الدرس في كتاب الصلاة 84، الدرس الرابع والثمانون:( فوائد حديث عبدالله بن مسعود ... لقوله:السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع حديث عبد الله بن مسعود في التشهد ويستعرض الفوائد المستنبطة منه، مثل استحباب تعليم الصبيان القرآن والتشهد وتكراره. كما يبين ترجيح حديث ابن مسعود على غيره من الأحاديث في التشهد لكونه روي من أوجه كثيرة وأنه أصح ما روي في هذا الباب.
يتناول المقطع صيغ التشهد المختلفة في الصلاة كما وردت في الأحاديث النبوية الصحيحة، مثل حديث ابن مسعود وعائشة وعمر وأبي موسى الأشعري. يبين أن حديث ابن مسعود هو الأصح والأشهر.
يشرح المقطع حديث ابن مسعود ويفند الأخطاء التي وقع فيها بعض الرواة، ويبين أن الصحيح هو التخيير في الصلاة على النبي. كما يستعرض آراء العلماء المختلفة حول المسألة ويخلص إلى أن الحديث لا يعارض وجوب الصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في حديث عبد الله بن مسعود، وما ذكره الشارح من شرح وتعليق، وذكر بعض الفوائد. فقد مرت معنا فائدتان، ومما يذكر في هذا الحديث من الفوائد كذلك ما استدل به العلماء من استحباب تعليم الصبيان والأقربين على وجه الخصوص القرآن والتشهد، وتأكيد تعليم ذلك بتكراره. وكذلك أخذ اليد إعانة للمتعلم على حفظ ما يعلم. وفيه كذلك من المسائل جواز مس يد المعلم للمتعلم عند عدم الفتنة والمفسدة. وفيه من المسائل كذلك ما ذكر في هذه الجمل في حديث عبد الله بن مسعود من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا كذلك على النفس، هو على عباد الله الصالحين مع التحيات والتشهد. فهذه خمس جمل مذكورة في حديث بن مسعود: الثناء على الله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام، والسلام علينا -أي على المتشهد ومن معه من المصلين-، وعلى عباد الله الصالحين. والشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا العبد ورسوله. وقد تقدم معنا أن المؤلف رحمه الله ذكر كلام أهل العلم في ترجيح حديث عبد الله بن مسعود في التشهد على غيره من الأحاديث الأخرى، لكونه روي من أوجه كثيرة، فهو أصح ما روي في هذا الباب. ولا يعني أن غيره ليس بصحيح، ولكن هو دونه في قوة الصحة. وكما تقدم معنا هو -أي ما صح في هذا الباب- من خلاف التنوع، أي يجوز ذلك. ومن المرجحات أن حديث بن مسعود أكمل؛ فقد تناول خمس جمل لم يأت ذكرها جميعًا إلا في حديث بن مسعود. ومن التشهدات الصحيحة تشهد عبد الله بن عباس الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، وأبو عوانة كذلك. وقال عنه الإمام الشافعي رحمه الله: لما سئل لم اخترت تشهد بن مسعود؟ قال: لأنه واسع، وسمعت عن ابن عباس صحيحًا كان عندي أجمع وأكثر ألفاظًا من غيره، فأخذت به. غير معنف لمن يأخذ بغيره، ومن صحح حديثًا آخر فلا بأس به. قوله: "غير معنف لمن يأخذ بغيره" فيه دليل على ما تقدم أنه من خلاف التنوع الذي يجوز أن يأخذ الإنسان فيه بهذا وهذا. وحديث بن عباس لفظه الذي في صحيح مسلم: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". فهو مثل حديث ابن مسعود، وفيه زيادة: "المباركات". ترجح حديث بن مسعود على حديث ابن عباس بكونه أصح، وبكونه ذكر فيه زيادات كما تقدم معنا في بعض ألفاظه الأخرى. ومن صيغ التشهد ما روي كذلك في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ولفظه: "التحيات الطيبات والصلاوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، وذكر الحديث. ومن ألفاظ صيغ التشهد ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها، رواه البيهقي وأبو شيبة بإسناد صحيح: "التحيات الطيبات الصلاوات الزاكيات لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبد ورسوله". ومن صيغ التشهد كذلك حديث عمر رضي الله عنه فيما رواه الدارقطني وغيره مرفوعًا وموقوفًا، وصحح الحفاظ الموقوف، وقالوا: أن له حكم الرفع، حتى الموقوف له حكم الرفع، وهو الذي اختاره الإمام مالك رحمه الله. وفيه: "التحيات لله، والصلاوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، ثم قال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". وهكذا جاء عن ابن عمر صيغ في التشهد بنحو حديث عائشة رضي الله عنها، وكلها أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه صيغ التشهد المشهورة، وأصحها وأشهرها حديث ابن مسعود الذي تقدم معنا. ومن فوائد هذا الحديث فيه مشروعية قول: "السلام عليك أيها النبي". والصحيح أن هذا يقال في حياته عليه الصلاة والسلام وبعد مماته. وأما ما جاء في رواية الإمام البخاري بزيادة: "وهو بين أظهرنا"، فلما قبض قلت أو قلنا السلام -يعني على النبي صلى الله عليه وسلم-، فهذه الرواية انتقدها بعض الحفاظ، فقالوا: تفرد بها مجاهد، ولم يتابع على ذلك ممن روى هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود. وهل معنى هذا أنه لا يقال: "السلام على النبي"؟ الجواب: لا، أن نقول أنه لا يقال؛ لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم مات، وأن بعد وفاته يقال: "السلام على النبي". وأما في حياته فيقال: "السلام عليك أيها النبي"، فهذا خطأ. وأما أن يقال: يجوز أن تقول: "السلام عليك أيها النبي"، ويجوز "السلام على النبي"؛ لأن الروايات صحت بهذا وهذا، فهذا صحيح، يجوز هذا ويجوز هذا. والأصح والأشهر "السلام عليك أيها النبي"، وهو الذي جاء في حديث بن مسعود، وغيره من الأحاديث الأخرى: حديث بن عباس كما تقدم معنا، وحديث عمر، وهكذا كذلك حديث أبي موسى. وجاء "السلام على النبي" في حديث عائشة وحديث بن عمر. ولفظ حديث بن مسعود، وحديث عائشة، وحديث بن عمر. وفي لفظ لحديث بن مسعود الذي جاء كما سبق من رواية مجاهد، فيكون جملة: "فلما قبض" هذه أخطأ بها بعض الرواة. إنما الصحيح عن ابن مسعود التخيير: "السلام عليك أيها النبي" يجوز، "السلام على النبي" يجوز، يجوز هذا ويجوز هذا. وليس معناه أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: "السلام على النبي". لكن هذا فهمه بعض الرواة فأدرجه، وظن أن هذا هو السبب وليس كذلك. هذا هو الصحيح الذي تجتمع به الروايات وأقوال أهل العلم في المسألة. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كبيرًا كثيرًا، حتى وقع فيها من التضليل ومن التشديد ما لا يعلم به إلا الله. والصواب الذي تجتمع به الروايات، ويكون به كذلك الجمع بين ألفاظها هو هذا الذي سمعناه. ومن فوائد هذا الحديث كذلك فيه أن الدعاء بالسلام على عباد الله الصالحين يشمل الإنس والجن والملائكة. وكما يروى عن الترمذي رحمه الله أنه قال: من أحب أن يجعل له المصلون فتلحقه دعوتهم في كل صلاة، فليحقق معنى العبد الصالح. وذكروا في تفسير العبد الصالح: أنه الذي يؤدي حق الله ويؤدي حق خلق الله. فإذا حرصت على تحقيق هذين المعنيين فأنت بإذن الله تنالك دعوة المصلين في كل صلاة. ومن فوائد هذا الحديث كذلك فيه استحباب الدعاء بعد التشهد. والصحيح أنه كما سيأتي بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، جمعًا بين الأحاديث المروية في هذا الباب. واستدل بعض أهل العلم بهذا الحديث -حديث بن مسعود- على عدم وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد. والصحيح أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة في التشهد. وإن لم يأت ذكرها في حديث بن مسعود، فقد ذكرت في أحاديث أخرى؛ لأن حديث بن مسعود إنما فيه التشهد، ليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وعدم النقل ليس نقلًا للعدم، قاعدة: عدم النقل ليس نقلًا للعدم. فكون بن مسعود لم ينقل ليس معناه أنه ينفي ما نقل. فإذا أثبت غيره فنحن نقول: هذا قد ثبت من دليل آخر؛ لأن عدم النقل ليس نقلًا للعدم. وكذلك في هذا المعنى المثبت مقدم على النافي. هذا لو كان ابن مسعود نافٍ مع أن ابن مسعود لم ينفِ، لم يذكر، وليس نفى. إذا نفى لقلنا: المثبت مقدم على النافي. واضح إذا نفى ابن مسعود وأثبت غير ابن مسعود لقلنا: المثبت مقدم على النافي. فكيف إذا كان ابن مسعود لم ينفِ أصلا، وإنما لم يذكر؟ ولهذا كان الصواب في هذه المسألة أن حديث المسعود ليس فيه دليل لا من قريب ولا من بعيد على عدم وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد؛ لأنه قد ثبت ذلك في أدلة أخرى. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.