الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 1، الدرس الأول:من( كتاب الجهاد ... وهذا نص في وجوبه مع الإعسار بخلاف الحج هذا كله في قتال الطلب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح وجوب الجهاد بالمال على من يعجز عن الجهاد بالبدن وتفصيل ذلك في حق النساء والصغار. الوجوب يختلف باختلاف كون الجهاد واجبًا كفائيًا أو عينيًا.
يناقش ترتيب الواجبات وتقديم بعضها على وفاء الدين مثل الجهاد فرض عين ونفقة النفس والزوجة والولد الفقير. تقديم بعض الواجبات على غيرها حسب الأولوية والضرورة.
يتناول شروط وجوب الجهاد العيني ومسألة العجز في الوصول إلى مكان الجهاد. عدم وجود الزاد والراحلة أو الأمن في الطريق يمكن أن يسقط الوجوب العيني.
يشير إلى ضرورة التأمل في ما تم أخذه ويختتم بالتأكيد على وقف الدرس مع الدعاء بالخير للمستمعين. التأكيد على أهمية التأمل في الدروس المستفادة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال كتاب الجهاد. ونحن في هذا الكتاب لاختيارات الفقهية، وهذا كتاب الجهاد منه. قال رحمه الله: كتاب الجهاد، قوله: كتاب الجهاد، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الجهاد. والجهاد هو التعبد لله عز وجل ببذل الجهد في قتال الكفار، التعبد لله ببذل الجهد في قتال الكفار. قال: ومن عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله وجب عليه الجهاد بماله، وهو نص أحمد في رواية أبي الحكم، وهو الذي قطع به القاضي في أحكام القرآن في سورة براءة عند قوله: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾، فيجب على الموسرين النفق في سبيل الله. وكما مر معنا في كتب وأبواب سابقة في هذا الكتاب، المؤلف رحمه الله جامع الكتاب من أصل هذا الكتاب، إخراج ما نقل عن شيخ الإسلام في المسائل الخلافية، وهذا معنى الاختيارات، أي مختاره مما وقع فيه الخلاف. هذا أمر، وأمر آخر أنه ينقل ما وقف عليه وما تيسر له مما نقل عن شيخ الإسلام. وبهذا نعرف ولا نستغرب كيف بديء هذا الكتاب بهذه المسألة، لأنه قد يقول قائل: هناك مسائل كثيرة ربما يكون ذكرها مهم في أوائل هذا الكتاب. فالجواب لهذين الأمرين السابقين: كان الابتداء بمثل ذلك لأنه لا يحرص على ذكر أولا كل مسائل الكتاب، وإنما يذكر ما اختاره شيخ الإسلام مما وقع فيه الخلاف. وثانيا لأنه لا يدعي أنه استوعب كل ما نقل عن شيخ الإسلام مما نقل عنه في الخلاف، وإنما ما تيسر له الوقوف عليه. ومعنى هذه المسألة إشارة إلى مسألة وقع فيها الخلاف، وهي هل الوجوب في الجهاد يتفصل، يعني ممكن أن يكون واجب في معنى دون معنى آخر؟ الصحيح أنه نعم ممكن، لأن الله عز وجل علق هذا الحكم بالاستطاعة، فإن لم تكن استطاعة بدنية وكانت استطاعة مالية، فبقي الواجب الآخر. وعموم الأدلة تدل على ذلك، عموم الأدلة تدل على ذلك. وهذا هو قوله: ومن عجز عن الجهاد بدنه وقدر على الجهاد ماله وجب عليه الجهاد ماله. وقوله: وهو نص أحمد في رواية أبي الحكم، علمنا أن النص هو المنقول مباشرة عن الإمام. وقوله: في رواية أبي الحكم، وفي نسخة ابن الحكم، أي فيما نقل عن أحمد. وقوله: وهو الذي قطع به القاضي، أي القاضي ابن العربي في كتاب أحكام القرآن. وقوله: في سورة براءة، يعني حين ذكر أحكام سورة براءة، وفي هذه الآية خاصة: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾. وقوله: فيجب على الموسرين النفق في سبيل الله، أي ذكر ذلك القاضي ابن العربي رحمه الله. وهذا عام يشمل كل من كان موسرا، ولو كان عنده عجز ببدنه أو حتى مما لا يجب عليه الجهاد ببدنه. ولهذا انتقل إلى التفريع الآخر، قال: وعلى هذا فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل، وكذلك في أموال الصغار إذا احتيج إليها، كما تجب النفقات والزكاة. وينبغي أن يكون محل الروايتين في واجب الكفاية، فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعا. أشار بهذا رحمه الله تبع لما سبق أنه يترتب على هذا الفهم وهذا التفصيل أن حكم الجهاد الكفائي الذي لا يجب على النساء والصغار بالبدن لا يعني أنه لا يجب عليهم بالمال، أنه لا يجب عليهم بالمال، بل إذا كان هناك فضل مال فإنه يجب عليهم كذلك يجب عليهم كذلك. وهذا هو قوله: إن كان فيها فضل. والمراد بالفضل الزائد عن النفق الضرورية، الزائد عن النفقة التي يحتاجها الإنسان. فإن كان لمرأة نفق لنفسها وكان معها مثلا أبناء فكذلك يقال، وولدها وهي التي تنفق عليهم، ما يزيد عن نفقة سنة فهذا الزائد فضل، ما يزيد عن نفقة سنة فهذا الزائد فضل. هكذا نص بعض أهل العلم على هذا التفصيل. وكذلك بالنسبة لأموال الصغار. وقوله: وينبغي أن يكون محل الروايتين، يعني ما نقل عن أهل العلم أنه رواية عن الإمام أحمد في هذا الباب، ينبغي أن يوجه بأن هذا في حق ما كان واجبا كفائيا. لأن القتال في هذا الموضع إنما هو على الأصل في الواجب الكفائي، فقد يكون الجهاد واجبا كفائيا وقد يكون واجبا عينيا. وقد علمنا أن الواجب الكفائي هو ما إذا قام به البعض سقط عن الكل، ما إذا قام به البعض فأغنوا بقيامهم سقط عن الكل. فهذا هو الأصل في الجهاد في سبيل الله أنه واجب كفائي. وقد يكون واجبا عينيا في مواضع أخرى نص عليها العلماء. فإذا هذا التفصيل المذكور هو في حق الجهاد الذي هو واجب وجوبا كفائيا. وأما إذا كان الوجوب وجوب عيني وله مواضع، ومن هذه المواضع كما ذكر: إذا هجم العدو، يعني فلا يدفع إلا بتعاون الجميع، فإنه يكون هاهنا وجوبا عينيا، يعني على الجميع، حتى المرأة تقاتل إذا احتيج إليها، ليس فقط تدفع بالمال بل تدفع كذلك بالنفس، لأنها تصون نفسها وعرضها، فهي مقصودة، فهي مقصودة بهذا القتال، فهي لا تدفع فقط بالمال بل حتى بالنفس، بل حتى بالنفس. وهذا هو قوله: فلا يبقى للخلاف وجه. قال رحمه الله: قال أبو العباس: وقد سئلت عن من عليه دين وله ما يوفيه وقد تعين الجهاد، فقلت: من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين كنفقة النفس والزوجة والولد الفقير، لأن هذا واجب أخص، وهذا واجب أخص. وإذا تزاحمت الواجبات قدم الأوجب. فمثلا رجل عنده مال وطلب أن ينفقه في سبيل الله وهو يحتاج أن ينفقه على نفسه وعلى ولده، فإن تقديم النفق على النفس والولد كما ذكر مقدم على ذلك، لماذا؟ لأن هذا أوجب، فذاك واجب كفائي وهذا واجب عيني، وهذا واجب عيني. بخلاف ما إذا كما ذكر هجم العدو، بخلاف ما إذا هجم العدو، فهنا بقاء النفق مع ذهاب النفس لا فائدة فيها، واضح. بقاء النفق مع ذهاب النفس لا فائدة فيها، فإذا يدفع العدو لأن بدفعه بقاء النفس، ثم بعد ذلك يسر الله ما يكون به الإنفاق على هذه النفس، واضح. وهنا ذكر الدين، يعني لأجلا يشير هل الدين يلحق بهذا الباب أم لا؟ قال رحمه الله: فقلت: من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين كنفقة النفس والزوجة والولد الفقير. ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه كالعبادات من الحج والكفارات. ومنها ما لا يقدم عليه إلا إذا طولب به كصدقة الفطر. فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حصره العدو أو حضره الصف، قدم على وفاء الدين كالنفقة وأولى. وإن كان باستنفار الإمام فقضاء الدين أولى، إذ الإمام لا ينبغي له استنفار المدين مع الاستغناء عنه، لأنه من الفروض الكفائية. نحن نتكلم الآن كما تقدم على الفروض الكفائية. قال: ولذلك قلت: لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع، كما في مسألة التترس وأولى. فإن هناك نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله. وهذا التوضيح ظاهر. أشار بهذا رحمه الله والكلام الآن كله فيما يتعلق بالواجب الكفائي، أنه لا يجوز إلزام الإمام فضلا أن يلزم المسلم نفسه بالإنفاق في الجهاد في سبيل الله مع وجود الدين عليه، لأن الدين في هذا الموضع مقدم من أوجه كثيرة. أولها أنه أوجب، وثانيها أن ذلك في حق الله، وهذا في حق الآدمي الذي هو مبني على المشاحة، وغير ذلك من المعاني الأخرى. فلذلك لا يقدم الاستنفار بالمال على الدين، لكن إذا كان من فرض العين، أي الجهاد فرض عين، فهنا كما تقدم لا وجه للخلاف، بل يقدم لا شك النفق في دفع العدو. وهنا ذكر مسألة أخرى، وهي قال: وإن كان أو قال أو حضر هو الصف، قدم على وفاء الدين أو قدم على وفاء الدين كالنفقة وأولى، لأنه إذا حضر الصف وهو ينفق على نفسه، المقصود ذهب للفرض الكفائي وعنده المال الذي سيرجع به ويسد به دينه، ولكن ما ظن أنه سيحتاج لهذا المال، فبقي في الصف ولا يمكنه الفرار من الزحف، واحتاج إلى نفق زائدة على نفسه أو على قتاله، ولا يستطيع الفرار، فهنا يقول: هذا يدخل في معنى النفق على النفس، لأن الآن سينفق من هذا المال على نفسه ما دام قد بقي في هذا المكان ولا يمكن الخروج منه. فهنا يقدم على الدين. وقوله: إن كان باستنفار الإمام، فكما تقدم. وأما ما ختم به هذا المقطع بقوله: لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد، يعني إذا حصل التعارض بما يكون فيه حصول هلكة لغيرهم مع وجود ما يحصل به ضرر أعظم، فهنا تجتمع مفسدتان. هنا تجتمع مفسدتان: مفسدة موت هؤلاء الجياع بعدم إطعامهم، ومفسدة دفع هذا العدو الصائل الذي ضرره أعظم من هؤلاء الذين قد يموتون. مثلا صال عدو من الكفار على المسلمين، فاحتاج المسلمون أن يدفعوا هذا العدو بكل ما عندهم من مال، بكل ما عندهم من مال، حتى لا ينتهك الأنفس والأموال والأعراض وغير ذلك. فبدل هذا المال قد يلحق الضرر خصوصا إذا طال الحصار ببعض الصغار الذين قد يهلكون من قلة القوت ونحوه. فكيف يكون هذا الحكم؟ قال شيخ الإسلام: أنه مثل مسألة التترس. ومعنى مسألة التترس هي مسألة تذكر كثيرا في كتب الفقه، فيما إذا تترس العدو بمن له عصمة في دمه، ولو كان مسلما، معصوم الدم، ولو كان مسلما، فضلا عن غيره. فما دام العدو هذا لا يدفع ولا يذهب ضرره إلا بقتل المسلم الذي يتترس به، فهنا قتل المسلم مفسدة صغرى أمام المفسدة الكبرى التي فيها وصول ضرر العدو إلى المسلمين، وصول ضرر العدو إلى المسلمين. فكذلك مسألة موت هؤلاء الجياع. وقوله: فهناك نقتلهم بفعلنا، يعني هؤلاء الذين تترس بهم. وها هنا يموتون بفعل الله، يعني هذا أولى، هذا أولى، لأنه إذا شاء الله يسر بالنصر فجاء الفرج، فلم يموت من الجوع بإذن الله تعالى. وهذا كله مبني على تخفيف الشر ما أمكن، يعني مثلا لو قيل تترس الكافر بمسلم، ليس معناه أننا لا نجتهد في عدم قتل المسلم، لا نجتهد ونبذل غاية الجهد في أن لا يصيب المسلم أذى، فإن لم يمكن أبدا، فهنا يقال: ترتكب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى. وهذا له نظائر كثيرة، وأدلة ووقائع من أدلة الكتاب والسنة. فمنها مثلا قصة يونس عليه الصلاة والسلام، ما ذكر ربنا جل وعلا لنا في القرعة التي وقعت لنجاة أهل السفينة. فإذا استيقنا أهل السفينة أنهم لا ينجون إلا بإنقاص عدد الركاب عند هيجان البحر، فهنا تقرع القرعة. ومن جاءت عليه القرعة ينزل إلى البحر، مع أن الغالب الذي ينزل إلى البحر ماذا في مثل تلك الأمواج العظيمة؟ الموت والهلاك. لكن هذا يموت ويهلك لأجل ماذا؟ ينجو البقية، لأجل ينجو البقية. وننتبه أن هذا ليس مما قد يستدل به بعضهم بمسألة العمليات الانتحارية، ليس في هذا دليل لا من قريب ولا من بعيد، لأن هذا قتل للنفس محرم، لم يأذن بمثله الشرع. قال: قال: وهنا يموتون بفعل الله. قال: وقلت أيضا: إذا كان الغرماء يجاهدون بالمال الذي يستوفونه، فالواجب وفاءهم لتحصيل المصلحتين: الوفاء والجهاد. ونصوص الإمام أحمد توافق ما كتبته، وقد ذكرها الخلال، يعني ذكرها هذه المسألة. إذا كان الغرماء يجاهدون بالمال الذي يستوفونه، فالواجب وفاءهم لتحصيل المصلحتين، يعني المبادرة بتعجيل الوفاء. والمعنى: زيد من الناس عليه دين لعمر، وعمر خرج للقتال، فهنا يتأكد إعطاء المال لعمر من قبل زيد لأمرين: أولا لأنه دين يجب التعجيل فيه، وثانيا لأنه يحتاجه كما ذكر لجهاده. قال: ونصوص الإمام أحمد توافق ما كتبته، وقد ذكرها الخلال، يعني هذه النصوص. قال: قال القاضي: إذا تعين فرض الجهاد على أهل بلد، وكان على مسافة تقصر فيها الصلاة، فمن شرط وجوبه الزاد والراحلة كالحج. وهذه مسألة أخرى من مسائل الوجوب. ونحن الآن في مسائل الوجوب، فما وقع فيه الخلاف من مسائل الوجوب كثيرة. ومنها هذه المسألة، يقول: إذا تعين فرض الجهاد، يعني إذا صار فرض الجهاد فرض عين على أهل بلد، وكان على مسافة تقصر فيها الصلاة، فمن شرط وجوبه الزاد والراحلة، لأنه بغير الزاد والراحلة يحصل ماذا؟ الهلاك والضرب الذي لا يجيز مثله الشرع، لا يجيز مثله الشرع. فهنا مفسدتان: مفسدة تأخر من وجب عليه الوجوب العيني، مع مفسدة ما قد يلحقه من ضرر بخروجه بعدم الزاد والراحلة. فتدرأ المفسدة الكبرى بماذا؟ بالصغرى. فأين الكبرى ها هنا؟ ها أين الكبرى؟ هلاك الذاهب، لأن فيه مفسدتان: أولا هلاكه، وثانيا عدم انتفاع الذاهب إليهم بذهابه، لأنه ما سيصل إليهم بغير زاد ولا راحلة، ما سيصل إليهم بغير زاد ولا راحلة. فإذا كان كذلك، وهذا من دقيق فقه علمائنا وأمتنا، إذا كان كذلك فمن باب أولى إذا كان الطريق غير آمن، الطريق الموصل إلى هذا الجهاد العيني غير آمن. فإذا لماذا تلقي بنفسك إلى التهلكة؟ لا يوجد طريق تصل به إلى هذا المكان. فهل يقول عاقل عرف الشرع بلزوم ذهابه ووجوب ذلك وجوبا عينيا؟ الجواب: لا. فهذا قد نص عليه العلماء في الزاد والراحلة إذا لم تتيسر يسقط الوجوب العيني، فكيف إذا لم يوجد الأمان في الوصول إلى ذلك المكان الذي يتحقق فيه الوجوب العيني؟ فإنه من باب أولى أنه يسقط الوجوب العيني. وقوله: كالحج، يعني الحج واجب وجوبا عينيا فيسقط على من لم يستطع الزاد والراحلة، فكذلك يقالها هنا. والشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يفرق بين مفترق، فهمت هذه المسألة؟ فهي مسألة دقيقة مهمة تدخل تحتها تفاصيل كثيرة لا تعد ولا تحصى. خلاصتها أن حصول العجز في الوصول إلى المكان الذي يكون فيه تحقيق الوجوب العيني سبب في إسقاط هذا الواجب العيني. قال رحمه الله: وما قاله القاضي من القياس على الحج لم ينقل عن أحمد، وهو ضعيف. فإن وجوب الجهاد قد يكون لدفع ضرر العدو، فيكون أوجب من الهجرة. ثم الهجرة لا تعتبر فيها الراحلة، فبعض الجهاد أولى. وكلام شيخ الإسلام رحمه الله يوجه ويتوجه إذا كان هذا فيما مفسدته أقل من مفسدة حصول الضرر المذكور سابقا. وأما إذا تحقق الضرر أو غلب على الظن، فلا شك أن الشرع يأمر بدفع المفسدة الكبرى بالصغرى. لكن المهاجر ليس كذلك، لأن المهاجر بقاؤه في بلاد الكفر مفسدته أكبر من ماذا؟ من خروجه من بلاد الكفر ولو بغير زاد ولا راحلة، لأنه في طريقه عنده أسباب التزود، ممكن أن يتزود أم لا، ممكن يسافر سفر قريب إلى أدنى بلاد الكفر، ثم يتعيش هناك ويتكسب، ثم ينتقل إلى بلد آخر، ثم يتكسب ويتعيش، ثم ينتقل إلى بلد آخر، وهكذا حتى يوفقه الله للخروج من جميع بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. وأما إذا تحقق هلاكه، فالشرع لا يأذن له بإهلاك نفسه، ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما، فنهانا ربنا عز وجل أن نقتل أنفسنا. لكن إذا كان الأمر ليس كذلك، فهنا عندنا مفسدتان: مفسدة بقاء المسلم في بلاد الكفر، وهي مفسدة كبرى بالنسبة للأخطار التي قد تواجه هذا المهاجر في خروجه، وهي مظنونة، وهي مظنونة. بخلاف الذي تحقق عنده الوصول إلى هذا الجهاد العيني، وهو لا يملك زادا ولا راحلة، أو استيقن الهلاك بعدم وجود الأمن في الطريق، فإنه لا شك أنه يكون تقديم المفسدة الصغرى لدفع الكبرى، وذلك بعدم ذهابه. لكن إذا كان ذلك ظنا ويغلب على الظن أنه سيعان من قبل القرى الآتية مثلا بالزاد والراحلة، يغلب على ظنه أنه سيعان، فهنا يقال له: هذه مفسدة مظنونة، فيذهب بذلك. أو كذلك تحقق الضرر، ووجد من الأقربين ما الضرر فيه أقل من ذاك الضرر المتحقق، مثل أن يحصر عدو بعض المسلمين، فيكون في ذلك ضرر متحقق بهلاكهم، فيجب عليهم وعلى من جاورهم وجوبا عينيا دفع هذا العدو. فإن كان هذا المجاور لا يملك الزاد والراحلة، لكنه يغلب على ظنه أنه يجد السبيل للوصول إلى دفع هذا الضر في طريقه، فهنا نقول: هذه مفسدة صغرى، وتلك مفسدة كبرى. فالمهم أننا ننظر إلى هذه المسائل التي أشار إليها رحمه الله بهذا الميزان، وهذه القاعدة: أن تدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى. وهذا يختلف بحسب الأحوال والقضايا والمسائل التي ترد. وما ذكر سمعنا توجيهه. قال: وثبت في الصحيحين من حديث عباد بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره، ومنشطه ومكره، وأثرة عليه». فأوجب الطاعة التي عمادها الاستنفار في العسر واليسر. وهذا نص في وجوبه مع الإعسار، بخلاف الحج. هذا كله في قتال الطلب. وكلامه رحمه الله صحيح، لكن لا يخرج عن ذاك الضابط الذي سبق، وهو بشرط أن لا يترتب على ذلك مفسدة أكبر، لأننا علمنا من أدلة أخرى أن المفسدة الكبرى تدرأ بالصغرى. فإذن المراد بالعسر ها هنا ليس العسر الذي يتحقق فيه أو يحصل فيه وقوع المفسدة الكبرى على حساب الصغرى، لا. وإنما العسر المراد به الذي يقع فيه تقديم المفسدة الصغرى على الكبرى، تقديم الصغرى على الكبرى، هذا هو العسر. والمكره الذي أريد وذكر في هذا الحديث، وفي غيره من الأدلة الأخرى في هذا الباب. فهذا توجيه، وتوجيه آخر: أي ما تكرهه الأنفس، فإن بذل النفس والمال قد تكره النفس ابتداء، لكن بعد علم فضل ذلك وعظيم نفعه وأثره في الدنيا والآخرة، تجتهد النفس للوصول إلى هذا المكروه لما هو أحب عند الله سبحانه وتعالى. هذا توجيه آخر وتفسير آخر للحديث. وعلى كل التفاسير ليس في الحديث أبدا لا من قريب ولا من بعيد جواز إهدار المفسدة الكبرى بالبقاء أو ينقض، يعني ترك وقوع الكبرى بالصغرى. وإنما المراد بما دلت عليه الأدلة الكثيرة أننا إذا رأينا تزاحم مفسدتين دفعنا الكبرى بالصغرى. وهذه القاعدة بإذن الله تجلي وتوضح الكثير من المسائل التي ترد في معنى ما ذكر في هذا المقطع. طيب نقف إلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: هل يجوز التسول بالمال لمن ليس له الزاد والراحلة ومع ذلك عنده استطاعة بدنية وقوة الهمة للجهاد؟ وهل يجوز أخذ الدين لزاده؟ التسول بالمعنى الشرعي لا يجوز، لكن عندنا ما هو مأذون به شرعا، وهو حث المسلمين على الإنفاق. لكن عند بعض من انتكست فطرته وقل علمه، وكذلك جف طبعه، تسمية الإنفاق تسولا، تسمية الحث على الإنفاق بأنه ماذا؟ تسول. وهذا جهل بالدين، وجفاء بالطبع، وانتكاس في الفطرة. وإلا الفطرة السليمة، وكذلك العلم الصحيح لا يفضي لهذا الفهم أبدا. فعندك ما يغنيك، وهو التعاون مع إخوانك المسلمين في البذل في هذا الباب. وقول: هل يجوز أخذ الدين لزاده؟ الجواب: فيه تفصيل. إن كان الدين للواجب العيني فنعم، وإن كان للواجب الكفائي فلا. إن كان للواجب العيني فنعم، وإن كان للواجب الكفائي فلا، كما تقدم معنا في أحد هذه المسائل التي سبقت. فمعناها ماذا؟ قد سبق. لو تأملت الذي أخذناه. طيب وبهذا نقف إن شاء الله وجزاكم الله خيرا.