الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 13، الدرس الثالث عشر : وفيه الثلاثة الأبيات ( ولا تك مرجياً لعوباً بدينه ... بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ مفهوم المرجئة وفرقهم الأربع ومخالفتهم لعقيدة أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان. يُؤكد أن الإيمان عند أهل السنة قول وعمل واعتقاد.
المرجئة يعتقدون أن الإيمان لا يتجزأ وأن المعصية لا تضر مع الإيمان، بينما يرى أهل السنة أن الأعمال تتفاضل والإيمان يتفاضل بتفاضل الأعمال. هذا يؤدي إلى التلاعب بالدين عند المرجئة.
الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ويتجلى ذلك في الأعمال التي توزن يوم القيامة. المعاصي تنقص الإيمان بينما الطاعات تزيده وتثقل كفة الميزان.
يدل على شفاعة النبي للعصاة أحاديث كثيرة تشير إلى أن شفاعته تشمل الخطائين والمتلوثين بالمعاصي إذا كانوا مؤمنين. يُبرز ذلك أهمية الإيمان في نيل شفاعة النبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: «ولا تك مرجئًا لعوبًا بدينه، ألا إنما المرجئ بالدين يمزحه». وقل: «إنما الإيمان قولًا ونية وفعلًا على قول النبي يشرحه وينقص طورًا بالمعاصي وتارة بطاعته ينوي وبالوزن يرجحه». أورد رحمه الله تعالى هذه الأبيات الثلاثة كذلك في الكلام على مسألة الإيمان. ومر معنا فيما سبق مذهب الوعيدية من الخوارج والمعتزلة الذين يرون التكفير على هذه الأمة والخروج عليهم بالسيف والغلو في التجريد. فناسب عند ذلك أن يذكر مسألة الإيمان وما يقابل ذلك من قول مرجئة. قال: «ولا تك مرجئًا» يعني يا من تمسك بكتاب الله وسنة التي جاءت عن نبيه الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا تكن مائلًا على مذهب المرجئة. والمرجئة هم الذين يؤخرون الأعمال عن مسمى الإيمان، وهو انفرق كثيرة أشهرها أربع طوائف. طائفة منها تجعل الإيمان التصديق فقط، وهؤلاء هم الجهمية. فجعلوا كل من وجد عنده تصديق هو مؤمن، ففرعون مؤمن وإبليس مؤمن، وهكذا كل من وجد عنده معنى التصديق والإقرار فإنه مؤمن. وهؤلاء تذمهم الأئمة، كما نقل عن إمام أحمد رحمه الله ووكيع. وطائفة منهم يرون أن الإيمان قول اللسان مع تصديق القلب. وطائفة أخرى ترى أن الإيمان وإن كان من يعمل الأعمال، الأعمال لا تسمى لمسمى الإيمان، يعني يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان. إلا أنهم يرون أن هذا العمل تركه ينفع، تركه يضر، وفعله ينفع، يعني أنهم يوافقون قول أهل السنة في ترتب آثار الأعمال، لكنهم لا يوافقونهم في تسمية الأعمال أنها من الإيمان. وهم من يسمى بمرجئة الفقهاء، ومنهم الكرامية ومن وافقهم. الذين يزعمون أن هناك إيمان ظاهر وإيمان باطن، فإذا وجد الإيمان الظاهر والباطن فهو المؤمن، وإذا وجد الظاهر دون الباطن فهو كذلك عندهم مؤمن. وهؤلاء كذلك زلّوا في هذا الباب. والله عز وجل يقول عن المنافقين: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مع أنهم أظهروا الإيمان بالظاهر، لكن العبرة بالحقيقة. فالإيمان عند أهل السنة والجماعة قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح على الأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. هذا هو مذهب وعقيدة أهل السنة والجماعة. فالمرجئة في مقابل الوعيدية، وسبب زللهم هو اعتقادهم أن الإيمان شيء واحد إذا ذهب ذهب كله، وإذا بقي فلابد أن يبقى كله. فقالت الوعيدية على هذا: إذا ذهب بعضه لازم أن يكون كافرًا أو لا يكون مؤمنًا على خلاف بينهم. اتفقوا على نزع مسمى الإيمان، ثم اختلفوا في تسمية الكفر، أي الخوارج والمعتزلة. وعلى العكس من ذلك المرجئة الذين يزعمون أن الإيمان كذلك شيء لا يتجزأ، وأنه كذلك إذا أذيب فيجب أن يذوب كاملًا. وحتى أهون وأخف فرق المرجئة، وهم مرجئة الفقهاء، فهم كذلك زلّوا بهذا الباب. ولهذا هم يزعمون أن أصل الإيمان تصديق أي ما في القلب، ولو كانت الأعمال تزيد وتنقص ويتاب ويعاقب. لكن يرون أن إيمان العاصي وإيمان غير العاصي واحد، وهذا خطأ. والصواب هو قول أهل السنة والجماعة: أن الأعمال تتفاضل والإيمان يتفاضل بتفاضل الأعمال. فإذا ذهب بعضه ذهب من يماثله، كما سيأتي إن شاء الله. ولهذا فبدعة المرجئة وبدعة الوعيدية لا تختلف شرًا بعضها عن بعض، بل بدعة المرجئة أشد شرًا من بدعة الوعيدية. وهذا ما نص عليه الأئمة، كما نقل عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه قال عن بدعتهم: أن فتنتهم أكثر من فتنة الأزارقة، أي فتنة الخوارج. وهذا ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: لم يكن فتنة أضر على الإسلام من فتنة المرجئة، لأن فتنة المرجئة تضيع الدين. قال: «ولا تك مرجئًا لعوبًا بدينه، ألا إنما المرجئ بالدين يمزحه» لأن المرجئ الذي يؤخر الأعمال عن مسمى الإيمان والذي يقول: لا يضر مع الإيمان معصية، يثمر ذلك عنده التلاعب بالدين. لماذا؟ لأنه يجعل أنه لا يضر مع الإيمان معصية، فهو مؤمن مهما فعل من المعاصي. فيتجاسر على المعاصي ويتلاعب بالدين، ربما وقع بالزنا، وقع بالسرقة، وقع بشرب الخمر، وقع في ما دون ذلك وأعلى من ذلك من المعاصي، وهو يرى نفسه أنه مؤمن كامل الإيمان. فتمرت هذه البدعة التلاعب بالدين. قال: «ألا إنما المرجئ بالدين يمزحه» يعني المرجئ يلعب بدين الله عز وجل. قال: «وَقُلْ إِنَّمَا الْإِيمَانُ قَوْلًا وَنِيَّةً وَفِعْلًا عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ يُشْرِحُهُ» يعني ليكن من عقيدتك يا أيها السلفي يا من تمسك بكتاب الله وبسنن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن الإيمان قول ونية وفعل. «وَيَنْقُصُ طَوْرًا بِالْمَعَاصِي وَتَارَةً بِطَاعَتِهِ يَنْمِي وَبِالْوَزْنِ يُرَجِّحُهُ» أن الإيمان قول ونية وعمل، وكذلك ينقص بالمعاصي، ويزيد بالطاعة، ينمي معًا يزيد من النماء. وهذا ثابت في الكتاب والسن، ويكثر من ذلك ما في حديث جبيرة بن مطعم الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، فسمى القول من الإيمان، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فسمى الفعل كذلك من الإيمان. والحياء شعبة من الإيمان، والحياء محل القلب ولو آثار في الجسد. فهذه ثلاثة فصول: قول ونية أي اعتقاد، وعمل قلب وفعل. قال: «وَيَنْقُصُ طَوْرًا بِالْمَعَاصِي وَتَارَةً بِطَاعَتِهِ يَنْمِي وَبِالْوَزْنِ يُرَجِّحُهُ» كذلك ينقص بالمعاصي، فإن المعاصي تنقص الإيمان. لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن، قيل على أحد تفسيرين: يعني لا يزني حين يزني وهو كامل الإيمان، فينقص الإيمان. وعلى مذهب التابعين وأحمد رحمهم الله: لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن، يبقى على ظاهره. فأحيانًا يكون كافرًا، وأحيانًا يكون ناقص الإيمان. فإن على ذلك على وجه الاستحلال والاستخفاف، فإنه يقال: قد خرج من الإيمان. وإن فعل ذلك على وجه الشهوة وعدم الدين، فإنه يكون ناقص الإيمان. وفي هذا الوقت ينزع منه الإيمان. فإذن المعاصي تنقص الإيمان، والطاعات تزيده. والذين آمنوا بالله ورسوله قال: «وتارة بطاعته ينمي» وفي الوزن يرجح، يعني يرجح هذه الطاعات كفة الميزان. كما جاء في حديث صاحب البطاقة: بل كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فإن العمل الخير سيراه الإنسان يوم القيامة ويوجد، وعمل الشر سيراه الإنسان ويوجد. كل الأعمال توزن يوم القيامة. فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية. فالموازين أي الموزونات من الأعمال توزن يوم القيامة. فهل هذا يدل على أنه لا يضر مع الإيمان معصية؟ الجواب: لا. وهل هذا يدل على أن أهل الإيمان سواء إيمان النبي كإيمان أي رجل من الأمة؟ الجواب: لا. وهل هذا كذلك يدل على أنه إذا ذهب ذهب جملة؟ الجواب: كذلك لا. لأنه قد يذهب بعضه ويبقى أصل الإيمان. ويدل على ذلك الأحاديث الكثيرة، منها ما مر معنا في مسألة الشفاعة، فإن الشفاعة تقول للعصاة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنها لمن هاهنا»، حديث الذي مر معنا قريبًا: «الخطائين المتلوثين الخطائين المتلوثين»، شفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمثال هؤلاء المؤمنين إذا كان عنده أصل الإيمان، فإنه إذا وجدت منه معاصي لا يذهب عنه أصل الإيمان. هذا خلاصة ما يذكر في هذه الأبيات. والله الحمد رب العالمين.