خاص بالسجود وليس بالقيام، مستدلاً بالأحاديث النبوية، ويشير إلى أن هذا الحكم يشمل الرجال والنساء لعدم وجود دليل يفرق بينهما في هذا الشأن.
يناقش المقطع كيفية صلاة المرأة ويفند استدلال البعض بحديث صلاة النبي لجواز لبس الكم الواسع، ويبين ضعف الأحاديث التي استدل بها في هذا الباب، ويشير إلى أن لبس الثوب الواسع ليس من سنة النبي بل هو من علامات الفخر والخيلاء.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث التاسع والثمانون، قال: عن عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فرّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه. أورد رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام صفة الصلاة، والحديث مما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه، فقد أخرجه البخاري رحمه الله في بابي: «يبدي ضبيعة» و«يجافي في السجود»، فقال رحمه الله: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثني بكر بن مضر عن جعفر وهو ابن ربيعة عن ابن هرمز وهو الأعرج عبد الرحمن عن عبد الله بن مالك بن بحينة، فذكر الحديث بلفظه. وروى مسلم من طريق غندر كذلك عن بكر بن مضر بنفس لفظ الإمام البخاري. وقوله: «بن بحينة» قيل: إن بحينة أم لعبد الله بن مالك صحابية، قيل: اسمها عبده بنت الحارث، وقيل: أنها أم أبي عبد الله مالك، والأكثرون على الأول. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم صلاة رغبة ونشاط، وكان يعطي كل عضو حقه من العبادة، ولهذا كان إذا سجد فرج بين يديه، ومن شدة التفريج بينهما يظهر بياض إبطيه، كل ذلك عنوان النشاط في الصلاة والرغبة في العبادة، وتباعد عن هيئة الكسلان الذي يضم بعض عضائه إلى بعض. الصواب: «يضم» بالميم، يضم الذي يضم بعض عضائه إلى بعض، فيزيل عن بعضها عناء العبادة. وهذا من حكم التفريج بين اليدين في الصلاة، وهو ما يسمى بالمجافاة أو يسمى بالتخوية أو يسمى بالتجنيح، كلها معاني لهذه الكيفية في السجود. فمن حكم هذه الكيفية ما ذكر رحمه الله تعالى، وهكذا ذكروا من الحكم أنها كيفية تدل على التواضع، فالمتواضع هو الذي يجافي في سجوده، والمتكبر هو الذي يتكاسل في سجوده، فيسجد سجدة غير الراغب بأن يضم يديه ولا يجافي بينهما. وذكروا من الحكم كذلك أنها تعين على تمكين الجبهة والأنف من الأرض، إذا كنت مجافيًا بين جنبيك أعان ذلك على تمكين جبهتك وأنفك من الأرض. قال رحمه الله: ما يؤخذ من الحديث، قال أولًا: فيه دليل على استحباب هذه الهيئة في السجود، وهي مباعدة عضديه عن جنبيه، وقد تخصص ذلك في السجود بما أخرجه مسلم في حديث البراء يرفعه: «إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك»، وضع الكفين هكذا على الأرض وارفع مرفقيك هذا المرفق وهذا المرفق ترفعه عن الأرض هكذا، وهذا من قوله ومن فعله عليه الصلاة والسلام. حديث ابن بحينة هذا الذي بين أيدينا: «كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه»، وهكذا كذلك بمعنى حديث ميمونة في صحيح مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد خوى بيديه حتى يرى بياض إبطيه»، ومعنى «خوي»: أي جنح بيديه، «خوي» يعني جنح بيديه، جعل يديه مفتوحة كجناح الطائر. وليس المعنى كما تقدم المبالغة والتكلف في فتح اليد حتى يفتحها تسعين درجة فيشق على نفسه جدًا، لا، المقصود أن يفتح فتحة يكون فيها اعتدال الجسد، ووضع أعظم الجسد فيما يكون به اعتداله أي الجسد. وهنا قال: «بياض إبطيه» معروف، بياض الإبط المكان الذي لا يصيبه الشمس، فإنه يكون غالبًا أكثر بياضًا من غيره، و«بياض إبطيه» كذلك، الوضاءة هي بمعنى البياض، ويطلق على كل ما فيه لمع فيسمى ما تلبسه المرأة في أذنها «ضاحية» كما يسمى المكان الذي يلمع من أثر الشمس «وضاحًا»، وهكذا كذلك ما على الماء إذا لمع. وهكذا كذلك هذا الموضع في الإبط، ومعناه باطن الإبط، المكان الذي لا يصيبه الشمس فيكون فيه زيادة بياض بالنسبة لسائر الجسد. قال رحمه الله تعالى: قال: وهو في حديث الباب مطلق، ولكنه في هذا الحديث مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، ويختص التفريج بحال السجود، يعني ظاهر الحديث أنه عام: «كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه»، الذي لا يعرف صفة الصلاة يفعل هذا حتى في القيام يفرج، لكن هذا ليس صحيحًا، فالسنة تفسر بعضها بعضًا، هذه الكيفية خاصة بالسجود فقط، وتؤيدها هذه الأحاديث: حديث ميمونة وحديث البراء، وهكذا كذلك ما جاء في حديث ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم يجافي بين ضبعيه»، والحديث رواه الحاكم وابن خزيمة بإسناد حسن. وهكذا ما رواه أبو داود وابن ماجه كذلك بإسناد حسن: «إن كنا لنأوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما يجافي بيديه عن جنبيه إذا سجد»، ومعنى «نأوي»: أي نشفق على النبي عليه الصلاة والسلام من شدة مجافاته إذا سجد. فهذه الأحاديث كلها تدل على أن هذه الكيفية إنما هي في السجود. قال رحمه الله تعالى ثانيًا: في ذلك حكم كثيرة وفوائد جمة، منها: إظهار النشاط والرغبة في الصلاة، ومنها: أنه إذا اعتمد على كل أعضاء السجود أخذ كل عضو حقه من العبادة، ومنها كذلك ما تقدم: إظهار التواضع، ومنها كذلك: إعانة تمكين الجبهة والأنف من الأرض، ومنها كذلك: إعانة المصلي على إخراج نفسه من العادة إلى العبادة. العبادة؛ لأنه إذا كان كل فعل من أفعال الصلاة فيها تعبد لله بأفعال وأقوال خرج الإنسان من العادة إلى العبادة، وبهذا تعرف الفرق في صلاة المصلي حين يصلي صلاة عبادة ويصلي صلاة عادة. من يصلي صلاة عادة لا يعرف متابعة للسنن لا في القيام ولا في الركوع ولا في السجود ولا في الاعتدال، فتجده ينقر نقرًا وينصرف من الصلاة. وأما الذي يتتبع السنة في القيام وفي الركوع وفي السجود، وإذا ورد في بعض السنة تنويع نوع في هذه الصلاة يفعل كذا، وفي الصلاة الثانية يفعل كذا، تصير صلاته حية بإحيائها بهذه السنة والتعبد لله بما فيها. ولهذا تجد الفرق في الغالب بين صلاة طالب العلم الذي تعلم سنن الصلاة وصفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وبين العامي الذي لا يعرف صفة الصلاة، فهو ينقر ركعتين نقرات بحسب ما عرف ويمشي. بخلاف من تعلم صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، فصلاته متأنية مطمئنة، وكل موضع من مواضع الصلاة يتتبع فيها السنة، فيخرج بهذا من العوائد التي قد يتعودها الإنسان إلى العبادة والتعبد لله في صلاته. قال: فائدة: خص بعض الفقهاء، ومنهم الحنابلة، هذا الحكم بالرجل دون المرأة، وقوله «بعض» يدل على أن المسألة ليست متفقًا عليها، قال: لأنه يطلب منها التجمع، بالرجل دون المرأة؛ لأنه يطلب منها التجمع والتصون، التجمع يعني تجمع جسدها بعضه إلى بعض، والتصون من الصيانة أن تصون جسدها عن الانكشاف. قال: ولما روى أبو داود في مراسيل -يعني يزيد بن حبيب- «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على امرأتين تصليان فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى بعض، فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل»، وهذا الحديث كما ذكر -ذكر أبو داود في المراسيل- فهو مرسل، والمرسل من قسم الضعيف. وقد روي مرفوعًا، لكن نبه الحفاظ: جاء عند البيهقي وغيره من طريقين موصولين مرفوعين، لكنهما لا يعتمد عليهما، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: في كل منهما متروك، يعني في كل رواية من رواية هذين الحديثين رجل متروك، فالحديث ضعيف جدًا لا يصلح حتى للشواهد والمتابعات. ولهذا كان الصحيح في هذا المقام أن المرأة تستوي مع الرجل، فحكم المرأة كحكم الرجل، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في السنن من حديث عائشة أنه قال: «إنما النساء شقائق الرجال»، فالمرأة شقيقة الرجل، ما ثبت للمرأة ثبت للرجل والعكس، هذا هو الأصل. فإن خرجنا على الأصل لا نخرج إلا بدليل، لابد دليل يفرق أن المرأة لا تفعل كذا أو الرجل لا يفعل كذا. ولا يعني ذلك أن المرأة تطلب التصور والتستر، لكن ليس بهذا الضم الذي يفعله بعض العامة ويذكره الفقهاء في كتبهم، حتى أنهم يأمرون المرأة أن تلصق صدرها ببطنها، الصدرها بفخذها، وأن تسجد بين ركبتيها، وأن تضم الذراعين إلى الفخذين أو إلى جنبي الصدر، هذه الكيفية وبهذا الوصف لا يمكن أن يؤمر الناس به إلا بدليل. وأين الدليل على ذلك مع ما فيه من المشقة والكلفة والإيذاء؟ ولا يجوز أن يشق على الناس إلا بحجة وبرهان، ولا وجود لذلك. ولا يعني ذلك -كما قلنا- أن تطلب المرأة الستر في صلاتها، خصوصًا إذا صلت أمام الأجانب، فمثلًا صلت المرأة في وقت الحج مع زحام الناس ومشقة إيجاد المكان المستتر، تضطر أن تصلي أحيانًا في مكان عام. فهل ستجافي؟ الجواب: لا، ما ستجافي، ستضم، شيء من الضم، لكن ليس بهذا الوصف المتكلف، فقد نهينا عن التكلف، إنما ستصلي بكيفية فيها ضم اليدين ضمًا لا إفراط فيه ولا تفريط، فهي قصدها أن تستتر، كما أنها ستخفف صلاتها قدر المستطاع في حدود ما وردت به السنة؛ لأنها تصلي في مكان عام، وهي تريد الاستتار وتأدية الواجب في هذه الصلاة. إذن المسألة على هذا التفصيل: إثبات هذا الحكم للنساء مطلقًا غير صحيح، والاستفادة من هذا المعنى عند الضرورات وبغير ضرر وإشقاق على المرأة معنى مطلوب بعمومات الأدلة. وها هنا تنبيه لمسألة أخرى: ذكر بعض شراح الحديث أن الحديث فيه دليل على جواز لبس الكم الواسع، كلبس «القضاة» -عندنا تعرفون «القضاء» في المناطق الشمالية يلبسون ثوبًا خاصًا بالقضاء كمه واسع- ويشتهر هذا في بلاد المغرب، بلاد المغرب وبعض بلاد إفريقيا عندهم ثوب يلبس كمه واسع له فتحة كبيرة، حتى بعضهم كأنه ليس له كم مفتوح كامل. واستدلوا بهذا الحديث، قالوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى ظهر بياض إبطه هذا يدل أن كمه كان واسعًا، واستدلوا بأحاديث رويت في هذا الباب وهي ضعيفة. فقد روى الإمام الترمذي من حديث أبي كبشة: «أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت أكمامهم بطحة» أي واسعة، ورواه الشيخ مرفوعًا عن أبي كبشة ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن كمه كان بطحة» يعني واسعًا. وما روي هذا لا يصح، الأول والثاني، أما الأول فقد علق عليه الترمذي بقوله: هذا حديث منكر، فيه عبد الله بن بسر بصري ضعيف عند أهل الحديث، بصري ضعيف عند أهل الحديث. وهكذا الحديث الثاني أشد نكارة؛ لأنه إنما روي موقوفًا على الصحابة، وهو لا يصح موقوفًا، فكيف إذا ازدادت نكارته فأخطأ فيه بعض الرواة ورواه مرفوعًا؟ فلا يصح في هذا الباب شيء لا موقوف ولا مرفوع. وأما هذا الحديث فالجواب عليه بأن يقال: لا يلزم أن يكون بياض الإبط لأجل سعة فتحة الكم، ولكن ربما يكون لأجل أنه عليه رداء وإزار، وتعرفون الرداء الذي يلبسه الحاج، الرداء مثل الذي يلبسه الحاج على الكتف، إذا استتر الإنسان بالرداء من أعلى الكتفين، إذا سجد وجاف بين جنبيه سيظهر ماذا؟ سيظهر الإبط، سيظهر الإبط. وكان غالب لباس العرب الإزار والرداء لشدة فقرهم وفاقتهم، رضي الله عنهم أرضاهم، فعلى هذا يحمل. وأجاب بعض أهل العلم بأن المقصود بيان ظهور موضع بياض الإبط، وليس حقيقة بياض الإبط، يعني حتى يبدو بياض إبطيه، فسره بعضهم: أي لو انكشف لظهر بياض الإبط، وإلا فالذي ظهر هو مكانه وهو مستور، وهذا التفسير فيه تكلف. لكن على كل حال الصحيح أنه ليس به دليل أبدًا لا من قريب ولا من بعيد على مشروعية اتخاذ الكم الواسع، بل هذا كما قال الإمام الصنعاني رحمه الله: هو من المحدثات التي أتت من جهة مصر وما وراءها، وأحدثه بعض المتأخرين، وأكثر ما يكون أنه جاء من جهة المغرب. فليس هو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، مع ما فيه من الكبر والخيلاء، فاتخاذ الكم الواسع كما ذكر أهل العلم من علامات الفخر والخيلاء، وليس من علامات التواضع. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، به نكتفي، والله تعالى أعلم.