الدرس في من أحكام الطهارة، خطبة الجمعة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 2 جمادى الأول 1431هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُبين أهمية الطهارة في الإسلام وأنها تنقسم إلى طهارة حسية ومعنوية، ويوضح أحكام الطهارة الحسية.
يشرح كيفية الوضوء الصحيح ونواقضه مثل أكل لحم الإبل والنوم المستغرق، ويوضح ما لا ينقض الوضوء.
يعدد موجبات الغسل مثل الإنزال والتقاء الختانين ونزول الدم المعتاد من المرأة، ويشرح كيفية الغسل الصحيح.
يشرح حكم التيمم ومتى يجوز للمسلم التيمم، ويبين كيفية التيمم وضوابطه وحكم صلاة فاقد الطهورين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. يُبين ربنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة العظيمة حكمًا عظيمًا من أحكام هذا الدين العظيم الذي جعل الله عز وجل فيه ما فيه الرُّقي بهذا الإنسان وكماله في هذه الدنيا والدار الآخرة. ففيه ذكر حكم الطهارة الحسية التي بها يصل إلى الطهارة المعنوية. فالطهارة في هذا الدين العظيم لها مكانٌ عظيم ومنزلةٌ علية، إذ أن طهارة هذا الإنسان سببٌ لصلاحه واستقامته في سائر جوانب حياته. ولهذا دعا ديننا لكل الطهارتين: طهارة الجوارح والأعمال، بمعنى الطهارة المعنوية، الطهارة من الشرك والكفر والنفاق والبدع وسائر الكبائر والمعاصي والآثام. فإن الله عز وجل أرسل رسوله سبحانه وتعالى بهذا الدين العظيم ليطهرهم ويزكيهم. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وقال ربنا جل وعلا عن من حرم زكاة وطهرة هذا الدين: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، نجس بشركهم وكفرِّهم وكفرهم وآثامهم ومعاصيهم، ونجس بعدم قيامهم بالطهارة الحسية. وقال عن اليهود وبعض أهل الكتاب والمنافقين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وهكذا أمر ربنا جل وعلا بالطهارة الحسية، إذ أن تحقيقها إعانةٌ للمرء أن يحقق كذلك الطهارة المعنوية. فأمر بالطهارة من الأحداث: الحدث الأصغر والأكبر، كما جاء ذلك في كتاب الله في هذه الآية، ومعناها في آياتٍ أخر، كقول الله عز وجل: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. وهكذا كذلك في سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما في ذلك من صلاح هذا الإنسان ونقائه، بكلا معنى النقاء الحسي والمعنوي. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه ما من متوضئٍ يتوضأ إلا وتساقطت خطاياه مع قطرات الماء في وضوئه، حتى إنها لتسقط من وجهه ويديه ورجليه، فتتساقط ذنوبه وخطاياه مع قطرات الماء، حتى إنها لتخرج من أطراف أصابعه. فإن من حكمة الله عز وجل في فرض هذه الطهارة، مع ما فيه من استباحة الصلاة، وما فيه من التعبد لله، فيه كذلك معنى آخر، وهو أنه سببٌ لتكفير الذنوب والخطايا، بما يكون من طاعة الله عز وجل. فإن التعبد لله بأداء هذه الطاعات، سببٌ لتنقية هذه الأجساد من آثامها وذنوبها ومعاصيها وسقطاتها التي لا يسلم منها إنسان. فلذلك، عباد الله، كان كلما حرص المؤمن على طهارته الحسية، كان ذلك دليلٌ على كمال إيمانه، إذ أنه بذلك يكون حريصًا كذلك على طهارة نفسه المعنوية. فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن. وحثَّ عليه الصلاة والسلام على المحافظة على الطهارة وإسباغ الوضوء والمتابعة في ذلك. وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه سمع خشخشة بلال رضي الله عنه في الجنة، فسأله بأي عمل وصل إلى ما وصل إليه، فلم يُدرِك بلال رضي الله عنه شيئًا، واضب عليه من الطاعات بمثل محافظته على الطهارة، فإنه لا يُحدث إلا وتوضَّأ وضوء الصلاة، وصلى ركعتين. واعلموا عباد الله أن لهذه الطهارة أحكامًا في ديننا، وجب على أهل الإسلام أن يتعلموها، لما في ذلك من كمال عبادتهم وحسنها، وما فيه كذلك من حصول المصالح الدينية والدنيوية لهم. فمن ذلك أن الطهارة سبب لاستباحة الصلاة وشرط من شروطها. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضَّأ». وفي الصحيح من حديث عبد الله بن عمر، وجاء معنى عن غيره، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور، ولا صلاة بغير طهور». واعلموا عباد الله أن الطهارة الحسية طهارتان: طهارةٌ من الأحداث، وطهارةٌ من الأخباث. فأما الطهارة من الأحداث، فطهارةٌ من الحدث الأصغر، بما دلَّت عليه الأدلة الشرعية أنه يكون بأحد أمورٍ أربعة. أولها: خروج الخارج المعتاد مما يخرج من السبيلين، كالبول والغائط والهواء، وما يلحق بذلك مما يخرج من السبيلين، كالمذيِّ والمني والودي ودم المرأة الحائض والنفساء، والسائر ما يخرج خروجاً معتاداً من هذين الموضعين. فدلَّت الأدلة الشرعية أنه من نواقض الوضوء. قال الله عز وجل: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. ومن ذهب إلى هذا المكان فإنه يخرج منه الخارج المعتاد، فدلَّ دليل القرآن، وهكذا ما جاء في الصحيح بحديث أبي هريرة، لما سئل عن الحدث، فبيَّن رضي الله عنه أنه الفساء والضراط. فمن باب أولى أن يدخل بمعناه سائر ما هو أولى منه من الخارج المعتاد. والناقض الثاني من نواقض الوضوء: مسُّ الفرج. فمن مسَّ فرجه فإنه ينتقض وضوءه، لما صحَّ من حديث بُسرة بن صفوان، وجاء عن عددٍ من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مسَّ فرجه فليتوضَّأ». وفي روايةٍ: «من مسَّ ذكره فليتوضَّأ». فإن هذا الحديث وغيره مما هو بمعناه، يدلُّ على أن من مسَّ قُبُلَه ودُبُرَه بعمدٍ وبباطن الكف، سواءً أكان ذلك لنفسه أو لغيره، أو كان لصغيرٍ أو لكبيرٍ، على القول الصحيح، فإنه بهذا ينتقض وضوءه، بما صحَّ من هذه الأحاديث الصحيحة عن نبينا صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك من نواقض الوضوء: أكل لحم الإبل. فقد صحَّ بصحيح مسلم وغيره من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لمن أكل لحم الإبل. وذلك، عباد الله، أن هذه الطهارة من الحدث الأصغر، ليس مقصودها فقط الأمور الحسِّية، بل كذلك أمورًا معنوية تعبُّديَّة. فلما كانت لحوم الإبل لها أثرٌ على أهلها، فإنها من شيطان، أو تُنزع من شيطان، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء لمن أكل من لحمها. وهكذا يلحق به من شرب شيئًا من مرقها، أو أكل شيئًا من أحشائها، فإنه على القول الصحيح يلحق في معنى حكم اللحم. وهكذا كذلك من نواقض الوضوء: النوم. فالنوم المستغرق الذي يفوت معه عقل الإنسان، موجبٌ من موجبات الوضوء، كما صح في السنن من حديث صفوان بن عسال. فإنه بيَّن أن من نواقض الوضوء النوم. فبعض الناس ربما ينعس، يكون نعاسه شديدًا يفقد معه الوعي، كما يكون لبعض الناس يوم الجمعة أو في أيام الأعياد، أو كذلك في مواسم الحج والعمرة، مع شدة الزحام، أو كذلك ربما في أيام رمضان وغير ذلك. فهذه هي نواقض الوضوء التي صحت بها الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم. فمن وقع في شيء من ذلك فإنه ينتقض وضوءه، كما صحت بذلك الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم. وفي قول أهل العلم: «الخارج المعتاد»، أرادوا بذلك أن ما خرج من غير المعتاد، إن خرج جافًا غير رطب، فإنه لا ينقض الوضوء، كالحصى يخرج من القبل أو من الدبر، وهو جاف غير رطب، أو كذلك الدود، كما نص العلماء، فإنه لا ينقض الوضوء. أو خرج كذلك ما يخرج من المخرج المعتاد من غير مخرجه، كمن يكون مريضًا فاضطر لمرضه أن يخرج له ما في جوفه من بوله وغيره من غير المخرج المعتاد، فيستمر في الخروج من معدته أو من فتحةٍ في بطنه، فإن خروج ذلك لا ينقض الوضوء. وإن كان الأكمل أن يتوضَّأ لكل صلاة إن كان يستطيع الوضوء، وإن لم تقل إلى حكم التيمم، كما سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله. هذه الأحكام، عباد الله، تدلنا أن المسلم ينبغي عليه أن يتفقه في دين الله، وأن يتعلم ما يحتاجه من شريعة الله، بما يعبد الله جل وعلا به على بصيرة. وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه توضَّى مرةً مرة، كما في البخاري وغيره من حديث ابن عباس. وصح أنه توضَّى مرتين مرتين، وأنه توضَّى ثلاثاً ثلاثاً، وأكمله وأفضله أن يتوضَّى المسلم ثلاثاً ثلاثاً. ففي الصحيحين من حديث عثمان بن عفان، ومعناه في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضَّى لهم وضوءه للصلاة، وأراد بذلك أن يعلمهم الوضوء الذي ينبغي أن يتوضَّأه المسلم. فغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، ثم مضمضى واستنشقى واستنثرى ثلاثاً بثلاث غرفات، ثم غسل وجهه ثلاثاً، استوعب ذلكم الغسل للوجه منابت الشعر من أعلى الرأس وأسفل الذقن من أسفل الوجه، وأطراف الأذنين من الجانبين. ثم غسل يديه ثلاثاً إلى المرفقين. وبه يُعلم تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، أن المقصود منه إدخال المرفقين في غسل اليدين. فإنه ينبغي لمن توضَّأ أن يغسل يديه من أطراف أصابعه إلى ما بعد المرفقين. ففي حديث أبي هريرة في الصحيح، أنه غسل يديه حتى بلغ العضد، وقال: «هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضَّأ». وفي حديث جابر بن عبد الله، فيما حسنه بعض أهل العلم، ومعناه حسن، وإن ضعف إسناده بعض آخر من أهل العلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توضَّأ أدار الماء على مرفقيه. فدل ذلك على ما ينبغي على المسلم إذا توضَّأ أن يعتني بإيصال الماء إلى ما هو أعلى من المرفقين، وهما العظمان الناتئان في مؤخرة اليد وقبل العضد. وهكذا كذلك مسح النبي صلى الله عليه وسلم برأسه مرة واحدة. وفي حديث عبد الله بن زيد: «فأقبل وأدبر بهما مرة واحدة». وفي رواية لمسلم: «فذهب بهما إلى قفاه، حتى إذا وصل إلى القفا ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه»، يعني ردَّهما إلى مقدمة الرأس. ومعناه أنه صنع هكذا: مسح بيديه إلى مؤخرة الرأس، ثم ردَّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه في ناصية الرأس. قال العلماء: وفي ذكله هذا استيعاب سائر شعرات الرأس، أن يمسهم الماء من أعلى الشعرة ومن باطنها، لأنه إذا أقبل وأدبر بيديه استوعب ذلك. وفي هذا أولاً: أن سنة الوضوء في مسح الرأس أن يمسح مسحة واحدة، لا يزيد على ذلك. فما يفعله بعض الشافعية من المسح ثلاث مرات لم يصح به شيء صحيح صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأن ما يفعله بعض الناس من مسح بعض الشعرات من الرأس، فكذلك لم يصح به شيء صحيح صريح. بل هذا الحديث وغيره من الأحاديث الأخرى يبين أن الرأس إذا كان مكشوفاً فالسنة أن يمسح كله، يقبل باليدين ويدبر مرة واحدة. فما يفعله الناس في مسح بعض الشعرات خطأ وخلاف السنة وكمال الوضوء. وما يفعله بعض الناس من الزيادة بالمسح ثلاث مرات خطأ وخلاف السنة وخلاف كمال الوضوء. والأكمل ما سمعتم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. أما إذا كان على الرأس عمامة أو خمار من خمار الرجل أو خمار المرأة، فيجوز مع هذه الصفة صفتان أخريتان. أما الصفة الثانية من صفات مسح الرأس، وهي الأولى إذا كان مستوراً: أن يمسح على مقدمة الرأس، أن تكون المقدمة مكشوفة قليلاً، كهكذا، ثم يكمل على العمامة أو الخمار. يستفيد من هذا المسلم والمسلمة، فإن فيه التخفيف من مشقة نزع العمامة ونزع الخمار، والمشقة تجلب التيسير، وهو تيسير من تيسير الله وتخفيف في حكم الطهارة. ولا يشترط للبس هذه العمامة والخمار طهارة، بل ولو لبس العمامة أو لبست المرأة الخمار بغير طهارة، أجزأه وأجزأها أن يمسح على ناصية الرأس ويكمل على العمامة. لما ثبت في الصحيح من حديث المغيرة بن شعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته وأكمل على العمامة. والصفة الثالثة من صفات مسح الرأس، وهي الصفة الثانية إذا كان الرأس مستورا بشيء: أن يمسح على ذلكم الشيء، عمامة كان أو خمارا. وليس من شرطه أن تكون العمامة مربوطة باستصعاب، فليس من شرطه أن تكون محنكة كما ذكر بعض الفقهاء، ولا أن تكون موثقة، بل كل عمامة يستر بها الرأس، وكل خمار يستر به الرأس، إذا ستر جميع الرأس، جاز أن يمسح عليه. فهي رخصة صحت بها الأحاديث الصحيحة عن نبينا عليه الصلاة والسلام. ففي الصحيحين من حديث بلال، وفي صحيح مسلم من حديث بلال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الموقين والخمار. والموقان والموقان هما نوعان أو نوعٌ مما يلبس على الأرجل من الخفاف، يكون كالجوربي ولكنه من الجلد. وأما الخمار فهو ما يرتبط على الرأس كحال العمامة النجدية. وما يفعله بعض إخواننا في بلاد حضر موت ونحوها كهذه الصفة، فإنه إذا اختمر المسلم هكذا أو المرأة، فتغطى بذلك كل الرأس، فإنه جاز له أن يمسح على العمامة فقط، لحديث بلالٍ المتقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا غسل النبي صلى الله عليه وسلم رجليه ثلاثا، خلَّل أصابع رجليه، وأمر بتخليلهما، كما في حديث صبيط. وهكذا كما في حديث لقيط ابن صبرة. وهكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتناء بالأعقاب، وهي ما إن خفض من مؤخرة القدم مما يلي أسفل ومؤخرة الكعب. فإن هذا الموضع المنخفض قد يتساهل فيه بعض الناس بسبب الاستعجال أو قلة الماء أو شدة الحر أو شدة البرد، فلا يوصلون الماء إلى هذا الموضع. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة من الغزوات في شدة الحر ومع قلة الماء بعض أصحابه، ولم يصل الماء إلى هذا الموضع، فقال كما جاء في الصحيح عن أبي هريرة وعائشة وعبد الله بن عامر رضي الله عنهم: «ويل للأعقاب من النار»، «ويل للأعقاب من النار»، «ويل للأعقاب من النار». يحذر عليه الصلاة والسلام أن يتساهل المسلم في أن لا يصل الماء إلى هذا الموضع من قدميه. قال العلماء: وهكذا كذلك كل موضع يحصل فيه التساهل، فإن صاحبه يأثم، وذلك موجب لعذاب الله. فإذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ويل للأعقاب من النار»، فما كان كذلك فهو من باب أولى. وهذه الصفة هي أكمل صفة للوضوء وأسبغها. فقد روى الزهري رحمه الله بعد هذا الحديث أن العلماء كانوا يقولون: «أتموا وأسبغوا صفة للوضوء ما جاء في هذا الحديث»، يعني حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أرضاه. عباد الله، هذه بعض الأحكام في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. فمن أداها كما أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا بالاقتداء به، فقد كمل له وضوءه وتمت له طهارته، وقبلت له بذلك صلاته. ومن لم يمتثل ما جاء في هذا، فيخشى عليه من رد الصلاة عليه، خصوصاً مع العلم وقيام الحجة عليه. وقد قال عليه الصلاة والسلام كما تقدم: «لا صلاة بغير طهور». أسأل الله عز وجل أن يفقهنا في أمور شرعنا، وأن يبصرنا في أمور ديننا، وأن يورينا الحق حقاً يرزقنا اتباعاً، والباطل باطلاً يرزقنا اجتنابة. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، وإن من معاني الطهارة: الطهارة من الأحداث، الطهارة من الحدث الأكبر. والحدث الأكبر موجباته وأسبابه خمسة. أولها: الإنزال. فمن أنزل ذكراً كان أو أنثى، ما ينزله الرجل وما تنزله المرأة، فإنه يجب عليه الغسل، لما صحب به الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. حتى المرأة إذا أنزلت فإنها تغتسل. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: «هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، إذا رأت الماء». وفي قوله: «نعم، إذا رأت الماء»، فيه دليل على أن المرأة قد يتخيل الإحتلام في نومها، ولكنه لا يرى الماء، فلا حرج في ذلك، ولا يجب عليها الغسل، ذكراً كان أو أنثى. ومن موجبات الغسل كذلك: التقاء الختانين. والمراد به: بضع الرجل وبضع المرأة، لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»، أي وإن لم ينزل. وما أكثر من يجهل حكم هذه المسألة من المسلمين، فإن الكثير من المسلمين يظنون أن حكم الغسل إنما يجب إذا وقع الإنزال. ولا يدري ولا يعرف الكثير أنه يجب الغسل كذلك وإن لم يقع الإنزال، إذا وقع التقاء الختانين. والتقاء الختانين كما بيَّنه العلماء، ودلَّت عليه السنة الصحيحة: يكون بتغييب الحشفة في الفرج، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه. وهكذا من موجبات الغسل كذلك: نزول الدم المعتاد من المرأة، حيضا أو نفاسا أو نفا، فإنه موجب من موجبات الغسل، كما صحت بذلك الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم. وهكذا الرابع من موجبات الغسل: غسل الميت. فإن الميت يجب أن يغسل كذلك إذا مات المسلم، لما جاء في الصحيحين عن عدد من الصحابة، معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في موت ابنته أن تغسل ثلاثا أو خمسا أو ما زاد على ذلك، وثرا، أي إن احتاج المغسل إلى ذلك، بما يكون به نقاء هذا الميت في غسله. وهكذا كذلك من موجبات الغسل خامسا: أن الغسل يجب كذلك على كل من أسلم. فقد صحى في قصة ثمامة بن أثال أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالغسل حين أسلم. وجاء معناه عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. هذه خمسة مواضع يكون فيها غسل الجنابة. وغسل الجنابة كما جاءت به السنة، فيما جاء في الصحيحين من حديث عائشة، ومعناه من حديث أم سلمة وميمونة وجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أكمله أن يتوضأ المسلم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وضوء الصلاة، بعد أن يغسل فرجه ويستنجي إن كان هناك حاجة إلى ذلك. ولا يجب الاستنجاء إذا لم يكن هناك حاجة إلى ذلك. حتى الوضوء لا يجب فيه الاستنجاء إلا إذا استوجب ذلك الاستنجاء. فما يظنه بعض الناس من أنه لا يصح وضوء إلا باستنجاء، وأن الاستنجاء يجب من الهواء، فهو خطأ، ولم يأتي بشيء من الأدلة الصحيحة الصريحة. فإذا استنجاء توضأ وضوءه للصلاة، من دون أن يمس فرجه، ثم غسل شقه الأيمن، ثم غسل شقه الأيسر، وحرص على إيصال الماء إلى فروة رأسه. فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أن تحت كل شعرة جنابة، وأمر عليه الصلاة والسلام بقوله وفعله أن يستوعب الرأس من الماء، حتى أنه أمر ذلك حتى في الميت أن يفاض الماء حتى يظن أنه قد وصل إلى فروة الرأس وبشرة الرأس. وهكذا كذلك إذا فعل هذا فإنه يختم ذلك بغسل رجليه إذا أراد أن يخرج من الخلاء. قال العلماء: وفي هذا حكمة، أنه ما قد يبقى على الأرض في موضع الاغتسال من فضلات أو غير ذلك، يكون تنقيته بتأخير غسل رجليه. فهذه على وجه الاختصار صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم التي ينبغي لأهل الإسلام أن يحرص عليها كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن لم يتيسر له الوضوء أو الغسل لمرض، إما لخوف المرض لضعفه مع شدة البرد، أو وجود بعض آثار المرض، أو لكونه مريضاً فيخاف زيادة المرض، أو لكونه مريضاً لا يستطيع مس الماء، أو كذلك إذا فقد الماء، أو لأي معنى بمعنى هذه المعاني الأربعة، فإنه يجوز له الانتقال إلى التيمم. فبين ربنا جل وعلا فيما تقدم أنه يجوز للمسلم إن كان مريضاً أو عدم الماء أن ينتقل إلى حكم التيمم. وذلك كما جاء في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر، وجاء عن غيره بمعناه، أن يضرب الأرض ضربة واحدة، يمسح وجهه وكفيه، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن ذلك يجزئه عن الوضوء أو الغسل، بالقيام بحكم التيمم. فإن ذلك رخصة وتيسير من الله عز وجل. فمن كان لا يستطيع استعمال الماء، ولا يستطيع أن يمسك تراب، فإنه يجوز له أن يصلي باستباحة الصلاة، وهو لم يتوضأ وكذلك لم يتيمم، كالرجل الذي أصيب بالحريق، فإنه لا يستطيع أن يمس الماء، وهو في نفس الوقت لا يستطيع أن يمسح على جسده بسبب الحريق، بما هو بالتراب أو بمعناه. فعند ذلك يجوز له أن يصلي بغير الماء وبغير التيمم. وهذا ما يسميه العلماء بفاقد الطهورين. ومثله من حجز فلم يستطع أن يتوضأ أو يتيمم، فلا يترك الصلاة، بل يصلي لقول الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فليصلي على حالته. وقد جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أنهم حين افتقدوا الماء، ولم ينزل حكم التيمم، لم يتركوا الصلاة، بل صلوا بغير طهارة. وجاء معناه في الصحيح من حديث عمار رضي الله عنه. قال العلماء: وفي هذا دليل على حكم صلاة فاقد الطهورين. فمن افتقد الماء والتراب، أو لم يستطع استعمال الماء والتراب، فإنه لا يجوز له أن يترك الصلاة، بل يصلي ولو بغيرهما، لما سمعتم. وهكذا تعرف أخي المسلم أهمية التفقه في دين الله، وتيسير الله عز وجل لعباده، وهو القائل: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.