الدرس في كتاب الصلاة 68، الدرس الثامن والستون:من(الحديث السادس والتسعون:عن جبير بن مطعم رضي الله عنه ...3-استحباب تحسين الصوت في القراءة ولو في الصلاة لأنه يبعث على الخشوع والحضور) ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع حديث جبير بن مطعم الذي سمع النبي يقرأ سورة الطور في صلاة المغرب، ويبين الشارح أن النبي كان يطيل القراءة في صلاة الصبح ويقصرها في المغرب. كما يشير إلى جواز التغيير حسب الأغراض والظروف.
المشروع في صلاة المغرب هو الجهر بالقراءة وهو واجب، ويجوز إطالة القراءة فيها أحيانًا ضمن حدود السنة، مع مراعاة عدم تنفير الناس. يُشدد على أهمية مراعاة المصلين وعدم المبالغة في الإطالة.
استحب النبي قصر الصلاة الرباعية في السفر طلبًا للتخفيف، ومع ذلك حرص على تحسين الصوت في القراءة لما يبعثه من خشوع وإحضار للقلب. كما أجاز قراءة قصار المفصل في صلاة العشاء إذا وجد سبب للتخفيف، ويُبرز أهمية تحسين القراءة في الصلاة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: الحديث السادس والتسعون: عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في المغرب بالطور. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي -رحمه الله- هذا الحديث في سياق ذكره للأحاديث في صفة الصلاة، وفي الكلام على القراءة على وجه الخصوص. وأقرب الألفاظ لهذا الحديث هو لفظ الإمام البخاري، وقد ذكره في باب فداء المشركين، الباب التاسع والستين بعد المئة. قال -رحمه الله-: حدثنا محمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه، وذكر الحديث. وفي رواية للبخاري: أن ذلك كان حين كان أول ما وقر الإيمان في قلبه. وفي رواية أخرى: أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في صلاة المغرب بالطور، فلما بلغ ﴿وَكَانَ مِنْ أَسَارَى بَدْرٍ﴾، فلما بلغ النبي -عليه الصلاة والسلام- قوله سبحانه: ﴿أَمْ خَلَقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآيات، قال -رضي الله عنه-: كاد قلبي أن يطير؛ يعني من قوة هذه الآيات وتأثيرها في قلبه. وقد كان مشركًا، وكان سماعه لهذه الآيات في هذه السورة سببًا في إسلامه. قال الشارح -رحمه الله- في المعنى الإجمالي: «العاد في صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يطيل القراءة في صلاة الصبح، ويقصرها في المغرب، ويتوسط في غيرهما من الصلوات الخمس. ولكنه قد يترك العادة فيقصر فيما حقه التطويل لبيان الجواز، ولأغراض أخرى، كما في هذا الحديث من أنه قرأ في صلاة المغرب بسورة الطور، وهي من طوال المفصل. وهذا كان أحيانًا وليس دائمًا، ولكن كان الغالب التخفيف في صلاة المغرب، حتى إن أحدهم يخرج من صلاة المغرب ولا يزال الضوء، حتى إن أحدهم لو رمى بسهمه لرأى مواضع نبله؛ يعني مواضع الرمي. وهذا يدل أنهم كانوا يخرجون مبكرين، وأنه -عليه الصلاة والسلام- كان يقرأ بقصار المفصل. ولا يعني ذلك المداومة على قصار المفصل، ولكن معناه أنه كثيرًا ما كان يخفف في صلاة المغرب، وأحيانًا يطيل أحيانًا، كما أنه كان الغالب يطيل في صلاة الفجر، وأحيانًا يخفف، خصوصًا إذا كان هناك غرض يقتضي التخفيف، مثل أن يكون في سفر، فقد ثبت أنه قرأ في سفر بـ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. وهذا من الأغراض التي أشار إليها الشارح -رحمه الله-؛ يعني يجوز التخفيف في صلاة الفجر إذا وجد سبب لذلك، كما أنه يجوز التطويل في صلاة المغرب إذا وجد سبب لذلك». قال: «ما يأخذ من الحديث أولًا: أن المشروع هو الجهر في صلاة المغرب؛ فقراءة صلاة المغرب قراءة جهرية. وهل هو مستحب أو واجب؟ الصحيح أنه واجب؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»، خصوصًا وأنه واضب على الجهر بالقراءة في المغرب إذا كان إمامًا؛ فالصحيح أنه يجب عليه أن يجهر بالقراءة؛ يجب أولًا عملًا بسنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، وثانيًا حتى ينتفع المصلون بهذه القراءة». قال: «ثانيًا: جواز إطالة القراءة فيها؛ يعني من فوائد الحديث جواز إطالة القراءة في صلاة المغرب أحيانًا. والأصل كما تقدم أن صلاة المغرب فيها التخفيف، والأمر على هذا التفصيل؛ فليس الأمر كما يفعله الكثير من العامة مداومة التخفيف في صلاة المغرب، فلا يكادون يخرجون عن صلاة التخفيف؛ فيدورون بين الناس إلى التين، لا يكادون يخرجون عن هذه الصور. كما أنه ليس معناها المداومة على قراءة التطويل. والصواب هو التخفيف والتطويل أحيانًا؛ تطويلًا في حدود السنة. بل أحيانًا إذا ثبت بعض التطويل في السنة، وصار الناس لا يتحملونه، فليس من الفقه تطبيق هذا التطويل بما يكون به تنفير الناس. وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون أحد المسلمين أو أئمة منفرًا عن هذا الدين، كما قال: «إِنَّ مِنْكُمْ لَمُنَفِّرِينَ، إِنَّ مِنْكُمْ لَمُنَفِّرِينَ». فمثلًا ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بسورة الأعراف في صلاة المغرب، لكن هل هذا الذي صح عنه -عليه الصلاة والسلام- يشرع لكل أحد؟ الجواب: لا؛ فلا يستحسن لكل أحد -مهما حرص على السنة- أن يعمل هذه السنة ولو صحت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه قد يكون لبعض الناس فتنة ومحل تنفير. ولهذا لا يتجاسر الناس على العمل به إلا إذا علموا أن فعل مثل ذلك لا يوقع في الفتنة». قال -رحمه الله تعالى-: الحديث السابع والتسعون: عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في سفر، فصلَّى العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه. وهذا الحديث كذلك أغرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري في باب القراءة في العشاء. أخرجه من طريق خلاد بن يحيى، قال: حدثنا مسعر، قال: حدثنا علي بن حاتم، أنه سمع البراء، فذكر الحديث. وأخرجه مسلم نحوه. وهذا اللفظ للإمام البخاري، غير أنه قدم قوله «منه بعد صوتًا»، فقال: «فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه أو قراءة». قال الشارح -رحمه الله- في المعنى الإجمالي: «سورة التين من قصار المفصل التي تقرأ في صلاة المغرب. وقد قرأ به النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاة العشاء؛ لأنه كان في سفر، والسفر يراعى فيه التخفيف والتسهيل لمشقته وعنائه. ولهذا استحب في قصر الصلاة الرباعية؛ يعني طلبًا للتخفيف. ومع كون النبي -صلى الله عليه وسلم- مسافرًا، فإنه لم يترك ما يبعث على الخشوع وإحضار القلب على سماع القرآن، وهو تحسين الصوت في قراءة الصلاة. وفي هذا الجمع بين التخفيف وطلب الخشوع». قال: «ما يأخذ من الحديث أولًا: جواز قراءة قصار المفصل في صلاة العشاء. والأصل أن صلاة العشاء يقرأ فيها بوسط المفصل، وهو ما فوق سورة التين. ويجوز أحيانًا أن يقرأ بقصار المفصل إذا كان هناك سبب؛ كالتخفيف إذا أخر الصلاة، أو كذلك في السفر، أو إذا سمع بكاء صبي أو نحو ذلك. وعلم معاذًا أن يقرأ بالليل ﴿إِذَا يَغْشَى﴾ ونحوها من السور». قال: «ثانيًا: أن الأحسن تخفيف الصلاة في السفر، ومراعاة حال المسافرين، ولو كان عند الإمام رغبة في التطويل. وفيه دليل على أن الإمام في صلاة الجماعة يراعي أحوال المصلين حتى ولو كان في السفر. وهكذا على القول الصحيح في صلاة النفل إذا كان إمامًا لمتنفلين. أما إذا كان متنفلًا لنفسه، وأحب بعض الناس أن يأتي به، فلا حرج عليه أن يطيل ما شاء. وعلى هذا يجمع بين ما فعله الصحابة في صلاة التراويح من التخفيف بعض الشيء، وبين ما كانوا يطيلون لأنفسهم. وما فعله النبي -عليه الصلاة والسلام- حين كان يطيل أحيانًا لنفسه في قراءته. وهذا هو الصحيح؛ حتى النفل فيه تفصيل؛ فإذا كان إمامًا لمتنفلين، فالصحيح أنه ينبغي أن يراعي هؤلاء المتنفلين وأحوالهم بما لا يشق عليهم؛ حتى لا ينفرهم عن هذه النافلة التي يجتمعون عليها. فمثلًا لو أن إنسانًا يصلي بالناس صلاة التراويح، لا يقول: أنا أصلي صلاة نافلة؛ إذن أطول ما أشاء. لا؛ بل ما دمت إمامًا لأناس؛ فراعِ الوسط الذي يجمع الناس ولا ينفرهم في حدود السنة». قال: «الثالث: استحباب تحسين صوت في القراءة ولو في الصلاة؛ لأنه يبعث على الخشوع والحضور. ولهذا قال: «فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه أو قراءة». وفيه دليل على تحسين القراءة بالقرآن. ولهذا أورده الإمام البخاري في باب الماهر في القرآن، وأنه مع الكرام البررة. ومعناه: أن المسلم ينبغي عليه أن يحسن قراءته ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ خصوصًا إذا صلى بالناس طلبًا لخشوعه وخشوع الناس؛ لكن وسط؛ لا إفراط ولا تفريط؛ بدون تكلف وبدون جفاء؛ لا يتكلف تكلفًا مقيتًا، ولا يزهد ويعرض إعراضًا جافًا؛ فهذا نقص وذاك نقص. وما أحسن أن يقرأ الإنسان بفطرته وسريرته في حدود الشرع. وليس من تحسين الصوت التمطيط، وكذلك الخروج عن السنة في القراءة. والأمر في هذا وسط؛ لا إفراط ولا تفريط. وفيه دليل كذلك على أن من أسباب الخشوع تحسين القراءة؛ فلا ينافي الإخلاص تحسين القراءة من الإمام، ولا طلب حسن القراءة من المأموم؛ لا ينافي الإخلاص والأجر؛ لكن على هذا الوسط. إلى هنا والله تعالى أعلم.