الدرس الحادي والتسعون:من(قال الإمام أحمد رحمه الله:حدثنا إسحاق بن عيسى ...فما أصاب رجلاً منهم ذلك الحصى حصاه إلا قتل يوم بدراً كافراً حديث حسن ورجاله رجال الصحيح)
يروي الحديث عن محاولة كفار قريش قتل النبي صلى الله عليه وسلم وتعاقدهم على ذلك، ولكن الله عصمه منهم. ثم ذهب النبي إلى المسجد ورشقهم بالتراب، فكان كل من أصابه التراب قتل يوم بدر كافرًا.
يتحدث عن حكمة الابتلاء والامتحان في الإسلام وظهور الحق بعد ظهور أهله، ويتناول خطر الجهل وتآمر أهل الباطل على أهل الحق، ويشير إلى أهمية اتخاذ الأسباب مع التوكل على الله.
يشرح شروط إطالة الشعر وتجميليه في الإسلام، حيث يشترط عدم التشبه بالكفار والمشركين، ويستدل بحديث النبي في مخالفة المشركين واليهود في تصفيف الشعر.
يشير إلى انتهاء الحديث والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُعتبر هذا الختام تعبيرًا عن الإجلال والتقدير للنبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا عبد الرحمن مقبل ابن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا إسحاق بن عيسى قال: حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا بالله والعزى ومنات الثالثة الأخرى، ونائل وإساف، وكلها أصنام من كبار أصنام كفار قريش وما حولها من المشركين»، قال: «لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله». فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها تبكي حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك». فقال: «يا بنية أريني وضوءًا»، فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: «ها هو ذا». وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم -ومعنى أنهم نكسوا على رؤوسهم- قال: «وعقروا في مجالسهم، ما استطاع أحد أن يقوم». قال: «فلم يرفعوا إليه بصرا، ولم يقم إليه منهم رجل». فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: «شاهت الوجوه»، ثم حصبهم بها. فما أصاب رجلًا منهم ذلك الحصى حصاه إلا قتل يوم بدر كافرًا. قال: «هذا حديث حسن، ورجاله رجال الصحيح». أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لعصمة الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام، فهو من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. والشاهد من هذا الحديث لهذا الفصل والترجمة ظاهرة؛ فإنه أشار بإيراد هذا الحديث، وفيه القصة التي سمعنا أن المشركين عجزوا عن تنفيذ ما أرادوا من قتل النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا قليل من كثير مما مر معنا بعضه، وسيأتي معنا بعض آخر من عصمة الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام، وهو من دلائل صدق رسالته ونبوته. فليست قصة ولا اثنتان ولا ثلاث ولا أكثر من ثلاث، بل كثير مما يدل على تحقيق وتأكيد هذا المعنى أنه رسول الله حقًا وصدقًا؛ إذ عصمه الله عز وجل من هؤلاء المشركين والكفار. وفي الحديث مسائل أخرى، منها: سنة الله عز وجل في الصراع بين أهل الحق والباطل. وفيه كذلك أن هذا إذا وقع للأنبياء فمن دونهم من باب أولى؛ فعلى من سار في طريق الأنبياء الصبر على الامتحان والابتلاء. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» -أي الأقرب فالأقرب-. وعظم البلاء مقترن بعظم الجزاء؛ ولهذا كان أهل الجزاء الأعلى لهم البلاء الأكثر، وهذا من حكمة الله عز وجل. وفي هذا حكم أخرى؛ فمن حكم الله عز وجل أن يثبت أهل الحق بثبات أهله وإمته. ومن حكمه ظهور الحق بعد ظهور أهله بحصول الامتحان والابتلاء، وغير ذلك من الحكم التي جعلها الله عز وجل ثمرة لحصول الابتلاء والامتحان. وفيه من المسائل كذلك خطر الجهل على أهله؛ فإن الجهل يجعل أهله يفعلون ما لا يمكن أن يفعله عاقل. وليس بعد الكفر كما يقال. وكذلك فيه من المسائل ما يجب أن يحذره المسلم وحامل الحق من تآمر أهل الباطل؛ فعليه أن يأخذ بالأسباب مع توكله على الله عز وجل. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يعرض نفسه للخطر، ولكن أراد أن يريهم آية، وهو بوحي من الله فعل ذلك. ومع ذلك -يعني- أن الله أخبره أنه سيحفظه ويحميه. ومع ذلك أخذ بسبب معنوي، وهو الوضوء -يعني- أن حتى الآيات التي يريد الله عز وجل أن يظهرها يجعل لها أسبابًا. فنصر موسى عليه الصلاة والسلام على السحرة بماذا؟ بسبب وهي العصا. ما أن الله قادر على أن ينصر موسى بغير عصا، ولكن هذا من باب اتخاذ الأسباب. وفيه كذلك فضل الوضوء؛ وأن حفظ الله عز وجل لعبده المحافظ على الطهارة أعظم من حفظه لعبده الذي لم يحافظ على الطهارة. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام الحث أن يحافظ المؤمن على طهارته. وفيه كذلك من المسائل ما جعل الله عز وجل من آية أخرى من آيات نبوة وصدق رسالته؛ إذ من أصيب بذلك الحصى مات كافرًا يوم بدر. وهذه آية أخرى. وقد جاء عن عبد الله بن مسعود كذلك في الحديث الآخر حين آذوا النبي صلى الله عليه وسلم -وسيأتي معنا إن شاء الله- أنه دعا عليهم -أي على المشركين- فما من واحد من أولئك الذين دعا عليهم إلا وقتل يوم بدر، إلا وقتل يوم بدر. وهذه كذلك أوجه أخرى من دلائل صدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. وكذلك أخيرًا فيه من المسائل ما أيد الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام من المؤيدات التي قامت بها الحجج على من كان في زمانه؛ فما من أحد بلغته الرسالة إلا وقد قامت عليه الحجج -الحجج العلمية- وهكذا القدرية الكونية بما يدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. ولكن منع أولئك الكبر والتقليد؛ فإن أكثر ما منع المشركين من متابعة الحق إما الكبر وإما التقليد والاغترار بالكثرة. وإلا فقد قامت في نفوسهم الحق الذي لا يخفى على كل منصف أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو الحق وهو الصدق، وأنه رسول الله عز وجل حقًا وصدقًا. وشواهد هذا كثيرة في سيرته عليه الصلاة والسلام مع ما وقع مع المشركين. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. يقول: هل تربية الشعر سنة أو شيء جبلي كان يفعله العرب؟ تربية الشعر كان يفعله العرب، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم بسنته التقريرية، وكذلك الفعلية والقولية. فقد قال عليه الصلاة والسلام -يعني في إقراره على تربية الشعر-: «من كان له شعر فليكرم شعره». وهذا إقرار على إطالته، لكن له حد بالنسبة للصغير والكبير. وهكذا كذلك كانت له جمة عليه الصلاة والسلام، ووفرة أحيانًا يضرب شعره إلى أطراف أذنيه، وأحيانًا يصل إلى منكبيه. والتقريرية ما رآه من الصحابة رضي الله عنهم. لكن له شروط؛ من شروطه أن يكرم بمقتضى الشرع والعرف. «من كان له شعر فليكرم شعره». ومن شروطه أن لا يوافق المشركين والكافرين والفاجرين؛ فصح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس أنه كان له شعر، فكان يخالف المشركين في مكة فيزدل، وكان المشركون يفرقون -يعني يفرقون رؤوسهم- فيخالفهم ويزدل شعره إلى الخلف. فلما جاء المدينة وكان فيها اليهود وهم يزدلون، خالف اليهود عليه الصلاة والسلام، فصار ماذا؟ يفرق. بينما كان في مكة يزدل، فلما كانت سنة المشركين في مكة هي الفرق خالفهم بالسدل، ولما كانت سنة اليهود في المدينة بالسدل خالفهم بالفرق. واستدل العلماء بهذا أنه ينبغي للمسلم أن يخالف المشركين والكفار والفاجرين فيما اختصوا به. صحيح؛ إطالة الشعر مشروع، وفرق بين أن نقول مشروع وبين أن نقول مستحب. معنى مستحب: نحث الناس عليه. لكن مشروع: دالة السنة على إقراره وفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن ائتس به فله أجر إن شاء الله. لكن كما قلنا: بهذا الشرط، فليس من السنة إطالته على وجه وافق أهل الفساد والانحراف أو التشبه بالكفار. فبعض الناس فيه شهوة خفية يطيل الشعر رغبة في التشبه بالكفار، أو أحيانًا يكون في بلاد الكفر يريد أن يساير المجتمع، ويستحي أن يظهر بما يميزه عن المجتمع، فيستغل هذه السنة في مسايرة المجتمع. فلذلك تجده يجعل هذه السنة بما يوافق ماذا؟ كيفية صنع الكافرين بشعورهم الطويلة. فهذا خطأ، وهذا كذلك ربما يصل إلى المحرم لقوله عليه الصلاة والسلام: «من تشبه بقوم فهو منهم». وقد قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فلذلك من أراد أن يطيل شعره فليطله في حدود السنة، وبما لا يوافق أهل الفساد. ومع ذلك إن كان لا يستطيع الإكرام أو ربما يؤدي إلى مفسدة فلا بأس أن يقصره. ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح. يقول: هل من السنة أن يمشط الرجل شعره يومًا ويومًا؟ وهل التمشيط كل يوم تشبه بالنساء؟ نعم، إذا كان شعره لا يحتاج إلى تمشيط كل يوم، فالرجولة تقتضي أن لا يكون أمام المرآة كل يوم. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن الترجل إلا غِبًا. ومعنى غِبًا: يعني مرة ومرة، ليس كل يوم. وهذا مقيد بما إذا كان شعره لا يحتاج الاعتناء كل يوم. أما إذا كان شعره يحتاج الاعتناء كل يوم -خصوصًا من يكشف شعره- فهنا يأتي حديث: «من كان له شعر فليكرم شعره». فالسنة يفسر بعضها بعضًا. يقول: هل يجوز صبغ الشعر الأسود بغير الأسود للرجل؟ إذا كان المراد بهذا الصبغ هو العلاج، فهذا جائز ومباح؛ ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء. وأما إذا كان ذلك لأجل التشبه بالكفار، أو ما كان بمعناه مما يكون فيه كذلك المبالغة في الانشغال بوسائل الزينة، فهذا قد يكون محرمًا أو مكروهًا بحسب غاية ما يصل إليه. والأولى للرجل أن يسلك مسلك الرجولة؛ فإن كان قد نهي عن الترجل، فكيف بمن يقعد أمام المرأة ويتتبع حركات النساء في متابعة الصبغات للشعر؟ فهذا منافٍ للرجولة. بعض أهل العلم يستوحش فعل النساء في مثل هذه الصبغات، حتى بعضهم ربما منع ذلك وحرم، وبعضهم أباح بلا حرج مع التحذير من التوسع في هذا الباب. فكيف أن يفعل الرجل مثل هذا؟ فللأحوط ترك هذا الباب، والله تعالى أعلم. طيب، لهنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه وسلم.