شرح حائية ابن أبي داود 3

شرح حائية ابن أبي داود 3

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 3، الدرس الثالث : وفيه البيت ( وقل غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسألة خلق القرآن وكلام الله

يناقش هذا الفصل مسألة خلق القرآن وكلام الله، حيث يرى أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله غير مخلوق. يستدلون بآيات القرآن وأحاديث النبي على ذلك.

إثبات صفة الكلام لله تعالى

هذا الفصل يثبت صفة الكلام لله تعالى وكون القرآن كلامه، مستنداً إلى الكتاب والسنة وعلى إجماع الأنبياء والصحابة والتابعين وأئمة الدين. يناقش أيضاً نفي هذه الصفة عند أهل البدع.

الرد على شبهات حول خلق القرآن وتوضيح أصل السلطة في الأسماء

الفصل يرد على الشبهات حول خلق القرآن مثل استدلال البعض بآيات 'اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ' و'وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ'. ويشرح أصل السلطة في الأسماء وما يكبر عن الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال ابن أبي داود رحمه الله تعالى: بخائية قال وقل غير مخلوق تلام مليكنا بذلك جان لبياء وأبصحه ولا تكو في القرآن بالوقف قائلا كما قال أتباع لجهم وصححه ولا تقل القرآن خلق قرائه فإن كلام الله باللقض أو ضحه أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الأبيات الثلاثة في مبحث القرآن ومبحث كلام الله جل وعلا. ومناسبة إيراد هذه الأبيات بعد ما أورده من مقدمة بيتين سابقين هو أنه لما ذكر كتاب الله جل وعلا بقوله: "ودن بكتاب الله والسنن التي أتتعى رسول الله تنجو وتربح"، ناسب أن يبتدئ هذه العقيدة بذكر مسألة الكلام. هذا وجه، والوجه الثاني أن مسألة الكلام هي المسألة العظيمة التي وقعت فيها المحنة بين أهل السنة وأهل البدع من مسائل الصفات. ومباحث الصفات، وهل من محنة الإمام أحمد رحمه الله إلا كانت في مسألة القرآن؟ وهكذا لا يزال الناس يمتحنون في مسألة القرآن ومسألة كلام الله. وبين أهل السنة وأهل البدع لذلك مناظرات ومكاتبات؛ لأن ذلك مما عمَّ القول به في أهل البدع لمن ضل في مبحث الأسماء والصفات، فكادوا يجتمع جميعا على نفي صفتين: وهي صفة العلو، وصفة الكلام لربنا جل وعلا على الوجه الذي أثبته ربنا جل وعلا لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. فلأجل هذين الأمرين - والله أعلم - ابتدأ المؤلف رحمه الله السلام على مباحث الاعتقاد بمسألة الكلام. فقال رحمه الله: "وقل غير مخلوق"، أي بعد أن قال: "ودن بكتاب الله"، أي مما تدين بكتاب الله جل وعلا. وهذا تفصيل بعد إجمال، يعني مما تتمسك به من حبل الله، ومما تدين به مما في كتاب الله وسنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن تقول: إن القرآن غير مخلوق، أي كلام الله الملك غير مخلوق. وتضمن هذا البيت التنبيه على ثلاثة مسائل: المسألة الأولى إثبات الكلام أنه صفة لله جل وعلا، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فسمى القرآن كلاما له سبحانه وتعالى. وهذا مثل ذلك في السنة ما جاء من حديث جابر بن عبد الله، وجاء عن غيره. ذكر الإمام البخاري رحمه الله في "خلق أفعال العباد" بإسناد حسن أنه قال عليه الصلاة والسلام: "إن قومي منعوني أن أبلغ كلام ربي، فهل من رجل يجعلني أن يبلغ كلام ربي؟" أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه دليل على تسمية القرآن كلاما لله جل وعلا، سماه كلام الله، أي صفة الله، أي لله جل وعلا. والمسألة الثانية في هذا البيت كذلك إثبات أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، كلام الله غير مخلوق، بل هو صفة لله جل وعلا. واستدل الإمام أحمد رحمه الله في محنته ومناظرته التي وقعت له رحمه الله تعالى بقول الله جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فالخلق مخلوق، والأمر غير مخلوق؛ لأن الفاء تفيد المغايرة، والأمر نوعان: أمر تكويني وهو قوله: "كن فيكون"، وأمر شرعي وهو ما أنزله بكتابه سبحانه وتعالى، فهو ليس بمخلوق. وهذا كذلك استدل الإمام أحمد رحمه الله تعالى على قول جعد بن درهم: "من خلق القرآن؟" بحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه: "أعوذ بكلمات الله". قال لهم: "أو يستعاذ بمخلوق؟" قال: أو يستعاذ بمخلوق؟ أي إذا كانت كلمات الله مخلوقة، ومن كلمات الله الكلمات الشرعية التي هي القرآن، لو كانت كلمات الله مخلوقة لما صحت الاستعاذة بماذا؟ بكلمات الله جل وعلا. فعلم لذلك أن كلام الله ليس بمخلوق، بل هو صفة لله جل وعلا. وأما المسألة الثالثة التي تضمنها هذا البيت أن هذا القول هو قول الأفاضل من لدن الصحابة رضي الله عنهم، بل وقبل ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، فهو قول أهل الصراط المستقيم والمتمسكين بحبل الله ومن دان بكتاب الله وسنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد ذكر العلماء لذلك أدلة كثيرة أن القول بإثبات صفة الكلام لله جل وعلا ليس شيء ثابت فقط في أدلة القرآن والسنة وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هو كذلك شيء لا ينكره أحد، ولا ينكره أحد حتى من أهل الملل الأخرى من اليهود والنصارى، وهو الذي جاء كذلك بإثباته أدلة الكتاب والسنة. وأنه كذلك أثبت عن موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من الأنبياء المرسلين. ولهذا لما قال من قال بهذه البدعة كان من ذلك قتل هذا القائل، وهو الجعد بن درهم؛ فإنه لما قال مقالته الشنيعة، فزعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، وأنه كذلك لم يتخذ إبراهيم خليلا، قام خالد القسري - وهو أحد أمراء بني أمية - بقتله في يوم العيد. فقال: "بسم الله، يا ضحى يوم العيد، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا". فنزل من على منبره وذبح الجعد بن درهم لمقالته الشنيعة؛ لأنه أنكر شيئا تواتر إثباته، ليس فقط في ديننا، بل في سائر الأديان. والله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، فأثبت الكلام لله جل وعلا، وهذه صفة ثابتة لله جل وعلا في أدلة كثيرة. فهذه ثلاثة مسائل أراد أن يثبتها المؤلف رحمه الله تعالى. وهذا لكذلك كما أن هذا ثابت في أدلة الكتاب وفي السنة، وعن الأنبياء والمرسلين، وعن نبينا عليه الصلاة والسلام، هو ثابت عن الصحابة وعن التابعين وعن من تبعهم من أئمة الدين. بل نقل ابن القيم رحمه الله تعالى عن اللالكائي، وذكره اللالكائي رحمه الله في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" أن ذلك قول أئمة المسلمين، نقل منهم أكثر من خمسمائة نفس، أكثر من خمسمائة نفس. وهذا ذا نقل نحو الطبري رحمه الله تعالى. وبهذا المبحث كذلك التنبيه على ما سوى ذلك من قول أهل البدع. وقلنا إن أهل البدع ممن خالف أهل السنة جميعا ينفون هذه الصفة، أولهم الجهمية، ثم كذلك المعتزلة، وهكذا الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من أهل البدع الذين ضلوا في مبحث الأسماء والصفات، كما ينفون هذه الصفة: صفة الكلام لله جل وعلا، وأن القرآن كذلك ليس كلام الله يضاف إلى الله إضافة الصفة. فالآن عندنا أمران: الأمر الأول إثبات صفة الكلام لله جل وعلا، وهو أن الله جل وعلا يتكلم كلاما حقيقيا يليق بجلال الله وعظمته. ومن كلامه القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى. ومن كلامه كذلك الكلام الشرعي الذي هي هذه الكتب، ومن كلامه كذلك الكلام التكويني، وهو قوله للشيء: "كن فيكون". فهذا كله من كلام الله عز وجل. والمبحث الثاني أخص من المبحث الأول، وهو إثبات أن القرآن كلام الله من هذا الكلام الذي يضاف إلى الله إضافة الصفة، وأنه ليس بمخلوق، أنه ليس بمخلوق. وقد مر معنا أدلته. وهنا يناسب أن ننتهي على بعض ما ذكره بعض أهل الأهواء مما يستدلون به على نفي هذه الصفة عن الله عز وجل، أولا: أي صفة الكلام، وعن نفي كون القرآن كلام الله يضاف إلى الله إضافة الصفة. فمن أعظم ما استدل به - وهو على وجهين - استدل بشيء من الأدلة الشرعية من الكتاب أو من السنة، واستدل بشيء من المعقولات. فمن أهم أو من أعظم ما استدل به من القرآن قول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فزعموا بذلك أن كل ما سوى الله فهو مخلوق، أن كل ما سوى الله فهو مخلوق. واستلزم ذلك عندهم أن يكون القرآن مخلوقا، وأن يكون كذلك سائر الصفات مخلوقة. وهذا ليس بصحيح، فهو مردود بالدليل الشرعي والدليل العقلي. أما الدليل الشرعي، فقد أثبتت الأدلة أنه يوجد ما يدل على أن هذا العموم الذي جاء أولا لا يدل على العموم. فقوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا يعني أن كل ما يسمى شيئا فهو مخلوق؛ لأنه هو سبحانه شيء. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾، قل الله، فسمى نفسه شيئا. وقال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: "باب الشيء"، أي أن الله جل وعلا يوصف بالشيء. وهكذا كذلك جاءت الأدلة الشرعية على أن كل عموم لا يقتضي العموم على إطلاقه، بل يقتضي عموما نسبيا، وهذا هو مفهوم اللغة، وهي طريقة القرآن. قال الله عز وجل: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، أي عن الريح، ومع ذلك قال الله عز وجل: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾، فمساكنهم مما لم تدمر، والسماء مما لم تدمر، والجبال مما لم تدمر. فعلم أن العموم في كل عموم نسبي يقتضيه السياق. فيكون المستثنى أحيانا بمقتضى الواقع، ويكون المستثنى أحيانا بمقتضى المعقول. فلأجل هذا صار لا وجه للاستدلال بالآية. بل كذلك يجاب عن ذلك بأن قوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، على إطلاقه فيما سوى الله، فلم يدخل الله عز وجل في ذلك، ولا صفاته؛ لأن صفة الخالق من الخالق، وصفة المخلوق من المخلوق. فالله عز وجل هو الخالق، وصفاته منه سبحانه وتعالى. وأما الشيء المعقول الذي استدلوا به، فهو ما استدلوا به وأرادوا أن يحاجوا به. وكان من ذلك ما كان مع الإمام أحمد رحمه الله تعالى، كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بكتاب "درء تعارض العقل والنقل". نقل أن بمناظرة الإمام أحمد قيل له: "القرآن هو الله أو غير الله؟" قال له: "الكلام كذلك هو الله أو غير الله؟" يريد أنه إذا قال: "هو الله"، فصار ذلك كفرا؛ لأن القرآن ليس هو الله، والكلام ليس هو الله. وإن قال: "هو غير الله"، جاء إلى السؤال الثاني، وهو قوله: "إذا كان هو سوى الله، فما سوى الله فهو مخلوق؟" هذا الذي يريد. لكن انظروا ماذا كان جواب الإمام أحمد رحمه الله؟ أجاب الإمام أحمد رحمه الله بسؤال، أجاب السؤال بسؤال. فقال: "ما تقول في العلم؟ هل العلم هو الله أو غير الله؟" فسكت الرجل. قال: "فما تجيب في العلم؟" فهو جواب في الكلام. ما تجيب في العلم؟ فهو جواب في الكلام. إذا كان جوابك في العلم أن العلم ليس هو الله، ومع ذلك العلم ليس بمخلوق، بل العلم صفة لله جل وعلا، فكذلك الكلام ليس هو الله، وهو كذلك ليس بمخلوق، وهو صفة لله جل وعلا. فهذا شيء من المعقول، وذلك شيء من المنقول مما يرد به ما استدل به هؤلاء. ومما استدل به هؤلاء كذلك استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، قالوا: "فجعل هنا بمعنى خلق". والله عز وجل يقول: ﴿إِنْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، أي صار القرآن مخلوقا كما أن الظلمات والنور مخلوق. وأجاب العلماء عن ذلك بأن "جعل" باللغة تأتي بمعنى الخلق، وتأتي بمعنى التبيين، وتأتي بمعنى التكوين، وليس بمعنى الخلق. تأتي بمعنى الخلق، وتأتي بغير معنى الخلق. فمن معنى الخلق قوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، ومن غير معنى الخلق قوله: ﴿إِنْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. قالوا: وبعد ذلك أن "جعل" إذا عديت إلى مفعول واحد فإنها تكون بمعنى الخلق. وإذا عديت إلى أكثر من مفعول فإنها لا تأتي بمعنى الخلق. فإنها لا تأتي بمعنى الخلق. ومن يذكر لنا دليلا واضحا دينا في شيء آخر بغير الله مما فيه "جعل" أنه ليس بمعنى الخلق؟ ها، "الذين جعلوا الله عظيم نعم". وكذلك: "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا"، هذا تعدي إلى مفعول أو إلى مفعولين، ها مفعولين: "الملائكة إناثا". وهل هؤلاء الناس خلقوا الملائكة؟ لا، وإنما معناه: صيروا الملائكة إناثا، صيروا الملائكة إناثا. ف"جعل" هنا ليس بمعنى خلق. وهكذا كذلك في قوله سبحانه: ﴿إِنْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، ليس بمعنى خلق، فهو أبدا ليس فيه معنى الخلق. وهكذا كذلك استدلوا بأشياء أخرى. وقد أجاب أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى عن كل ما استدلوا به بأجوبة. ولعله إن شاء الله يأتي معنا في الفقرة الثانية في البيت الآتي زيادة إتمام لهذا المبحث. فهذا نكتفي به، والحمد لله رب العالمين. أحد عنده شيء بهذا؟ نعم، هو أكبر، لكن معه هل يعني جعله ستاء؟ وجعله اسم فكل ما يكبر به عن الله فالأصل فيه السلطة، أصل فيه السلطة. نعم، ها لا، لا، لا، إخبار، هذا من باب الإخبار، هذا من باب الإخبار. بعض الأسماء تكون من باب الإخبار. طيب، نكتفي بهذا، وله الحمد لله رب العالمين.