الثوابت في علاج الفتن

الخطبة بعنوان الثوابت في علاج الفتن، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الجمعة 11 رجب 1433هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

واجب المسلمين تجاه الفتن والمحن

يجب على المسلمين التعاون في مواجهة الفتن والمحن ومراعاة أمور عظيمة مثل تحمل المسؤولية وعدم الإضرار بالآخرين. كما يجب الالتزام بطاعة الله والتوبة من الذنوب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أسباب النجاة من الفتن والمحن

التمسك بدين الله والاعتصام بحبله يحقق السلامة من الفتن والمحن من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والصبر. كما يجب الالتزام بأوامر الله وسنة نبيه والاحتكام إلى شرعه.

دور العلماء والحلم في حفظ الأمة

يُشدد على أهمية الحلم والصبر عند الفتن، ويبرز دور العلماء في حفظ الأمة من خلال العمل بالعلم والابتعاد عن إثارة الفتن. يُوصى بالصبر والحكمة في التعامل مع المحن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن أمتنا تمر بفتن ومحن عظيمة متتالية متتابعة، لو أن إنسانًا أراد أن يصفها بقلمه لكلا قلمه عن وصف ما يذكر، ولو أراد أن ينعتها بلسانه لعجز، مهما بلغ في بلغته، أن يصف وينعت تلكم الفتن والمحن. فتن في أديان الناس وعقائدها وعباداتها، وفتن في دمائها وأموالها وأعراضها، وفتن تتعلق بأحوال أفرادها ومجتمعاتها، فتن كثيرة. عباد الله، كل ذلك مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن هذه الأمة جعل عافيتها في أولها، وإنه سيكون في آخرها من الفتن والمحن الشيء الكثير. فلذلك، عباد الله، يجب على أهل هذا الدين العظيم أن ينظروا إلى ما وجهوا به في دين الله جل وعلا تجاه هذه الفتن والمحن. ومن أعظم الوصايا التي نتواصى بها عند حلول الفتن والمحن، وأعظم الحلول التي ينبغي أن نتعاون عليها، أن نراعي في ذلك أمورا عظيمة. أولها أن نتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته». هذا الحديث العظيم الذي جعل لأهل الإسلام قاعدة عظيمة وثابتة قوية من ثوابت هذا الدين العظيم، إذ يشعر كل فرد من أفراده أنه يتحمل من المسؤولية، وأن عليه من الواجب ما على غيره، بحسب رعايته وولايته وبقدر استطاعته وكذلك قوته. فإنه يجب عليه أن يدفع عن الإسلام والمسلمين، وأن يبدل القليل والكثير فيما يكون حفظ هذه الأمة من تلك الفتن والمحن، في نفسه وفي مجتمعه وفي أسرته. وهذا واجب يجب على كل مسلم ومسلمة، وعلى كل صغير وكبير. فإن أهمية الاعتناء بحفظ المجتمعات واجب الجميع، فكل يجب عليه أن يؤدي ما أمره الله عز وجل به. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر، كما في صحيح مسلم وغيره، حين وصف ما تصل إليه الأمة وما تبتلى به في آخر أمرها من الفتن، أن يلزم المسلم ما يجب من دين الله، وأن يأتي الناس بما يحب أن يؤتى، وأن يأتي الناس بما يحب أن يؤتى. فإن ذلك من الوصايا العظيمة عن نبينا صلى الله عليه وسلم. فلا تنظر إلى خاصة نفسك ومصالح شخصك، ولكن انظر إلى ذلك بميزان العدل الذي أمر الله عز وجل به وتقتضيه الفطر السليمة والعقول الصحيحة. ومن هذه الأصول والثوابت التي نتواصى بها عند حلول الفتن، أن نعلم عباد الله أن ما أصابنا في ذلك فهو من ذنوبنا ومعاصينا. وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن من أعظم أسباب دفع الفتن لزوم طاعة الله والتوبة من جميع الذنوب والمعاصي، الراعي والرعية والفرد والمجتمع. أن نحرص جميعا على دفع أسباب غضب الله ونقمته، وما يكون به البلاء والفتن والمحن. وقد صح بالصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل هذه الأمة القائم بدين الله وحدوده والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا فلم نؤذي من فوقنا. قال: فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعا، ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعا. ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. فإن الفتن، عباد الله، قد تكون ببعض أفرادنا وقلة في مجتمعنا، ولكن ذلك يؤول أمره إلى خسارة المجتمع بأسره والأمة كلها، بما يكون من التفريط في هذا الباب. ومن ذلك نعلم عباد الله واجب هذه الأمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك من أعظم ثوابت هذا الدين وأصوله، به تدفع النقم، وبه كذلك تحفظ المجتمعات من الفتن. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فإن خيرية هذه الأمة يكمن بلزوم هذا الدين، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلم. فيجب على جميع أفراد المجتمع، الراعي والرعية، أن يحرص على هذا الثابت العظيم، ويبذل بكل ما أعطاه الله، ويراعي تلك الرعاية التي يقدر عليها في دفع الفتن والمحن عن هذه الأمة، بالتواصي بالخير والأمر به والتناهي عن المنكر والتحذير منه. فإن ذلك من أعظم أسباب النجاة من الخسارة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. وهكذا يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾. فإن من أعظم أسباب رحمة الله تحقيق هذه الخصال المذكورة في هذه الآية العظيمة، ومنها أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. ومن ثوابت هذا الدين والوصايا العظيمة التي نتواصى بها في دفع الفتن والمحن، أن نحرص أيها المسلمون على الاعتصام جميعا بحبل الله جميعا، وأن لا نتفرق. فإن ذلك من أعظم أسباب دفع الفتن والمحن، فبه تكون هداية هذه الأمة لما فيه خيرها في دنياها وفي دينها. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. فإن من أعظم أسباب الهداية في الدين والدنيا والتوفيق للسلامة من الفتن والمحن، الاعتصام بحبل الله جميعا. أن نعتصم جميعا على حبل الله. وفي قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ بيان واضح، وهكذا كذلك دعوة أكيدة لكل من له معرفة وبصر، أن من أسباب النجاة من الفتن الاعتصام بحبل الله، أي دينه وشرعه. فالحبل السبب الذي يوصل إلى الله سبحانه وتعالى. وبه نعلم كذلك أن من أعظم أسباب دفع الفتن والمحن، استمساك هذه الأمة بأوامر ربها وبسنة نبيها صلى الله عليه وسلم. فإن ذلك من أعظم أسباب النجاة من الفتن والمحن. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فمن أراد الخير وأحسن التفسير والتأويل الذي يكون به صلاح وسلامة هذه الأمة، فعليه رد كل متنازع فيه إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا فعلنا ذلك، عصمنا بفضل الله جل وعلا ومنته من الفتن والمحن، ووفقنا لما فيه الخير لنا في الدين والدنيا. تأملوا إلى قريون كثيرة مرت بهذه الأمة، شرقت فيها وغربت، اتبعت سياسات شرقية وغربية وثقافات كفرية وجوربة، وسياسات كذلك من سياسات المنافقين. فماذا أذمرت لهذه الأمة إلا ضياع في مستقبلها، وفقر في اقتصادها، وتشتت في جمعها، وغير ذلك من الثمار والنتائج السيئة التي فيها عبرة وعظة لكل عاقل من الرعاة والرعية. أن الحل الأمثل، وأن الطريق الصحيح الذي يكون به أخذ هذه الأمة إلى ما فيه سلامتها وكمالها في الدنيا والآخرة، أن تسلك ما أمر الله عز وجل به من أمر الاستمساك بهذا الدين العظيم. أن نكون عبادا لله وجندا من جند الله. وقد قال الله عز وجل الله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾. وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها بيان حسن عاقبة أهل الإيمان، إنهم استمسكوا بهذا الدين العظيم. وعند الحاكم وغيره من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدا: كتاب الله وسنتي». وعند أبي داود وغيره من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه بإسناد حسن، قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». عباد الله، إننا متى ما تمسكنا بدين الله جل وعلا، وفقنا إلى ما فيه الخير لنا، لأن الله الذي خلق الخلق يعلم ما يصلحهم، وهو القائل سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وأما إذا أخذنا بآرائنا وعقولنا، وغلبت علينا شهواتنا وعواطفنا، فعند ذلك يحصل من التنازع ومن التفرق، ومن كذلك البغي والعدوان، ما يكون به الشر في عاجل هذه الأمة وآجلها. وأما إذا احتكم الجميع لحكم الله وخضع لشرع الله ودينه وأمره ونهيه، عند ذلك تتصاقط تلك الأهواء وتتناثر تلك العواطف، وتقف تلك الشهوات عند أمر الله وشرعه. فلا يحصل من البغي والعدوان والأذرة والظلم ما هو من أعظم أسباب الفتن والمحن. فلذلك، عباد الله، دعوة صادقة منا جميعا أن نحكم شرع الله تحكيما صادقا صحيحا في أنفسنا وفي أسرنا وفي مجتمعاتنا. فبذلك يكون الخير لنا في عاجل أمرنا وآجله. ومن هذه الثوابت، عباد الله، التي نتواصى بها في هذا المقام، أمر بعضنا بعضا بالرفق والحلم والصبر عند الفتن. فإنه من أعظم أسباب السلامة من الفتن والمحن. والعجلة والشدة والسرعة من أعظم أسباب زيادة الفتن وكثرتها. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث عائشة: «إن الله رفيق يحب الرفق، وإنه لا يعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة». وفي صحيح مسلم عن عمر بن العاص في ذكر بعض الأمم التي تنجو ويكون لها البقاء، أنها أحلم عند فتنة. فإن الحلم عند الفتن من أعظم الأسباب التي تكون به السلامة، ويكون به كذلك العزة لأمة من الأمم، ولو كانت كافرة. فكيف بأمة قد وفقها الله عز وجل لنعمة هذا الدين العظيم؟ بل ربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم، آمرا عباده بالمحافظة على الصلاة والزكاة، ويقول بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فمعية الله الخاصة مع الصابرين الذين يصبرون ويلزمون ما أمر به من الحلم والرفق والصبر، خصوصا عند الفتن. فإن ذلك من أعظم أسباب النجاة من الفتن والمحن وشرها. ومن هذه الثوابت، عباد الله، أن نعلم منزلة العلماء في هذه الأمة. فمنزلتهم عظيمة في دين الله جل وعلا. فللعلماء منزلة عظيمة، فهم ورثة الأنبياء. فالأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكنهم ورثوا العلم. فالعلماء ورثوا الأنبياء. وقد أمر ربنا جل وعلا بالرجوع إليهم. قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فالعلماء، وعباد الله، صمام أمان لهذه الأمة، يحفظونها مما قد يرد عليها من أمور تضرها، بسبب كفر الكافرين ونفاق المنافقين وظلم الظالمين وبغي الباغين وإفساد المفسدين. فبالعلم النافع وبالدين القوي تدفع هذه الفتن والمحن، بإرجاع هذه الأمة إلى ما فيه سلامتها وما فيه كذلك خيريتها. العلماء الربانيين الذين لا يريدون من الناس جزاء ولا شكورا، لا هم الذين يطمعون في السياسات ولا الكراسي ولا المناصب، ولا كذلك شيئا من الدنيا. لا يرغبون بالسيارات الفارهة ولا القصور الفاخرة، ولا غير ذلك من أمور الدنيا. بل عرفهم الناس بتمسكهم بدين الله، وتعليمهم الأمة دين الله جل وعلا وشرعه، من دون أن يطلبوا أو يأخذوا منهم جزاء ولا شكورا. عرفهم الناس بحرصهم على التمسك بالدين في أنفسهم، ودعوة المجتمعات إلى ذلك. فما كان كذلك، فهم أهل لأخذ هذه الأمة إلى ما فيه سلامتها، وما فيه عزها في عاجل أمرها وآجلها. عباد الله، إن الثوابت والوصايا في هذا المقام كثيرة، ولكن فيما ذكر غنية في مثل هذا المقام. نسأل الله جل وعلا أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بديننا، وأن يردنا إلى الحق ردا جميلا. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإما مما يناسب ذكره في هذا المقام، أن يوصي بعضنا بعضا بأمر لزوم العمل بالعلم. فإن العمل بالعلم من أعظم الأمور التي يكون بها السلامة في الدين والدنيا. فما أكثر الوصايا التي نسمعها والنصائح التي نتعظ بها، ولكن القليل من الناس من يثمر ويتبع ذلك العلم بالعمل. عباد الله، إن الواجب علينا جميعًا أن نعمل بما علمنا من العلم، كلٌ بحسبه وبما يجب عليه. فتارة يجب علينا العمل بالعلم بمقتضى ما علمنا من إرجاع الأمور إلى أهلها، وتارة يكون بعدم الخوض في الفتن والاستشراف لها. فلا تشارك في إثارة الفتن وزيادتها، لا بكلمة ولا بكتابة ولا بدرهم ولا بموقف ولا بغير ذلك. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وصيته هذه الأمة بعدم الاستشراف للفتن. فالقائم فيها، فالقاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي. من استشرفها تستشرفه. فقد نصحت هذه الأمة بنصيحة نبينا ووصيته ألا تستشرف لهذه الفتن بقليلٍ ولا كثير. فإن من العمل بالعلم ألا يستشرف أحدٌ منا لهذه الفتن. ومن ذلك، عباد الله، ألا نعين على زيادة شر هذه الفتن بزيادة نارها بوضع الحطب فيها. وذلك أن بعضنا ربما يزيد في نشر الأكاذيب، ونشر كذلك الأخبار، وتناقل الكلمات التي يكون بها الشر في أمر هذه الأمة وفي مستقبلها. فالواجب على الجميع أن يلزم الصمت، وأن يلزم الهدوء، سواء كان صمتًا لسانيا أو صمتًا كذلك جسديًا. يلزم ما أمره الله عز وجل به من الاستمساك بدين الله جل وعلا وشرعه. ومن ذلك كذلك أن نفرق بين مواضع الفتن ومواضع التعاون على البر والتقوى. فهناك مواضع يجب على جميع المسلمين أن يفزوا، وأن يتناصروا فيما يكون به نصرة هذا الدين وحماية الحمى عن هذه الأمة، بما يكون في حفظها وعزها. فإن ذلك من العمل بالعلم. فإنا إذا دعينا إلى النصرة، وجب علينا أن نناصر، وذلك كذلك بالعلم. فالإحجام بعلم، والإقدام بعلم، وكل ذلك طلبا لطاعة الله وابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى. فعند ذلك يحصل التفريق بين المفرطين والمترطين في هذا المقام، ويعلم كذلك الصواب والواجب الذي يكون به ما يجب من أمر نصرتها أهل هذا الدين، وما يكون به عزة هذه الأمة. الله الله، عباد الله، في الحرص على العلم النافع والعمل به. فإن ذلك من أعظم أسباب سلامة هذه الأمة من هذه الفتن والمحن. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لما في صلاح ديننا ودنيانا، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.