شرح حائية ابن أبي داود 5

شرح حائية ابن أبي داود 5

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 5، الدرس الخامس : وفيه البيت (ولا تقل القرآن خلق قرائه ...فإن كلام الله باللفظ أوضح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسألة اللفظ في القرآن وخطورة الابتداع

يتناول المقطع مسألة اللفظ في القرآن وخطورة القول بأن لفظ القرآن مخلوق أو غير مخلوق، ويشرح أن هذا اللفظ مجمل ويحتمل معنيين مختلفين. يحذر من الوقوع في الفتنة والابتداع في هذه المسألة الحساسة.

القول في القرآن ولفظ القرآن وفقًا لأهل السنة

الناس في مسألة لفظ القرآن مخلوق أو غير مخلوق طرفان كلاهما مبتدعة، قول أهل السنة والجماعة هو نفي اللفظ والتفصيل في المعنى. القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ولفظ الإنسان به لا يخرجه عن كونه كلام الله.

إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة وتفسير الآيات والأحاديث

يؤكد الشارح مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة وفي الجنة، مستندًا إلى أدلة من القرآن والسنة النبوية. يُفسر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تثبت هذه الرؤية الحقيقية التي تليق بجلال الله وعظمته.

اكتمال الوضوح في رؤية الله جل وعلا وتشبيهها برؤية البدر

يُشَبِّه الشيخ وضوح الرؤية للبدر بجلاء رؤية الله عز وجل، ويشير إلى أن رؤية الله أكثر وضوحًا. يُنهي الشيخ الدرس الحالي لاستكماله في الدرس التالي، مما يوحي باستمرارية الموضوع وعمقه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى. ولا تقل: القرآن خلق، قراءته؛ فإن كلام الله باللغة أوضحه. طيب، وقل: يتجلى الله للخلق جهرة كما البدر لا يخفى، وربك أوضحه. يقول المؤلف، رحمه الله: وهذه المسألة الأخيرة التي أوردها، رحمه الله، من مسائل ومباحث القرآن. والمؤلف، رحمه الله، يتدرج مسألة مسألة، ومبحث مبحث، حتى انتهى إلى هذا المبحث، وهو مبحث اللفظ. ولا تقل: القرآن خلق في القراءة؛ فإن كلام الله باللغة أوضحه، وهي ما تسمى بمسألة اللفظ. وهذه المسألة كذلك استغلها بعض الجهمية أو بعض أتباعهم، بأن أدخلوا البدعة على الناس بخفاء. قلنا: إنه لما ظهر قولهم للسنة، وكذلك فشل الجهمية في إظهار مذهبهم، صاروا يدخلون مذهبهم بشيء من الخفاء. ومن ذلك هذه المقولة: لفظي بالقرآن مخلوق. هاتان العبارتان يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق. فنشأت هذه المسألة، وكان من وقع فيها أحد طائفتين: طائفة من الجهمية الذين أرادوا أن يبطلوا البدعة في المسلمين بشيء من الخفاء، وطائفة أخرى من الجهال الذين التبست عليهم هذه المسألة، فصارت فتنة ومحنة عظيمة، افتتن بها وامتحن بها أناس كثر. ولأجل هذا كان التحذير من الأئمة، من الإمام أحمد، رحمه الله، ومن بعده من الأئمة، في مسألة اللفظ. ووجه ذلك أن هذه المسألة أو هذه الكلمة مجملة، تحتمل أن مراد المتكلم لفظه بالقرآن مخلوق: أنه يريد به العمل الذي يعمله، وهي القراءة. ويحتمل أنه يريد به هذا المكتوب، وهو القرآن. فلأجل هذا صح عن إمام أحمد، إمام أحمد، رحمه الله، أنه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي. ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع. قال: فهو مبتدع. فجعل الذي يقول: مخلوق جهمي، والذي لا يقول: مخلوق مبتدع. لماذا؟ لأنه لو قال: مخلوق، أدخل اللفظ الذي هو كلام الله في هذا المعنى، وهو قول الجهمية: هم الذين يقولون: القرآن مخلوق. وإذا قال: غير مخلوق، أدخل العمل الذي هو عمل الإنسان، وهو مخلوق، وزعم أنه غير مخلوق. وهذا قول القدرية النفاة. وهذا قول القدرية النفاة، وهي المسألة السابعة من مسائل ومراتب القدر. فإن أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبتته وأدلة الكتاب والسنة، ومن ذلك أن أعمال وأفعال العباد مخلوقة لله جل وعلا، مخلوقة لله جل وعلا. إذن، كان الافتعال عن هذه اللفظة هو الواجب، فلا يقول الإنسان: مخلوق، ولا يقول: غير مخلوق؛ لأنه لفظ موهم. وهذه القاعدة: كل لفظ لم يرد في الكتاب ولا في السنة، فإننا نتوقف في لفظه، ونفصل في معناه. نتوقف في لفظه، ونفصل في معناه. فالتفصيل في المعنى: أن يقال: ماذا أردت بلفظي بقرآن مخلوق؟ هذا لفظ لا يجوز، ويسعى به الجهمية. إن أردت أن اللفظ الذي تريده بقول: لفظه، العمل، فالعمل مخلوق. القراءة التي هي العمل، من حركة اللسان، وكذلك الحلق، وخروج هذه الأحرف، هذه مخلوقة لله جل وعلا؛ لأنها فعل الإنسان. وإن أردت بها هذا الملفوظ الذي تتلقفه من كلام الله، فهو غير مخلوق. ولهذا نفرق بين القراءة والمقروء، والكتابة والمكتوب، والحفظ والمحفوظ. فنقول: القراءة، التي هي فعل الإنسان، مخلوقة. والمقروء، الذي هو كلام الله، ليس بمخلوق. والكتابة، التي هي فعل الإنسان، مخلوقة. والمكتوب، الذي يكتب من كلام الله، ليس بمخلوق. وهكذا. ولأجل هذا التفصيل وقعت الفتنة، حتى لبعض الأئمة. فالناس بهذا، كما قلنا، في هذا الموضع طرفان، وكلاهما مبتدعة. قوم من الجهمية، وتابعهم على ذلك بعض الجهال، زعموا أنه يقال: لفظي بالقرآن مخلوق. وزعموا أنهم يريدون بذلك الفعل والعمل. وهذا ليس بصحيح. حتى لو أرادوا ذلك؛ لأنه لفظ موهم، يدخل البدعة على عامة المسلمين. فلأجل هذا قال الإمام أحمد، رحمه الله، ومن تبعه من الأئمة: من قال: لفظه بالقرآن مخلوق، فهو جهمي. وطائفة أخرى من القدرية أو الجهل الذين تابعوه، قالوا: غير مخلوق. وزعموا أنهم يريدون بذلك القرآن، فوقعوا في بدعة أخرى. ولهذا قال الإمام أحمد: ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع؛ لأنه واضح القدرية النفاة، الذين نفوا أن تكون الأعمال، أعمال العباد، مخلوقة لله. فصار هذا اللبس ينفى، ويفصل في المعنى. اللبس ينفى، ويفصل في المعنى، هذا هو قول أهل السنة والجماعة. ولكن هذا التفصيل لم ينقل صريحا عن الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. فأثمر ذلك فتنة بين بعض أهل السنة؛ إذ أن بعض أهل السنة ظنوا أن من فصل في ذلك، فقد فتح باب شر على بعض المسلمين. وليس الأمر كذلك، بل التفصيل هو الواجب، وهو مقتضى الأدلة الشرعية، وهو كذلك عقيدة أهل السنة والجماعة. ولأجل هذا، ابتلي وفتن الإمام البخاري، رحمه الله تعالى، حتى ألف كتابه المشهور: خلق أفعال العباد. خلق أفعال العباد، رجاء أن يزيل عن نفسه فيما ظن أنه يقول بشيء، ويلصق فيه الجهمية. وليس الأمر كذلك. فإذا الخلاصة: استدللنا من هذا أن قول أهل السنة والجماعة هو هذا: نفي هذا اللفظ، والتفصيل في المعنى. قال رحمه الله: ولا تقول: القرآن خلق القراءة؛ فإن كلام الله باللفظ أوضح. أي: فإن كلام الله الذي هو القرآن باللفظ أوضح. يعني: يوضح بلفظ الإنسان. يوضح بلفظ الإنسان. فتلفظ اللافظين لكلام الله لا يخرج عن كونه كلاما لله. فالكلام ينسب إلى من قاله ابتداء. الكلام ينسب إلى من قاله ابتداء. فالذي تكلم به هو الله جل وعلا، فهو كلام الله. تكلمنا به نحن، أو تكلم به من قبلنا، أو من بعدنا، فهو كلام الله. لا يخرج عن كونه كلام الله. مثل أن نقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. هل هذا كلام من يتكلم به بعدي؟ لا. هل كلام من تكلم به قبلي؟ الجواب: لا. إنما كلام من قاله ابتداء، وهو من النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كذلك كلام الله جل وعلا، هو كلام الله، وإن تكلم به الناس. وإذا تكلم به الناس، فلا يخرج ذلك عن كونه كلاما لله جل وعلا. وكلام الباري ليس بمخلوق، وكلام المخلوق مخلوق. لكن كلام الله ليس بمخلوق. فكوننا نتكلم به لا يخرجه عن كونه كلاما لله، ليس بمخلوق. وهذا هو وجه اللبس الذي دخل على من ضل من الجهمية، أو من تابعهم من الجهلة الذين ينتسبون إلى العلم، ولم يوفقوا في هذه المسألة. ثم قال رحمه الله تعالى: وقل: يتجلى الله للخلق جهرة كما البدر لا يخفى، وربك أوضحه. انتقل الآن رحمه الله تعالى إلى المسألة الثانية، وهي مسألة الرؤية. فيقول: وقل -يعني يا أيها السني، يا من تمسكت بحبل الله، واتبعت الهدى، ولم تكن مبتدعا، وتريد الفلاح، ولزمت بكتاب الله، والسنة التي أتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا من جمعت هذه الصفات كلها- قل: ليكن هذا من عقيدته، قل: ليكن هذا من مذهبه. وقل: يتجلى الله للخلق جهرة. يتجلى الله للخلق جهرة كما البدر لا يخفى، وربك أوضحه. ومعنى يتجلى: أن يظهر بظهور فيه جلاء. يظهر للخلق بظهور فيه جلاء. وهذا واضح الجلاء من جهة المعنى، ومن جهة الحقيقة. فهو جلاء من جهة المعنى، ومن جهة الحقيقة. فيثبت رؤية الله جل وعلا على رؤية حقيقية، يراها أهل السنة، يراها المسلمون. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. يتجلى الله للخلق جهرة كما البدر لا يخفى، وربك أوضحه. وقوله: للخلق جهرة، يريد بذلك إثبات رؤية حقيقية. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة: أنهم يثبتون أن الله جل وعلا يرى رؤية حقيقية، لا تنافي جلال الله جل وعلا وعظمته. بل رؤية تليق بجلاله وعظمته سبحانه، ليس فيها شيء مما يكون فيه معنى مشابهة المخلوقين؛ لأنه سبحانه الخالق، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب، وفي السنة. والله جل وعلا يرى في عرصات يوم القيامة، ويرى في الجنة، وهو من أعظم نعيم أهل الجنة. ودلت على ذلك الأدلة الكثيرة في الكتاب، وفي السنة. وسيأتي إن شاء الله إشارة إلى ذلك في البيت الذي بعده. فمن أدلة الكتاب: قول الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي: ناظرة -في الأول- من النظارة والنعيم إلى ربها ناظرة، من النظر والرؤية. وهكذا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، فسرت الزيادة بأن النظر إلى وجه الله جل وعلا. وهكذا قول الله جل وعلا في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. سدل الإمام الشافعي، رحمه الله، وجماعة من سلف الأمة من الأئمة إلى أن هذا فيه إثبات الرؤية للمؤمنين؛ فإذا كان الكفار يحجبون عن الله، فإن المؤمنين يرون الله جل وعلا ولا يحجبون. وهكذا من أدلة السنة: أدلة كثيرة، منها حديث جرير بن عبد الله البجلي: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته». وبمعنى حديث أبي هريرة، رضي الله عنه. وأحاديث الرؤية بلغت حد التواتر، وهي كثيرة جدا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: جهرة، أي: حقيقة. وقد جاء هذا اللفظ في رواية البخاري: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إنكم سترون ربكم عيانا». وهذه اللفظة الصحيح أنها ليست لفظة بشادة؛ فلم يتفرد بها عبد الرزاق، بل إنه توبع، كما في رواية ابن خزيمة، رحمه الله تعالى. فهي لفظة ثابتة صحيحة، صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي تؤكد أن هذه الرؤية رؤية حقيقية، تليق بجلال الله وعظمته. فقوله: عيانا، أي: معاينة بالعين، على الوجه الحقيقي. قال: كما البدر لا يغفى، وربك أوضحه. ومثل النبي عليه الصلاة والسلام بالبدر؛ لأن البدر يرى ولا يغفى على أحد، وهو مخلوق. ولله جل وعلا المثل الأعلى، ولله جل وعلا المثل الأعلى. وبهذا يجوز ضرب الأمثال على وجه التقريب، لا على وجه المماثلة والتشبيه. وإنما المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، من جهة الوضوح، لا تشبيه المرئي بالمرئي. فهذا المرئي: البدر مخلوق، والمرئي: الله جل وعلا ليس بمخلوق. لكن المراد تشبيه وضوح الرؤية للبدر، كوضوح الرؤية كذلك في حق الله جل وعلا؛ فإنها واضحة كهذا وأشد. ونكتفي بهذا لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله ما تبقى في الدرس اللاحق. وإلى هنا، والحمد لله، ورحمة الله وبركاته.