الدرس في شرح الأصول الثلاثة 13، الدرس الثالث عشر : (2ربيع ثاني1432هـ)(والبراءة من الشرك وأهله ) ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
البراءة من الشرك وأهله جزء أساسي من تعريف الإسلام، وتتحقق بكمال التوحيد عبر النفي والإثبات في كلمة التوحيد. الشرك والمعاصي ينقصان التوحيد وقد يهدمانه.
المودة المحرمة بين المسلم والكافر محرمة، والتعامل مع الآخرين يجب أن يكون وسطاً بين الاحترام وعدم المداهنة. المداهنة محرمة وتؤدي إلى التغرير بصاحب الباطل.
المداراة جائزة لترغيب الناس في الحق، بينما المودة المحرمة محبة أو موالاة للكفار على حساب الدين. يجب التفريق بين المحبة الفطرية والتأليف الشرعي والموالاة المحرمة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما أخذناه في أوائل الأصل الثاني من الأصول الثلاثة، وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة. وأخذنا معنى الإسلام، وأنه الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. وأخذنا معنى الاستسلام، وهكذا الانقياد. وأما قوله -رحمه الله تعالى- «والبراءة من الشرك وأهله» فقد سبق شيئًا يسيرًا. فإنه كما مر معنا تفسير لكلمة التوحيد التي فيها نفي وإثبات، فلا تتم كلمة التوحيد إلا بهذين الركنين: النفي والإثبات. نفي للوهية عما سوى الله، وإثباتها لله جل وعلا وحده. وهكذا أيضًا من لوازم النفي الانقياد لله جل وعلا وحده بالطاعة. فإن حقيقة التوحيد هو بالإتيان بهذين المعنيين: النفي والإثبات. فإن من معاني تحقيق العبادة لله سبحانه وتعالى يكون بإثبات أصل التوحيد وكمال الطاعة، وكذلك في مقابل هذا بالسلامة من الشرك والمعصية. فالشرك -أكبر أو أصغر- ينقص أو يهدم التوحيد، فالأكبر يهدمه والأصغر ينقصه. وهكذا المعاصي والبدع تنقص هذا التوحيد. فكمال التوحيد بالبراءة من الشرك والكفر والنفاق، وكذلك البدعة والمعصية. وهكذا من البراءة من الشرك البراءة من أهل الشرك، ويلحق به الكفر والنفاق والبدعة والمعصية. ولهذا المعنى أدل كثير من الكتاب ومن السنة. كما قال الله عز وجل عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وكما قال جل وعلا عنه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاعْتَزِلْهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾. فلا يكفي أن يتبرأ الإنسان من الشرك والكفر والنفاق والبدعة والمعصية، وهو كذلك لا يتبرأ من أهلها. كما قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية. فنفهم من هذا ملازمة فهم كلمة التوحيد بهذين الأصلين العظيمين: النفي والإثبات. ويدخل في معنى الإثبات تحقيق التوحيد والطاعة وحب أهلهما، ويدخل في معنى النفي البراءة من الشرك والكفر والنفاق والبدعة والمعصية وأهلها. وها هنا توضيح لمعنى المودة المحرمة التي لا يجوز أن تقع بين المسلم والكافر، والموحد والمشرك، وهكذا أيضًا السني والمبتدع، والطائع والعاصي. فإن معنى المودة لا يعني الخروج عن معنى الأدب والاحترام الذي ينبغي أن يكون بين المسلم وغيره من الناس، الذي به يكون هدايتهم ودعوتهم وتأليفهم إلى الحق الذي يدعو إليه صاحب الحق. ولكن معنى المودة هو ميل القلب، وانكسار الكلام، وخضوع الفعل، يكون به التغرير بصاحب الباطل، فيغتر صاحب الباطل بالباطل الذي معه، ويغتر الجاهل بسبب هذه المعاملة بصاحب الباطل هذا. ولكن المطلوب هو الوسط، لا مداهنة على حساب الدين والحق الذي يحمله المسلم. والمداهنة هو التنازل عن شيء من الدين لأجل الدنيا، فهذا محرم. وأما المداراة، والذي هو التنازل عن شيء من الدنيا لأجل الدين، فهذا جائز، وهو من الحكمة ومن مراعاة المصالح، وبه يكون تأليف الخلق وترغيبهم في الحق والخير. فالمسلم يحتاج للمداراة -مثلًا- مع أهله وقرابته وجيرانه ومعامله، لأجل أن يؤلفهم في حب الدين واتباع الحق، ولكن لا يكون ذلك على حساب الدين، وإنما على حساب التنازل عن شيء من الدنيا. فأنت تتألفهم بعطائهم الهدايا والأموال، وزيارتهم على وجه لا يخالف الشرع. وكما ترى قد يظن بعض الناس بقلة علمه أن هذا يدخل في المودة المحرمة، وهذا ليس من المودة المحرمة. ولكن من المودة المحرمة أن يجلس في مجالسهم التي فيها ذلكم الشرك أو ذاك الكفر أو ذاك النفاق أو تلك البدعة أو كذلك المعصية. ولهذا حرم الإسلام الجلوس في مائدة فيها الخمر، وهكذا قل في كل ما كان بمعناه من الباطل. وكذلك الحب، فأنت قد تحب بعض أقاربك لأجل القرابة محبة فطرية، لكنها لن تزاحم الحق الذي تحمله. فلن تكون هذه المحبة على حساب الحق، فلن تطيعهم إذا رغبوا في شيء فيه معصية لله، ولكن تستعين بهذه المحبة في دعوتهم إلى الحق الذي تحمله. وبهذه الإشارات نفهم معنى المودة المحرمة التي جاءت بها الأدلة. وهكذا أيضًا قريب منها الموالاة المحرمة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فأرجو أن يكون قد اتضح معنى المودة والموالاة المحرمة الذي قد يصل بصاحبه إلى الكفر بحسب نوع هذه المودة والموالاة، والله أعلم.