الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 12، الدرس الثاني عشر:( ولو انقرض أهل مصر ولم يبق أحد ممن دخل في العقد فلنا العقار ... وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحنى وهو عقبة الصوان من الشام كمعان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح أحكام أهل الذمة وأموالهم ومنعهم من ألقاب المسلمين وحمل السلاح، والتعامل معهم تجاريًا وطبيًا. يشمل ذلك توضيح أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسائل.
يناقش شروط الدعاء بطول العمر لغير المسلمين وتهنئتهم بمناسباتهم، بشرط أن يكون بقصد الدعاء لهم بالإسلام. يوضح المقطع الضوابط الشرعية في التعامل مع غير المسلمين في هذه السياقات.
يتناول أحكام تهنئة الكفار في أعيادهم، وزيارتهم عند المرض، وتعزيتهم عند الموت. يوضح المقطع أنه لا يجوز تهنئتهم في أعيادهم المبتدعة ولا الدعاء لهم بالمغفرة عند موتهم على الكفر.
يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى، مما يعكس أهمية التواضع والاعتراف بحدود العلم البشري.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فيما نقل من اختياراته: قال: «ولو انقرض أهل مصر، ولم يبقَ أحد ممن دخل في العقد، فلن العقار والمنقول والمعابد فيء؛ فإن عقد لغيرهم فكالعقد المبتدأ، فإن انتقض فكالمفتوح عنوة». ومعناه: لو فنيت طائفة وأمة في مجتمع في مصر من الأنصار -يعني بلدًا من البلاد- ولم يبقَ منهم أحد ممن دخل في العقد، كان يصابوا بطاعون أو شيء يعم بإهلاكهم، يقول: «فلن العقار والمنقول والمعابد فيء؛ لأنه لا مالك لهذا المال». وكما مر معنا من معاني الفئ: مال الكفار الذي يرد إلى المسلمين بغير قتال، ومنه كما ذكر العلماء ونص: ما رمته البحار من سفنهم وغيرها. وهكذا كذلك ما مات أهله عنها. فإذا مات الكفار في قرية ما، فأموالهم وعقارهم ومعابدهم والمنقول -يعني ما يمكن نقله من المال- كله فيء للمسلمين. قال: «فإن عقد لغيرهم فكالعقد المبتدأ»؛ يعني لو قدر أن لهؤلاء من يخلفهم ممن لم يتم عقد معهم، فيقال: العقد مع هؤلاء كالعقد مع من كان قبلهم. «فإن عقد لغيرهم فكالعقد المبتدأ»؛ يعني إذا صار عقد مع من يخلفهم مات أهل الأموال، فقالوا: مثلا نحن أهاليهم، نحن أهالي هؤلاء، ونحن أولى بهذا المال، فيقال: لكم ذلك، لكن يُعقد معكم عقد كما عقد مع من كان قبلكم. يعني من العقود التي يكون فيها الذمة، إن كان الذمة، أو في إذا -يعني عقد- ما يخرج من المال الذي يبقى في أيدي الكفار إذا كان أصله فيئًا، وأقر على البقاء فيه، وهو ما يسمى بالخراج. فالخراج لفظ يتناول معاني كثيرة، منها ما يكون في أرض الصلح، ومنها ما يكون في أرض العنوة. فأرض الصلح يصالحون على شيء يخرج من الأرض، أو مال يبدلونه فيدفعونه، ويسمى هذا المال المبدول خراجًا. وكذلك أرض العنوة إذا طلبوا واستسمحوا أن يقروا على أرضهم مقابل شيء يدفعونه ويبدلونه، فقرر الإمام المصلحة في ذلك. فإن هذا المأخوذ كذلك من معاني الخراج. وقد اختلف العلماء: هل هذا أجر أو ثمن لهذه الأرض؟ وسواء قيل هذا أو هذا، فالمهم أنهم يدفعون الخراج، فإذا كان من قبلهم يدفعون شيئًا، فكذلك من بعدهم، إن قالوا: نحن أحق، فيقال: نعم، فيعقد لكم كما عقد لمن قبلكم. يقول: «فإن انتقض»؛ يعني إذا كان العقد انتقض، حصل ما ينقضه، نقض العهد والميثاق موجب لأخذ المال، كما وقع لليهود، فتصير هذه الأرض كما قال: «فكالمفتوح عنوة»؛ كالتي فتحت بالقوة، فالأرض تغنم وتقسم. قال رحمه الله تعالى: «ويمنعون من ألقاب المسلمين كعز الدين ونحوه». هم قد يقولون كذلك، خصوصًا من كان من العرب منهم، كيهود اليمن، ونصارى نجران، وهكذا نصارى ويهود الشام ومصر، يتكلمون العربية، فقد يقولون مثل هذا. هم عندهم دين، فيقول: لا يقرون على هذه الألقاب؛ لأنها تنافي الذلة التي أمر الله بها، حتى يُعطوا الجزية ﴿عن يد وهم صاغرون﴾، ليس من الصغار أن يلقبوا بهذه الألقاب. ولأن دينهم دين باطل، على أن الصحيح من مذاهب أهل العلم: أن مثل هذه الألقاب الأولى تركها، حتى ولو كانت لمسلم؛ لأنها فيها من معاني المدح ما ينافي ما ورد من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التزكية في الأسماء. فقد غير النبي صلى الله عليه وسلم أسماء لما فيها من معاني التزكية، فغير «برة» قال: «لعلها لا تبر»، ونحو ذلك من الأسماء، وهذا من باب أولى، الله أعلم. قال: «ومن حمل السلاح، والعمل به، وتعلم المقاتلة والطعان والرمي وغيره، وركوب الخيل؛ لأن هذه كذلك تنافي الصغار الذي أمر الله به». وقد قال سبحانه: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، ولأن ذلك يعين على تقويتهم وتهيئتهم لقتال المسلمين، ولهذا يمنع الكفار من حمل السلاح في بلاد الإسلام، ومن العمل في السلاح وتعلمه، وركوب الخيل، ونحوه مما هو من خصائص السلاح، من خصائص القتال. قال رحمه الله: «ويستطب مسلم ذميًا ثقة عنده، كما يودعه ويعامله، وإن أمكنه أن يستطب مسلمًا فهو؛ كما لو أمكنه أن يودع مسلمًا ويعامله، فلا ينبغي أن يعدل عنه». ومعنى «يستطب»: يعني يطلب الطب من طبيب ذمي، يجوز، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، والصحيح: أنه إذا لم يجد غيره جاز، أو إذا كان الذمي أمكن من مسلم مع أمانته، جاز الرجوع. وكان في فترة نبوغ لأهل الذمة في الطب، كما ذكر في ترجمة الإمام الشافعي رحمه الله، في زمانه: أنه حث على تعلم الطب، وذكر أن أهل الذمة في زمانه نبغوا فيه -يعني من أهل مصر- وكان الشافعي رحمه الله في مصر. قال: «كما يودعه ويعامله»؛ يعني معناه: كما أنه في الوديعة، وفي المعاملة -أو البيع والشراء ونحوه- إذا وجد المسلم استأمن المسلم، وقدمه على الكافر. فإذا لم يجد المسلم، جاز له أن يتخذ عاملا كافرًا ذميًا أو معاهدًا أو مستأمنًا، وجاز له أن يضع الوديعة عند مثله، ولكن إذا وجد المسلم، لا شك أن ذلك هو المقدم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه عامل اليهود ببيع وشراء، ودين وغيره، وهذا يدل على مشروعية هذا الأصل، ولا شك أنه إذا وجد غيرهم، فالأولى معاملة الغير. وينتبه هنا إلى أمرين اثنين: الأمر الأول هو ما تقدم: أن لا يوجد غيرهم، والأمر الآخر: أن يفرق بين المعاملة التي تكون لهم فيها السلطة والمكنة، وبين ما يكون للمسلم السلطة والمكنة؛ حتى لا يتمكن الكفار من أحوال المسلمين، سواء في الطب أو في التجارة أو في غيرها. فمثلًا لو احتاج المسلمون إلى هؤلاء، ينبغي أن يهيئوا من المسلمين من يقوم بهذا الأمر، ويكون لهم المكنة في ذلك. فمثلًا رئيس الأطباء لا ينبغي أن يكون كافرًا، يكون مسلمًا، ولو كان حقيقة أعرف الناس بالطب هو الكافر، لكن لا يمكن أن يكون رئيسًا على الأطباء، بل يكون الرئيس عليهم مسلمًا، ولو كان أقل خبرة من ذاك، ما دام عنده أصل المهنة، فإنه تكون له المكنة والسلطة الأعلى. وهكذا يقال مثله في التجارة، وفي غيرها من الأعمال الأخرى؛ لأمور ومقاصد كثيرة. قال: «ويكره الدعاء بالبقاء لكل أحد؛ لأنه شيء قد فرغ منه»، ونص عليه الإمام أحمد في رواية أبي أصرم، وقد اختلف أهل العلم في ذلك. والصحيح في هذا: التفصيل، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم، في حديث ابن مسعود، عن أم حبيبة: لما قالت: «اللهم متعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية»، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك سألت الله لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة»، ثم أرشدها عليه الصلاة والسلام: أن ذلك لا يقدم شيئًا ولا يؤخر شيئًا. ولو أنها سألت الله العافية، ومن عذاب الله، ومن النار، ومن عذاب القبر، لكان خيرًا لها، الشاهد: أنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي قالته، فاستدل به العلماء على أنه لا يجوز الدعاء بالبقاء. ولكن نتأمل هنا قوله رحمه الله: «ويكره الدعاء بالبقاء لكل أحد»؛ أي على وجه التعميم، ويجوز الاستثناء، فما هو الاستثناء الجائز؟ قال العلماء: الاستثناء الجائز هو الدعاء باللفظ المقيد، مع ترك لفظ البقاء، وما كان بمعناه مما هو من خصائص الله. قال الله عز وجل: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، فالمخلوق ليس له بقاء ولا دوام، المخلوق ليس له بقاء ولا دوام، لكن له طول عمر، له طول عمر. فيجوز أن تقول للمخلوق: «أطال الله عمرك»، لكن تقيده في طاعته: «أطال الله عمرك في طاعته»، وما كان بمعناه، وخصوصًا ممن يرجى فيه الخير. فهذه ثلاثة شروط لا بد من توفرها في مثل هذا الدعاء: الأول: أن تجتنب الألفاظ التي هي بمعنى البقاء والدوام الذي هو من خصائص الله. والثاني: أن يقيد، فيقال: «في الطاعة» ونحوه، والثالث: أن يكون فيمن يرجى فيه الخير. وهذا لا ينافي القضاء؛ لأن الدعاء من القضاء، كما أن الدواء من القضاء، كما أن الرقى والاسترقاء من القضاء، فإذا كان الدعاء من القضاء، فإنه لا ينافي القضاء، وقد جاء في السنن، من حديث جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من أعرابي، فقال الأعرابي: حين رأى حسن معاملة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفته: «عمرك الله»، بيعًا «عمرك الله» بيعًا، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم. فهنا دعا للنبي صلى الله عليه وسلم بطول العمر، ولكنه مقيد، ولكنه مقيد: «عمرك الله بيعًا»؛ يعني مباركًا في بيعك، محسنا فيه. فكذلك يجوز أن تدعو لأحد بطول العمر في الطاعة، تقول: «أطال الله عمرك في طاعته»، ونحوه: «عمرك الله في طاعة الله»، وهذه فتوى عدد من مشايخنا، كالشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وشيخنا الشيخ محمد بن صالح عثيمين رحمه الله، بل ونقل معناه عن شيخ مشايخنا: شيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: «وقال له رجل: جمعنا الله وإياك بمستقر رحمته، فقال: لا تقل هذا»؛ يعني أترك هذه اللفظة. قال: «وكان أبو العباس -يعني ابن تيمية- يميل إلى أنه لا يكره الدعاء بذلك، ويقول: إن الرحمة ها هنا المراد بها الرحمة المخلوقة، ومستقرها الجنة، وهو قول طائفة من السلف»؛ يعني جاء معناه عن عدد من السلف. ولا إشكال، فإذا لا بأس به، لا بأس به، خصوصًا إذا دل ما يوضح ويبينه؛ لأن الرحمة رحمتان: رحمة مخلوقة، ورحمة صفة لله عز وجل، ليست مخلوقة. فالجنة من رحمة الله، الجنة من رحمة الله المخلوقة؛ كما أن الحب -حب المرأة لابنها- من الرحمة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام معناه، وهي مخلوقة. قال رحمه الله تعالى: «واختلف كلام أبي العباس في رد تحية الذمي: هل ترد بمثلها أو وعليكم فقط؟ ويجوز أن يقال: أهلًا وسهلًا، والصواب في هذا: التفصيل». إن كان هذا الذمي أو الكافر الذي ابتدأ السلام، تسليمه موهم، فيقال: «عليه وعليكم»، وأما إن كان تسليمه واضح، ولين جانبه مع المسلمين واضح، فهذا لا شك: عمومات الأدلة تدل على أنه يرد بمثلها، يرد بمثلها، ولكن لا يبتدؤون بالسلام. يجوز أن تقول: «وعليكم السلام»، تقول: «وعليكم السلام»؛ تأليفًا له لهذا الدين، تأليفًا له لهذا الدين. قال: «ويجوز أن يقال: أهلًا وسهلًا»؛ يعني في الابتداء، وفي الجواب، في الابتداء، وفي الجواب. فإذا دخل عندك مثلًا كافر ترجو إسلامه، وتحتسب حسن معاملتك له، يجوز أن تقول ابتداءً إذا دخل البيت، عزمته في البيت: «أهلًا وسهلًا، تفضل»، فإن هذا لا ينافي بدءه بالسلام. قال: «ويجوز عيادة أهل الذمة، وتهنئتهم، وتعزيتهم، ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة؛ كرجاء الإسلام». وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: كما في الصحيحين: عيادته للغلام اليهودي، وكما قال العلماء: تكون معاناة دعوتهم لهذا الدين، واحتساب ذلك في مرضاة الله، ليس لأجل دنيا ومداهنة ومجاملة، لا، وإنما تطمع أن تصل إلى معنى من المعاني الشرعية المحمودة. وقال: «وتهنئتهم وتعزيتهم»؛ التهنئة التي أرادها شيخ الإسلام: التهنئة المباحة والمأذون فيها، مثل: جاءه مولود، فتقول: «ما شاء الله، سمعنا أنه جاءك مولود، نعم جاءني مولود، بارك الله لك فيه، وأقر عينك بحسن» -مثلًا- «الطاعة لله في الدنيا والآخرة، أو هداه الله لخير الدنيا والآخرة»، ونحو ذلك؛ بالعبارات التي تنوي بها الدعاء له بالإسلام، ولكنه غير الصريح؛ حتى لا يتحفظ منك. لأنك لو قلت له: «جعله الله مسلمًا»، ربما ثاني يوم ما يفتح لك الباب، يخاف أنك تأخذ عليه ولده فيكون مسلمًا، لكن تأتي بعبارات أذن الشرع بمثلها، أذن الشرع بمثلها، وتنوي بها هذه النية الحسنة، ونحو ذلك من التهنئات المأذون فيها. أما التهنئة على أعيادهم المحرمة المبتدعة، لا يجوز، وقد نص العلماء: أنه لا يجوز تهنئة المشركين في أعيادهم، كما صح عن غير واحد من الصحابة والتابعين، في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾، قال: «لا يشهدون أعياد المشركين»، وجاء بعض الأئمة: «ولا يهنئون المشركين في أعيادهم». وهكذا تعزيتهم: يعني إذا مات له ميت، تقول: «لا بأس عليكم في مصابكم»، لكن لا تدعو له بالمغفرة، وهو مات على الكفر؛ لأنه كافر، لا يدعى له بالمغفرة، ما دام مات على الكفر. لكن تسلي هؤلاء الكفار في المصاب، ولماذا تسليهم؟ هل تجاملهم؟ تتملق إليهم؟ الجواب: لا؛ لأن هذا من حسن الخلق الذي أمر به الإسلام أولًا، ولأنه كذلك يكون سببًا في دعوتهم إلى دين الإسلام، وتأليفهم لهذا الدين. فأنت تعزيهم بالتعازي المأذون بها والمشروعة، والتي لا تخالف الشرع، بعض الناس ما ينضبط بالضوابط الشرعية، يسمع مثل هذا الكلام، فيذهب ويفرط في هذا. وكذلك التعزية، فربما يقول ما يتدري إلا كما قال بعض العوام: قد قال فلان كذا، وقال فلان كذا، فهؤلاء إخواننا، وهؤلاء مؤمنون، وهؤلاء مغفور لهم، ونحو ذلك من العبارات التي تقال من قبل الجهل، وقلة العلم، وعدم الانضباط بالضوابط الشرعية. وإلا فالمسلم يعرف أن مثل هذا لا يجوز أن يقال، وأهل العلم إذا قالوا مثل هذه العبارات -أي المنضبطة بالضوابط الشرعية-. قال رحمه الله: «ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة؛ كرجاء الإسلام»، الأصل: أن أمثال هؤلاء لا يدخلون أماكن عبادة المسلمين، لكن إذا كان فيه مصلحة، فيجوز. وقد صح: كما في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم ربط ثمامة في المسجد؛ لما فيه من مصلحة، رأى الإسلام عن قرب، وكلما مر به النبي صلى الله عليه وسلم سأله؛ حتى تركه بعد ثلاث، فأسلم رضي الله عنه، أرضاه، وهذا من المصلحة، هذا من المصلحة. قال: «وقال العلماء: يعاد الذمي، ويعرض عليه الإسلام؛ يعاد الذمي»؛ أي إذا مرض، «ويعرض عليه الإسلام»؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح، في قصة الغلام. قال: «وليس لهم إظهار شيء من شعار دينهم في دار الإسلام؛ لا وقت الاستسقاء، ولا عند لقاء الملوك». ومعنى: «شعار»: «شعائر»، قال: «وليس لهم إظهار شيء من شعائر دينهم في دار الإسلام»؛ لا وقت الاستسقاء، ولا عند لقاء الملوك. ومعنى: حتى ولو كان في مثل هذه الأوقات، لا يقال: أن هذا مما يستثنى، ومنه كذلك لو قيل: أن لهم أعيادًا من أعيادهم الدينية، فيقال: لا يظهرونها في بلاد الإسلام. فإظهارها من إظهار شعائرهم التي نص العلماء: أنها تنافي عقد الذمة، لكن إن فعلوها في الخفاء، في بيوتهم، فإن هذا لهم، أما أن يظهروها، فيجاهروا بها، فهذا مما يمنعون منه. حتى لو قالوا: «سنخرج، سنصلي الاستسقاء»، يقال: «أنتم تريدون صلاة الاستسقاء، صلوا في معابدكم إن كانت لكم معابد، أو في بيوتكم إن لم تكن لكم معابد، أما أن تخرجوا كما يخرج المسلمون، فهذا من إظهار شعائر دينكم، وهو ينافي عقد الذمة». وهكذا عند لقاء الملوك، لو قالوا مثلًا: «نحن سنستقبل الملك -ولو كان مسلمًا- بما هو معروف في ديننا»، فيقال لهم: «لا، لا تفعلوا هذا». مثل أن يقرأوا بالتوراة والإنجيل، ويستفتحوا المجلس بقراءة شيء من ذلك؛ كما يفعل اليوم -وللأسف- في بعض بلاد المسلمين التي يوجد فيها بعض اليهود والنصارى، إذا أرادوا أن يفتحوا مجلسًا، وربما جاءوا بالمسلمين، فقرأ قرآن، وجاءوا باليهود فقرأ من التوراة، ثم أتوا بالنصراني فقرأ من الإنجيل. فيقال: هذا لا يجوز؛ لأن هذا من إظهار شعائر دينهم، ولو كان في استقبال ملك مسلم، بل إن هذه الأفعال من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهد السلف الصالح، بل ولا عن نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: «ويمنعون من المقام في الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة». واليمامة: هي جهة نجد، والينبع، وفدك، والينبع: جهة الساحل من المدينة، ينبع معروفة اليوم، وحولها فدك، وتبوك أمامها في الشمال. قال: «ونحوها، وما دون المنحنى، وهو عقبة الصوان من الشام؛ كمعان». وهذه مواضع معروفة، والعقبة معروفة اليوم، المقصود: أطراف الجزيرة، أطراف الجزيرة. ولم يذكر اليمن؛ لأن أهل العلم اختلفوا في اليمن، والصحيح: أن اليمن تلحق بالجزيرة؛ فهي من جزيرة العرب. وأما كون عمر رضي الله عنه لم يجلي يهود اليمن، ليس معناه: أنهم ليسوا من أهل الجزيرة، فنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام في أمره بإخراج اليهود والمشركين من جزيرة العرب عام، يشمل اليمن، وعمان، والبحرين، وما حولها من أطراف الجزيرة، إلى جهة الشام. فكلها من الجزيرة، ولكن يحمل هذا: أنه رضي الله عنه أرضاه أراد أن يتدرج في ذلك، فحرص على إخراج ما حول المدينة، وأراد أن ذلك يكون بعد، فلم يسعفه ذلك، توفاه الله قبل هذا. ويكفينا في هذا: حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فظاهره العموم، فإنها من جهة اللغة، وكذلك العرف -على الصحيح- تدخل في معنى الجزيرة. فلا يقرون على البقاء في جزيرة العرب، وهل معناه: لا يبقون أبدًا؟ الجواب: نعم، هذا هو الأصل، إلا من يضطر لبقائهم، فإنهم يبقون، أو كذلك يحتاج المسلمون لهم، فيدخلون. فقد يدخل بعضهم بالأمان، وبالعهد، لمصلحة يحتاجها أهل الإسلام، أو بعضهم يبقى لفترة من الفترات؛ لضعف المسلمين، أو لمعنى من المعاني لا يمكن إخراجهم. فهنا الضرورة تبيح المحظور، ويجوز تأخير البيان مع وجود الحاجة لذلك، أو يقال: يجوز تأخير بعض المعلوم لما هو أعلم منه، ولما هو أحق منه. ومنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج كل اليهود؛ مع أنه هو الذي أوصى في آخر حياة عليه الصلاة والسلام بإخراج المشركين من جزيرة العرب؛ لأن ذلك لم يكن في الإمكان في ذاك الوقت. فإذا تمكن المسلمون من دون مفاسد، فإنهم يخرجون المشركين، وبمثل هذا يقال في حق اليهود الذين كانوا في اليمن، ولم يزالوا على ذلك من زمن عمر رضي الله عنه أرضاه، طيب. إلى هنا والله تعالى أعلم.