الدرس السادس والسبعون:(الحديث الخامس بعد المائة عن عبدالله بن بعاس رضي الله عنهما ... قلت يارسول الله ما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر فقال الكلب الأسود شيطان).
يشرح المقطعان الأول والثاني حديث عبد الله بن عباس الذي يصف مروره أمام صف المصلين أثناء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى، ويبين سياق الحديث وروايته في كتب البخاري ومسلم، واستدلاله بجواز مرور الأتان خلف سترة الإمام وأن سترة الإمام تعد سترة للمأمومين.
يشرح المقطع الثالث حديث عائشة عن نومها أمام النبي صلى الله عليه وسلم أثناء صلاته، ويستنبط منه أحكامًا متعلقة بجواز اعتراض النائم أمام المصلي وعدم قطع الصلاة بمرور المرأة، ويتناول اختلاف العلماء في هذه المسألة.
يشرح المقطع الرابع حكم سماع القرآن أثناء الصلاة، ويبين جواز سماع القرآن للإمام والمنفرد مع عدم استحباب ذلك للمأموم حتى لا يحدث تشويش بين المأمومين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى الحافظ المقدسي: الحديث الخامس بعد المئة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث السترة في هذا الباب الذي سبقت الإشارة إليه. وهذا اللفظ هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله، فلم يذكر الإمام مسلم رحمه الله لفظ الأتان في حديثه، وقد رواه بمعناه. قال البخاري رحمه الله في باب سترة الإمام سترة من خلفه: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس فذكر الحديث بلفظه. قال الشارح رحمه الله: غريب الحديث: الأتان أنثى الحمير، وهو بفتح الهمزة وكسرها، أتان وإتان، والمشهور الفتح. قال: والفتح أشهر، وبعدها تاء مثناة، وهي نعت للحمار، وصف للحمار، فالحمار اسم جنس يتناول الذكر والأنثى، وإذا أطلق فالغالب أنه الذكر، والأتان أنثى الحمار، ويجوز حماره، ولا يجوز على الصحيح أتانه، فيقال أتان ولا يقال أتانه. قوله: ناهزت الحلم، قال: قاربت البلوغ، مراده في تلك المدة، وقد جاء أنه كان في ذلك الوقت في حجة الوداع ابن خمس عشرة سنة، كما روي عن الإمام أحمد رحمه الله وغيره. قوله: ترتع بضم العين، يعني ترعى، والأصل أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالرتع أخص من الرعي، إذ الرتع هو الرعي في وقت انتظار صاحب تلك الدابة. قال في الصحاح: رتعت الماشية أكلت ما شاءت. ولكن بهذا المعنى الخاص والله أعلم. المعنى الإجمالي: أخبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه لما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في منى في حجة الوداع، وسميت منى من كثرة ما يمنى فيها من الدماء، يعني يسيل لكثرة ما يسيل فيها من الدماء، سميت منى. قال: أقبل راكبًا على أتان، فمر على بعض الصف، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، فنزل عن الأتان وتركها ترعى، ودخل في الصف، وأخبر رضي الله عنه أنه في ذلك الوقت قد قارب البلوغ، يعني في السن التي ينكر عليه فيها لو كان قد أتى منكرًا يفسد على المصلين صلاتهم، ومعناه عدم إنكارهم عليه دل على الإذن بهذا الفعل. وفيه دليل على أن الصغير يتسامح معه ما لا يتسامح مع الكبير، ودليله ويؤيده فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الحسن والحسين، إذ هو ساجد وهما يلعبان فوق ظهره عليه الصلاة والسلام، فلا يرفع رأسه حتى يرفعان من فوقه. قال: ومع هذا فلم ينكر عليه أحد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، فدل هذا على الإذن بهذا. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولًا أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا ينقص صلاته ولا يقطعها، ويأتي الخلاف في هذا في الحديث الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى. والصحيح أن الأتان لم تمر بين يدي الإمام، وإنما مرت من خلف السترة، وهذا معنى أنها ترتع، وهذا لا يضر، كونها تمر من خلف السترة هذا لا يضر، ولا ينافي ما جاء من نهي في حق الحمار خاصة، كما سيأتي إن شاء الله. ولو قيل على أشد الأحوال أنه مر ببعض الصف، فيكون فيه أن مرور الحمار بين يدي الصف بالنسبة للمأمومين لا يضر، لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه. ثانيًا أن عبد الله بن عباس عينة، وفي النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بلغ أو قارب البلوغ، لأن هذه القضية وقعت في حجة الوداع قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بنحو ثمانين يومًا. ثالثًا أن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم من سنته، لأنه لا يقر أحدًا على باطل، فعدم الإنكار على ابن عباس يدل على أمرين: صحة الصلاة، وعدم إتيانه بما ينكر عليه، وهو كما قال رحمه الله، ولكن بشرط أن يعلم أن ذلك وقع بحضرته أو بعلمه. رابعًا استدل بالحديث على أن سترة الإمام هي سترة للمأموم، وقد عنون له الإمام البخاري بقوله: باب سترة الإمام سترة من خلفه. قال رحمه الله تعالى: الحديث السادس بعد المئة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث، وهو حديث اتفق الشيخان البخاري ومسلم على لفظه. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: كانت عائشة رضي الله عنها إذا أورد عليها حديث قطع الصلاة بالحمار والكلب والمرأة تنكر عليهم وتقول: كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولضيق بيوتنا تكون رجلاي في قبلته، فما دام واقفًا يتهجد باسطتهما، فإذا سجد غمزني فقبضتهما. وهذه قصة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا معنى الحديث الإجمالي كما ذكر رحمه الله، ويتناول معنى آخر في ذكر عدم وجود المصابيح يومئذ. قال رحمه الله: ما يؤخذ من الحديث: أولًا جواز اعتراض نائم بين يدي المصلي إذا كان بحاجة، يعني إلى هذا الاعتراض، كضيق المكان. ثانيًا أن اعتراض المرأة أمام المصلي لا يقطع الصلاة ولا ينقصها، وهذا هو الصحيح، وقوف المرأة أو كونها سترة أو كونها معترضة ما دامت لا تمر لا تضر بالمصلي. هل في هذا مشروعية وجواز اتخاذ المرأة سترة مطلقًا؟ الصحيح فيه تفصيل، إن كانت المرأة مضنة الفتنة كالزوجة والأجنبية، فإنه لا يتخذها سترة، ولا يجعلها بينه وبين يدي صلاته حتى لا تشغله. ثالثًا أن مس المرأة ولو بلا حائل لا ينقض الوضوء، هذا مما يستفاد من الحديث، لأن الأصل أنه غمزها في رجلها، بدليل قولها: مددت رجلي. رابعًا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأهله عليه من ضيق الحياة، رغبة فيما عند الله، وزهدًا في هذه الحياة الفائتة أو الفانية. خامسًا جواز مثل هذه الحركة في الصلاة، وأنها لا تخلوا بها، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية الحركة اليسيرة فيما كان في مصلحة الصلاة أو غيره. قال رحمه الله: اختلاف العلماء اختلف العلماء في المرأة والحمار والكلب الأسود، أتقطع الصلاة أم لا؟ فذهب إمة الثلاثة إلى عدم القطع، وتأول حديث أبي ذر الذي في صحيح مسلم: يقطع صلاة الرجل المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل المرأة والحمار والكلب الأسمبرود. قال رحمه الله: تأول القطع هنا بمعنى نقص الصلاة، بما يشغل القلب بهذه الأشياء. قال: فائدة: إنما خص الكلب الأسود بذلك دون سائر الكلاب، لأنه شيطان، كما في الحديث. قال: أبو ذر: قلت يا رسول الله ما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؟ قال: الكلب الأسود شيطان. الخلاصة: هذه الثلاثة تقطع الصلاة، وقطعها للصلاة لأن الشيطان يمر بها. قال: هل يجوز للمرأة أن تضفر رأسها ضفيرة واحدة؟ الجواب: نعم يجوز، لا مانع من ذلك، والأصل الإباحة في هذا. قال: هل سماع الآيات أحيانًا للإمام إسماع الآيات أحيانًا للإمام فقط أو للمصلين؟ للإمام والمنفرد، أما المأموم فلا؛ لأجل أن لا يشوش المأمومون بعضهم على بعض.