الخطبة بعنوان منزلة الإحسان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الأربعاء ١٦ شوال ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإحسان هو أعلى مراتب الدين ويعني عبادة الله كأنك تراه. تحقيق الإحسان يكون بإتقان الأعمال ومراقبة الله في الظاهر والباطن.
الإحسان يشمل مراقبة الله في السر والعلن وإصلاح النية وإتقان العمل. كل شيء في الأرض يشهد على الإنسان أو له يوم القيامة، والإحسان يورث الخير في الدنيا والآخرة.
الإحسان يشمل الإحسان إلى الخلق والسماحة في المعاملات والعفو عن المظالم. يتضمن الدعاء لإصلاح أحوال المسلمين في سوريا والعراق وسائر بلاد المسلمين بالتوسل إلى الله بالصلاح والاستغفار والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربُّنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فإن من أعظم منازل الدين، ومن أعلى مراتب الإيمان، ومن معاني «إياك نعبد وإياك نستعين»، منزلةٌ عظيمة من منازل هذا الدين العظيم، ومرتبةٌ علية من مراتبه، بل هو روح الإيمان وحقيقة الإسلام، وكمالُ الإذعان لله رب العالمين، ذلك بتحقيق هذا المعنى العظيم من معاني الدين، ألا وهو معنى الإحسان. الإحسان، عباد الله، الذي هو من أعظم مراتب الدين، ففي حديث أبي هريرة في الصحيحين، وجاء معناه من حديث عمر رضي الله عنه بصحيح مسلم، في قصة جبريل عليه الصلاة والسلام حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس أمور دينهم، فكان مما علم أن سأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بما علمه الله من معنى الإسلام والإيمان والإحسان، وعلم به أن هذا الدين العظيم ثلاثة مراتب: مرتبة الإسلام، وهو امتثال الجوارح لما أمر الله في الظاهر، ومرتبة الإيمان، وهو امتثال ذلك في الظاهر مع وجود ما يصدقه في الباطن، ومرتبة الإحسان، وهي مراقبة الله جل وعلا في الظاهر والباطن. فعند ذلك علم حقيقة معنى الإحسان حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فحقيقة الإحسان، عباد الله، أن نعبد الله سبحانه وتعالى على الوجه الذي يحب ربنا جل وعلا ويرضى، بإتقاننا، بإتقاننا وحرصنا واجتهادنا على فعل المأمور على الوجه الذي يحبه الله جل وعلا ويرضاه بأكمل وجوهه، واجتناء بالمحظور على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه بأكمل وجوهه، وأن نراقب الله جل وعلا العزيز الغفور في ظاهرنا وباطننا. فإذا فعلنا ذلك، عباد الله، حققنا معنى الإحسان الذي هو أعلى مراتب هذا الدين، وصدقنا معنى الإسلام، وارتقينا في هذا الدين إلى أعلى مراتب الإيمان، بالوصول إلى هذه المرتبة العلية والدرجة الرفيعة من درجات ومراتب هذا الدين، إنها مرتبة الإحسان. ولهذا قال العلماء، كما قال الإمام بن القيم رحمه الله: «إن من أعظم منازل إياك نعبد وإياك نستعين مرتبة الإحسان»، فيروح هذا الدين ولبه وسر كماله. فإنك يا عبد الله إذا حرصت على هذه المرتبة العلية، وفقك الله لكل خير ترجوه في دنياك وترجوه كذلك في أخراتك. فإنما ترجوه من خير الدنيا يكمل في تحقيق هذه المرتبة العلية من مراتب هذا الدين. أليس الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ولما ذكر لنا ربنا جل وعلا قصة يوسف عليه الصلاة والسلام العظيمة، وما وقع فيها من محل عضاة وعبر، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. وكونه كان من المحسنين، وكونه كان من أهل الإحسان، كان ذلك سببًا في إيتاء الله عز وجل ما آتاه من الحكم، وما آتاه كذلك من التمكين، وما آتاه سبحانه وتعالى مما نجاه من أعدائه، وما كان كذلك له من خير الدنيا، فضلا عن خير الآخرة. وهكذا أنت يا عبد الله، ما ترجوه من خير الدنيا تجده بتحقيق هذه المرتبة العلية والدرجة الرفيعة من درجات ومراتب هذا الدين. فإنك متى ما حرصت على تحقيق هذه المرتبة، وفقك الله سبحانه وتعالى إلى ما ترجوه من خير الله سبحانه وتعالى في الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. واعلموا عباد الله أن حقيقة الإحسان يكمن أمرها في أمرين اثنين: أولهما أن يحسن العبد في معاملته لربه وخالقه، وذلك بأن يفعل المأمور على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه بأكمل وجوهه وأعلى مراتبه وأقصى درجاته. فإنه إذا كان كذلك كان من المحسنين. وهكذا بترك المحظور المنهي عنه، والمبالغة في الابتعاد عن ذلك، فإنه إذا فعل ذلك حقق معنى أنه من المحسنين. وهكذا كذلك بأن تكون عنده مراقبة دائمة لظاهره وباطنه. وعند ذلك يحصل له من الإيمان وحلاوة تذوق الطاعات، وكذلك احتساب البعد عن المعاصي والمخالفات، بما يكون به حلاوة إيمانه ولذة مناجاته لربه وخالقه سبحانه وتعالى. ذكر الإمام بن الجوزي رحمه الله تعالى في بعض كتبه قال في معرض كلامه: «والسر في غفلة الجهال عن ربهم وخالقهم كونهم لم يراقبوا الله سبحانه وتعالى، ولم يحسنوا بأنفسهم، فأورثهم ذلك من القسوة والجفاء ما حرمهم معنى الإحسان في الدنيا لأنفسهم، والإحسان لأنفسهم في الآخرة». ولما كان من أحسن كان عنده ما عنده من المراقبة والإحسان، أكسبه ذلك ما أكسبه من لذة مناجاته والقرب منه سبحانه وتعالى، بما كان لهم الإحسان في الدنيا، وكذلك يرجى لهم في الآخرة. فإن العبد يا عباد الله متى ما راقب الله سبحانه وتعالى، وعلم واستيقن معنى قول الله جل وعلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، استحضر قول الله جل وعلا فيما أخبر الله سبحانه وتعالى به في آيات كثيرة أن كل ما في الدنيا يشهد عليك يوم القيامة يا عبد الله. جوارحك تشهد عليك، لسانك يشهد عليك، عينك تشهد عليك، يدك تشهد عليك، كل شيء في هذه الدنيا يشهد عليك يوم القيامة. فالأرض تحدث أخبارها بما كان فيها، وهكذا كل موضع عبدت الله فيه أو عصيت الله فيه، فإنه يشهد لك أو عليك يوم القيامة. سئل عبد الله بن عباس رضي الله عنه أرضاه في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾، قالوا: يا ابن عباس وهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم، إنها تبكي على المؤمن. تبكي عليه يوم أن عبد الله في تلك الأرض، وسجد لله سبحانه وتعالى في تلك الأرض، ودعى الله سبحانه وتعالى في ذلك المسجد، وفعل وفعل من الطاعات وأنواع القربات، ما كان سببًا لبكائها. وهكذا كذلك، عباد الله، العكس بالعكس. فالمجرم والكافر والفاجر يلعنه كل شيء في الأرض. قال الله سبحانه وتعالى في معرض ذكره لمعصية من المعاصي وذنب من الذنوب، وهو كتمان العلم، وهكذا كذلك غيره: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. سئل مجاهد رحمه الله: ما اللاعنون الذين يلعنون من كتم العلم؟ قال: هؤلاء هم كل شيء في الأرض. قال: حتى الدواب، وحتى الحشرات، فإنها تلعن الكافر والفاجر. فإنما أصابها من ذلك من ضمأ، ومن عطش، ومن نصب، وما كان من قحط الأرض وجفاف نزول المطر من السماء، كان بذنوب الناس، وكان بخطايا الناس. فعند ذلك يلعن كل شيء في الأرض أهل الكفر والفجور، بما كان من كفرها، وما كان من فجورها. تقول: بسببكم حرمنا القطر من السماء. بسببكم حرمنا القطر من السماء. إذا استحضرت يا عبد الله أن كل شيء في الأرض يشهد عليك، يشهد لك أو يشهد عليك، حصل لك من معنى المراقبة العظيمة، والمداومة لذلك، بما يورث لك الإحسان في الدنيا، وكذلك في الآخرة. فإنك إذا حرصت على تحقيق هذه المراقبة الدائمة، عبد الله، أورثك ذلك ما ترجوه من خير الدنيا وخير الآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المحسنين المتقين المراقبين لربهم في الظاهر والباطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن من معاني الإحسان ومواضعه أن يحرص المسلم على تحقيق هذا الإحسان بما يتعلق بحق الله، كما تقدم، بالمبالغة في إتقان فعل المأمور، واجتناب المنهي عنه، ومراقبة الله سبحانه وتعالى في ظاهره وباطنه. أما باطنه، بإصلاح نيته من الشوائب، بأن يجتهد دائمًا أن تكون نيته خالصة لله سبحانه وتعالى، خاليةً من الأعراض والأغراض، بعيدةً عن الشهوات والشبهات، بما يصرفها عن مقصدها، ويحرمها ثمرتها في الدنيا والآخرة. وهكذا كذلك أن يحرص على الإحسان في أحواله كلها، في أولها وأوسطها وآخرها. ففي أول الأعمال يحرص على إحسانها في الدخول فيها على الوجه الذي يحبه الله جل وعلا ويرضاه، وذلك بإخلاص النية، والموافق للسنة في العمل. وهكذا كذلك يستمر على ذلك في ثنايا ذلك العمل، لا يزال راغبًا راهبًا، ينظر إلى عظمة ربِّه سبحانه وتعالى وخالقه، فيورث له من الذل والخضوع. وينظر إلى عظمة ربِّه، وعظيم حقِّه، وإلى تقصيره وتفريطه، وينظر إلى عظيم منِّته وعطائه وإحسانه، وقليل شُكره، فيورث ذلك كثرة الثناء على الله بلسان الحال والمقال. وهكذا كذلك ينظر إلى تقصير نفسه وتفريطها، وأن ما أصابه في الدنيا وما يخافه بالآخرة، فهو بسبب ذنوبه وتقصيره، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. ويفرض ذلك زيادةً في الإحسان، وحرصًا على الاستمرار. وإذا وفقه الله جل وعلا لختم تلك الأعمال الصالحة، فإنه عند ذلك لا يفرح، بمعنى يغتر. فإن الله لا يحب الفرحين. ولكنه لا يزال راغبًا راهبًا راجيًا مؤملا. ولهذا كان السلف يقولون، كما روي عن علي وغيره رضي الله عنهم وأرضاهم: «نحن لقبول العمل أشد من عمل العمل». ألم تسمع لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. فالله جل وعلا يتقبل من المتقين. وما أدراك أنك من هؤلاء المتقين فيتقبل الله سبحانه وتعالى منك عملك. ولهذا كان من سنة أهل الإسلام إتباع الحسنات بالحسنات، تجبر النقص من الحسنات، وتعين على الإحسان لله جل وعلا. عظيم المنزل والمرتبة أن يجبر نقصك، ويجبر كسرك، فيكون سببًا لقبول حسناتك، وحصول ما ترجوه من خير هذه الحسنات بالدنيا والآخرة. فلذلك كان من علامة توفيق الله عز وجل لعبد من عباده، ليس فقط أن يتم العمل، بل أن يتبع العمل الحسن بحسن آخر مثله، مما يشهد ويؤكد قبول الحسن الأول. ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وليس يكفي أن تعصم من معصية، بل أن تتبع ذلك بعصمة وعصمة وعصمة. فالله عز وجل بذلك يكون قد حفظك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك». فإذا حرصت على مداومة الحفظ، ودرية هذه المرتبة من هذا الدين، فإن الله عز وجل حفظك في سائر أحوالك، وفي سائر أمورك، فكان لك ما ترجوه. وهكذا كذلك، عبد الله، من معاني الإحسان أن تحسن كذلك في مراقبة الله سبحانه وتعالى في ظاهرك، كما أحسنت بمراقبة الله جل وعلا في باطنك. ففي كل أحوالك تستحضر أن الله سبحانه وتعالى يراك، وأنه سبحانه وتعالى معك، وهو معكم أينما كنتم، وهو الذي يراك، وكذلك هو الذي يراك بالساجدين. فأنت تستحضر مثل هذه المعاني: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. تستحضر مثل هذه المعاني، وأن الله سبحانه وتعالى أقرب إليك من حبل الوريد. فإذا استحضرت مثل هذا، أورثك ذلك بإذن الله تعالى إحسانًا في عبادتك لربك وخالقك. وهكذا من معاني الإحسان، الإحسان إلى الخلق على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. وضابط ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فإذا كنت تحب لنفسك شيئًا فأحبه لإخوانك. ولهذا كان من مواضع الإحسان، الإحسان إلى الوالدين، وهو من أعظم الإحسان، وفهو من أعظم الحقوق بعد حق الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وكل معنى من معاني الإحسان فأنت مطالب به في حق والديك، كما أنك ترجو ذلك لنفسك، فحققه وزياده برًّا بهما، وطاعة لربك وخالقك ومولاك، فيكون بذلك قد تحقق فيك معنى من معاني الإحسان. ومن الإحسان، الإحسان إلى الأقربين، ومن الإحسان الإحسان للجيران، ومن الإحسان الإحسان في معاملتك في بيعك وفي شرائك، وفي أخذك وفي عطائك، وفي سائر أخلاقك وتصرُّفاتك. حتى النظرة، فإن فيها إحسان، وحتى الإشارة، فإن فيها الإحسان، حتى المصافحة، وحتى السلام، فيها إحسان. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. فأمر الله عز وجل بالتحية بأحسن. فإن لم يكن، فلا أقل أن نردها كما هي، ولا نقل عن ذلك. فإذا كان هذا في السلام، فكيف في سائر المعاملات؟ ولهذا كان من معاني الإحسان، السماحة في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، وغير ذلك من معاملة أهل الإسلام. ففي حديث جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف المؤمن وخلقه: «سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا أخذ، سمحًا إذا أعطى». فالسماحة من خلق المسلم في سائر أموره. فإذا حقق ذلك، كان بإذن الله سبحانه وتعالى من المحسنين. بل أعظم من ذلك، من معاني الإحسان، أن تعفو عن من ظلمك، وأن تصفح عن من بغى عليك، كما أخبر الله عز وجل، وقال بذلك في قوله سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ومن معاني الإحسان، أن تجود بنفسك، وأن تجود بأخلاقك، وأن تجود يدك بما أعطاك الله عز وجل من مال، أو من أخلاق، أو من قوة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وهكذا ذكر الله عز وجل في موضع آخر معنى الإنفاق، ثم قال في آخر الآية: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ولما ذكر الله عز وجل القتل، أمر الله عز وجل بالإحسان بالعهو. فإذا كان هذا في القتل، فكيف بما هو دونه؟ ولما ذكر الله عز وجل عشرة الزوجين، أمر الله عز وجل بالإحسان، حتى عند الفراق، فكيف عند الاجتماع؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: «خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». وقال عليه الصلاة والسلام: «وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وإذا قتلتم فأحسنوا الذبح». فإذا كان هذا في القتل وفي الذبح، فأمر الله عز وجل نبيه أن يأمر أهل الإسلام بالإحسان فيه، فكيف بسائر أمور الناس؟ فاحرص، عبد الله، على الإحسان في أمورك كلها، وأخلاقك سائرها، بما يكون لك الخير في نفسك، والخير في مجتمعك، والخير في دنياك، والخير في أخراتك. ومن الإحسان، عباد الله، أن لا نبخل على أنفسنا بصنوف الطاعات، وأنواع القربات، في جميع الأوقات. فإن الله عز وجل حين ذكر عباده المؤمنين المتقين، ذكر من أعظم صفاتهم، والذي به كانوا من المحسنين. قال سبحانه وتعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فإن ذلك من صفات أهل الإحسان، الذين وصفهم الله عز وجل قبل ذلك بالإحسان. نسأل الله عز وجل أن يبقينا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا من عباد المحسنين المتقين، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. اللهم اغفر لنا وللمسلمين، اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا ولات أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في سوريا، واصلح أحوال المسلمين في العراق، واصلح أحوال المسلمين في سائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين. في بلادنا هذه خاصة، وسائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين. وسبحانك ربنا نستغفرك ونتوب إليك، والحمد لله رب العالمين.