وقفة مع الأحداث خطبة جمعة 17 محرم 1429هـ

الدرس في وقفة مع الأحداث خطبة جمعة 17 محرم 1429هـ، وقفة مع الأحداث خطبة جمعة 17 محرم 1429هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم الدماء وأحكامها في الإسلام

يتناول تحريم الدماء في الإسلام وحرمة دم المسلم والكافر المعاهد أو الذمي. يشدد على احترام العهود والأمانات.

تحذير من انتهاك الدماء المحرمة والإرهاب

يُحرم قتل الأنفس المحرمة ويُحذر من أفعال الجماعات الإرهابية التي تنتهك هذه الدماء وتزعم أنها من الإسلام.

أهمية الجهاد والرجوع إلى الشريعة الإسلامية

الجهاد في سبيل الله يحقق عزة الإسلام وحماية مقدسات المسلمين، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله يمثل المخرج من الفتن.

دعاء للتوفيق والصلاح

يتضمن المقطع دعاء للتوفيق بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله وإصلاح أحوال الأمة وتوجيه ولاة الأمور لما فيه خير البلاد والعباد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا جعل لعباده من الآيات الكونية العبر والذكرى والعظات والدروس والمذكرات، لعل الناس يتذكرون ويتعظون ويرجعون ويعتبرون بما أنزل الله عز وجل عليهم من شريعةٍ ودين، وما بث فيهم مما يدل على صراطه المستقيم ودينه القويم. لو أن الناس يعقلون ويتعظون ويتذكرون. عباد الله، إن أحداثاً قريبة تمر بنا حولنا فينا، وهكذا كذلك عمن بعد عنا، يجعل الله عز وجل فيها الآيات والعبر، ويجعلها الله جل وعلا مذكرات لعل الناس يرجعوا إلى دينه القويم وصراطه المستقيم. وإن المسلم يقف مع هذه الأحداث مستفيداً ومتعظاً، وهكذا معتبراً ومتذكراً، وراجعاً إلى الله جل وعلا ومخبتاً إليه ومنيباً إليه سبحانه وتعالى. وهذا من حكمة الله جل وعلا في بعض ما يمره بالناس من آيات ومحاً وفتاً وأحداث وعظات ومذكرات. عباد الله، حدثين اثنين قريبين، حدث لطالما مر مثله، وهكذا نسمع بين الحين والآخر، ونقرأ بين الفينة والأخرى، شيئاً من تلك الأحداث التي لا يقرها شرع ولا دين، ولا يرتضيها أحد من ذوي العقل السليم والفطر المستقيمة. إنه أمر ترويع الآمنين، وانتهاك حرمات دماء من أمن الله عز وجل وحرم دماءهم. نعم، عباد الله، ينبغي أن نعلم ويتكرر هذا في فهمنا ويمر في خواطرنا وذاكرتنا أن للإسلام أحكاماً شرعية وحدوداً حدها، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله. وليس الحلال والحرام بما تهوى عقولنا وعواطفنا، ولكن الحلال بما أحله الله، والحرام بما حرمه الله. ومن ذلك، عباد الله، أن نفس المؤمن محرمة في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا ما دل الدليل الشرعي على استحلاله بدليله وبموضعه الذي أحله الله جل وعلا. كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والمفارق لدينه التارك للجماعة». فلا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث بنص كتاب الله ونص سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك، عباد الله، نفس الكافر، كذلك منها ما هي محرمة بنص الكتاب والسنة، ومنها ما هي نفس المحارب التي أحل الله عز وجل إزهاقها رفعاً لكلمة لا إله إلا الله، وإبعاداً لحجر عثرة يقف في نصرة هذا الدين وبقائه. قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. فأبان لنا ربنا جل وعلا أن الكافر يقاتل حتى يعطي الجزية عن يد وهو صاغر. وهذا أحد ثلاثة أصناف من الكفار حرمت دماؤهم في دين الإسلام. أولهم الذمي، وهو الذي يدفع الجزية لأهل الإسلام، ويعيش بين ظهراني المسلمين في الوصف الشرعي الذي أحله الله له. وهكذا كذلك، وشروط أهل الذمة التي ذكرها علماء الإسلام في كتب الفقه والحديث وغير ذلك. وهكذا صنف ثاني، عباد الله، من الكفار الذين حرم الله دماءهم، هم من كان بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق. فإن الله جل وعلا أمرنا في كتابه بوفاء المسلم والمؤمن بالعهد والميثاق، وأن لا ينقض عهداً ولا ميثاقاً بنص كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. بل إن نبينا صلى الله عليه وسلم حذر أشد التحذير من قتل من كان هذا حاله. ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهداً لم يجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليبعد أربعين عاماً». وعند بعض أهل السنن من حديث أبي بكرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهداً في غير كنهه، حرم الله دمه». فإن هذه الروايات تدل أن المعاهد إذا لم ينقض العهد والميثاق، وجب على أهل الإسلام جميعاً، الراعي والرعية، أن يوفوا بهذا العهد والميثاق بنص كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وحذر ربنا جل وعلا ونبينا عليه الصلاة والسلام، كما سمعتم، من نقض هذا الميثاق والعهد، فإن ذلك شديد أي وعيده وعاقبته عند الله سبحانه وتعالى. وهكذا صنف ثالث، عباد الله، من هؤلاء الذين حرم الله دماءهم، وهم من الكفار، إنه من دخل إلى بلاد الإسلام بأمان، فوجب على أهل الإسلام استيفاء ما يستحق من وضع الأمان له. ففي الصحيحين من حديثي جاء معناه عن علي في قصة أم هان، أنها أمنت رجلاً مشركاً في عام الفتح، فأراد علي رضي الله عنه أن يقتله، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «قد أجرنا من أجرتي يا أم هانئ». واستدل به العلماء، وغيره من الأحديث الأخرى، على أن من دخل إلى بلاد المسلمين لحاجة أهل الإسلام له، أو كذلك لأي مصلحة ولو دنيوية، دخل إلى بلاد المسلمين بأمان، وجب على جميع المسلمين حفظ هذا الأمان لهذا الداخل الكافر، ولو كان أصله حربياً، ولو كان أصله حربياً، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو معنى من معاني الميثاق والعهد الذي يكون لآحاد المسلمين. فإن أهل الإسلام ذمتهم وعهدهم تكون على جميعهم، كما جاء معناه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن قتل هذه الأنفس المحرمة كلها محرمة في دين الله بنص كتاب الله وسنة رسوله، ويدخل ذلك في عموم ما نهى عنه من قتل الأنفس بغير حق. فإن ذلك يدخل في معنى هؤلاء الأصناف الأربعة من أهل الإسلام، وهكذا كذلك الكفار الذين حقن الإسلام دماءهم بهذه الأوصاف الشرعية التي سمعتموها. فإذا كان كذلك، عباد الله، فإن قتل الأنفس بهذا الوصف حرام حرام في دين الله عز وجل، وهو مخالف لنص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو موجب لبغض الله وغضبه. ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أبغض أو يبغض ثلاثة، وذكر منهم: ورجل مطلب دم امرئ بغير حق». فدخل في ذلك المؤمن والكافر الذي حرم الله دمه. فإذا علمنا ذلك، عباد الله، علمنا أنه ليس من الإسلام في شيء ما يفعله بعض الناس بأوساط المسلمين، سواء ممن ينتسبون إلى المسلمين، ولو إلى بعض الجماعات التي تنتسب إلى الإسلام، والإسلام منها براء. كمن تسمي نفسها بجماعة الهجرة والتكفير، أو كذلك غير ذلك من المسميات التي بمعناها. فإن أفعالها بعيدة كل البعد عن دين الله جل وعلا وشرعه، والإسلام من ذلك بريء. وهكذا كذلك ما قد يفعله بعض أعداء هذا الدين، وأذنابهم، وأصابعهم الخفية في مجتمعات المسلمين، يريدون إثارة الفتن، وإظهار العوغاء، وزعزعة الأمن من بلاد الإسلام، بهذه الأحداث التي يبتغى من ورائها إضاعة أمن البلاد والعباد، وكثرة انتشار الفتن، ودرائع يتوصلون بها إلى ضياع الأمن من بلاد أهل الإسلام. فالحذر الحذر، عباد الله، من هذه الأفعال، أن نقرها بخواطرنا، أو كذلك نفرح بها بألسنتنا وقلوبنا، لأنها ليست من دين الله جل وعلا في شيء، وهي سبب لخسارة الدين والدنيا معاً. ليس فقط، يا عباد الله، خسارة الدنيا، بل خسارة الدين، خسارة الدين والدنيا معاً. أما الدين، بالخروج عن حدود الله، والوقوع فيما حرم الله. وأما الدنيا، بما يكون من عاقبة غضب الله وصخته. وقد حذرنا ربنا جل وعلا من ذلك بقوله: ﴿فَيُحَذِّرُ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وكما قال ربنا سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. فاحذر، يا عبد الله، أن تكون ممن يجلب على نفسه وإخوانه الشر في هذا المجتمع الآمن المطمئن. واعتبر بمجتمعات قريبة منك، كيف كان حالها حين زال الأمن من تلك البلاد، وكيف صار مآلها حين تراحر الناس بعد ضياع الأمن. فإنه أمر فضيع لو تأملت وتدبرت وتعقلت. وفي هذا المقام، حدث آخر يذكرنا بموقفين متناقضين لطرفين قيد في فهم قضايا هي من قضايا هذا الدين، يتحدثون فيها بما لا يعرفون، ويتكلمون بما يهرفون، وهم عن دين الله جل وعلا في أبعد البعد. إن معنى الإرهاب، عباد الله، معنى أوسع ممن حصر في أذهان بعض الجاهلين ممن يتكلم به. فالناس فيه على طرفين قيد ووسط. قوم أنكروا وجوده، وكذبوا الواقع والحسن، وربما فعلوا أشياء ليست من دين الله جل وعلا، وزعموا أنها من دين الله، والإسلام منها بريء. كأفعال تلك الفرق التي تنتهك دماء الكفار المستأمنين والمعاهدين والذميين. وكل ذلك حرام، كما سمعنا قليل من كثير من الأدلة الشرعية. وهكذا ربما استحلوا مع ذلك، وهذا من تناقضهم وخروجهم، وبيان كذلك جهلهم بشريعة الله، ربما استحلوا بعض دماء المسلمين، كما فعل في هذا الحادث قتل بعض الكفار ومعهم بعض المسلمين. فأين هم من الوعيد الشديد في كتاب الله وسنة رسوله؟ فإن قتل النفس المحرمة، ولو كانت كافرة، حرام، وكبيرة من الكبائر، ما دامت من الأنفس المحرمة. وقتل نفس المؤمن أعظم من ذلك وأشد، كما بيّن ربنا جل وعلا ذلك في آيات كثيرة. كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. انظر إلى هذا الوعيد المتعاقب الشديد في حق من قتل مؤمناً متعمداً. وهكذا كذلك يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يسفك دماً حراماً». أي دم حرام، ولو كانت دم كافر حرم الله دمه. ودم المسلم أشد عند الله سبحانه وتعالى. ودم المسلم أشد عند الله سبحانه وتعالى، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر، وأصله بصحيح مسلم. وجاء عند بعض أهل السنن في التشديد في نفس المسلم والمؤمن، فإن أمرها شديد عند الله جل وعلا، وأمر الدماء كله شديد. ولهذا أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء. وانظر إلى أفعال هؤلاء، وهم يستحلون أنفس المؤمنين، وربما يجاهرون في ذلك عياناً جهاراً، كما بين ذلك بعض قادتهم، قادة السوء، وهو أيمن الظواهري، يقول في أحد بياناته في جريمة أرادها بأحد رؤساء وزراء الدول العربية، وكانت فاشلة، فقتل على إثرها طفلة يقال لها شيما، عمرها خمس سنوات، فقال: «إن عملياتنا لا تفرق بين مسلم وكافر، ما دام المقصود هدفاً معقولاً أو مشروعاً كما زعم». وما ذلك إلا قليل من كثير مما يدلك على جهل هؤلاء بالثوابت الشرعية. وفي مقابل هؤلاء، عباد الله، أولئك الذين يحاربون الإرهاب، فينفون معه ثوابت شرعية من دين الله جل وعلا، وينسبون كل باطل إلى كل من ينتسب إلى الإسلام بصلة. فربما صارت اللحية عنوان الإرهاب، والعمامة والثوب عنوان الإرهاب. وهكذا يحاربون كل من يتصل إلى الإسلام بصلة. وهؤلاء أكثرهم ممن هم في براءة من دين الإسلام بلسان الحال أو بلسان المقال، وهم من أعداء هذا الدين وأفراخ الأعداء، علموا ذلك أو لم يعلموا. فينبغي أن نحذر من هؤلاء، فإن هؤلاء صنف آخر، هم أعداء أهل الإسلام كذلك، وهم أيدي خفية تفسد على المسلمين إسلامهم. فهم لم يرضوا بالله ربا، ولا بالإسلام دينا، ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، ذلك بقرارة ألسنتهم أو بما في أنفسهم. ويعلم ذلك من لحن قولهم. وجاء عن نبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة». قال أبو سعيد: فأعجبني ذلك، فقلت: أعد علي يا رسول الله. قال: «من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والجهاد في سبيل الله». أي في فضله. ثم قال: «وأن الجهاد في سبيل الله من فعله، فإن الله يرفعه مئة درجة، بين الدرجة والدرجة ما بين السماء والأرض». وهؤلاء أول ما ينكرون من دين الله عز وجل الجهاد. أول ما ينكرون من دين الله عز وجل، عباد الله، الجهاد. فإن معنى الجهاد في دين الإسلام له معنين اثنين: الجهاد الشرعي الصحيح الذي هو من ثوابت هذا الدين، والذي به يكون عزة الإسلام، والذي به تحمى مقدسات المسلمين، والذي به يحافظ أهل الإسلام على حقوقهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم، وبه يدحر أعداء هذا الدين. وهذا شيء مشروع بشروطه وثوابته الشرعية الصحيحة. ومعنى آخر للجهاد، معنى فاسد لا يقره الإسلام، وهو ذاك المعنى الذي سلكه أهل دعوة الهجرة والتكفير. فليس هذا من الجهاد في سبيل الله، لكن الجهاد في سبيل الله أصل أصيل ثابت بشروطه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وهكذا الأحاديث بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة. ولكنه بشروطه الشرعية، وأعدت لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم. فإن الشروط الشرعية من إعداد العدة الحسية والإيمانية، وهكذا مراعاة المصالح والمفاسد مما يوجبه دين الإسلام كذلك. فإذا كان كذلك، فانظروا إلى بعض الأحداث المعاصرة، ومن ذلك ما يقع لإخواننا في فلسطين في هذه الأيام. انظروا لتعرفوا معنى وجود الجهاد في سبيل الله في دين الله وبين أهل الإسلام. فتعرفون عند ذلك كيف تحمى حقوق أهل الإسلام، وكيف تبقى مقدساتهم، وكيف تحقن دماؤهم وأموالهم وأعرابهم. فإنهم إن لم يقيموا دين الله جل وعلا على الوجه الشرعي الصحيح، فطاول عليها أعداء هذا الدين، فانتهكوها وأذلوا أهل الإسلام. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول، كما جاء عند أحمد وأبي داود وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم عدوكم، وجعل فيكم الذلة حتى تراجعوا دينكم». أو كما قال عليه الصلاة والسلام: «يسلط علينا الذل، ويتسلط علينا الأعداء، بما يكون من انحرافنا وعدم قيامنا بدين الله، حتى نراجع ديننا». فنسأل الله جل وعلا أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد، عباد الله، بعد إذ علمنا ما علمنا، أن دين الله بين الغالي والجافي، بين الغالي فيه والجافي عنه. فدين الله وسط، ولكنه وسط بنصوص الشرع، لا بالعقل والعاطفة. وكذلك جعلناكم أمة وسطا، أي وسط بما جعل الله جل وعلا من الشرع والدين، كما جاء بالصحيح من حديث أبي سعيد أن هذه الأمة هي العدل الخيار، اختارها الله جل وعلا بأكمل دين، ختم الله به الأديان، وبخاتم الأنبياء والمرسلين، ختم به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. فإذا كان كذلك، فإن المخرج من هذه الفتن، وهذا الذل والصغار الذي أبتليت به أمة الإسلام، هو بالرجوع الصحيح إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن أهل الإسلام، إمامهم ومأمومهم، راعيهم ورعيتهم، كلهم في غناء عن معلومات وأفكار وثقافات شرقية أو غربية. بل عندهم ما يعتزون به ويفتخرون به، ولهم به العزة في الدنيا والآخرة، إنه دين الإسلام بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا إن المخرج من هذه الفتن، فتن أهل التكفير، وفتن تسلط أعداء الإسلام على المسلمين، كذلك بالقيام بدين الله جل وعلا، بعد الإذعان والخضوع له، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن ذلك بعد الإيمان بالله جل وعلا وتوحيده وإخلاص الدين له، سبب لضفر الأمم وانتصارها وحياتها الطيبة. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وغير ذلك من الآيات. وهكذا كذلك، عباد الله، من ذلك أن نعلم أن مفهوم الإسلام صار في الناس شذر مدر. صار في الناس شذر مدر. فإن له في ذلك معاني فاسدة، إلا من رحم الله. فإن تصور الإسلام الصحيح الذي كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، صار منحرفاً عند الكثير من المسلمين، إلا من رحم الله. فإذا كان كذلك، علم أنه وجب على الراعي والرعية التوجه إلى علماء أهل السنة والجماعة، الذين عرفوا بالرسوخ في علم الكتاب والسنة، وهكذا كذلك بالفهم الصحيح له، والعمل الصادق فيه. لم تعرف لهم تناقضات، ولم يعرف لهم مجاملات، ولم يعرف لهم ميل لا إلى جهة شرقية ولا غربية، ولا داخلية ولا خارجية. ولكنهم يبذلون دين الله، يبتغون الأجر من الله جل وعلا. إن نصرة هذا الدين لا تكون بتفكيرٍ سطحي من تفكير عباد القبور، ومتصوفةٍ دينهم من حصر فيما هو منافي للدين، عقيدةً وعبادةً، فضلاً أن يكون سبيلاً لحل المعضلات والمشكلات، والأخذ بها للأمة من فتنها ومحنها إلى ما يكون به سلامتها وعافيتها. وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وهكذا كذلك لا تكون لأناسٍ متلونين مخادعين ماكرين، يظهرون الأمن ويبطنون البطشة وسفك الدماء واستحلال الأنفس والأعراض. وهكذا كذلك لا تكون عند قومٍ لهم ميولون شرقي أو غربي، من أذيال الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين والوثنيين. فإن هؤلاء لا يؤمنون على عقيدة، ولا على عبادة، ولا على مقدسات، ولا على حقوق، ولا على دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم. فهم في استعداد تام أن يبيعوا الدنيا والدين في مقابل شيء من متاع الدنيا الفاني، إما منصب أو جاه أو كرسي أو غير ذلك من متاع الدنيا الفاني. هم مستعدون أن يضحوا مقدسات الإسلام، وبحدود الله، وشريعة الله، في مقابل أن يبقى لهم شيء من التمكين في هذه الدنيا. كيف يؤمن هؤلاء أن يتكلموا في أمر أمة لها صلة بربها وبنبيها وبثوابت دينها؟ إن هذا لا يكون، عباد الله، إلا عند علماء أهل السنة والجماعة، الذين يأخذون الناس ويوجهونهم التوجيه الصحيح، بعيداً عن إفراط المفرطين والتفريط المفرطين. فدين الله جل وعلا بين الغالي والجافي. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم للتمسك بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يصلح أحوال أمتنا، وأن يأخذ بنواصي أمتنا وولاة أمورنا لما فيه صلاح العباد والبلاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.