الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 59، الدرس التاسع والخمسون:من( فصل:في إجابته صلى الله عليه وسلم عن أسئلة أهل الكتاب ... وأخرج مسلم لداود بن أبي هند وأخرج البخاري لعكرمة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول قصة سؤال اليهود للنبي محمد عن الروح وإجابته بناءً على الوحي الإلهي. نزلت الآية الكريمة "قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".
يشرح كيف أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم عن أسئلة أهل الكتاب بما يتوافق مع ما لديهم من علم يدل على صدق نبوته ورسالته. يشير إلى أن عدم معرفة النبي للغيب إلا ما أطلعه الله عليه دليل على كذب ادعاءات من يزعمون معرفة الغيب.
يشدد على أهمية التوقف في العلم وعدم الارتجال في الفتوى والأحكام. يؤكد أن العلم الشرعي المستند إلى الكتاب والسنة هو الأساس في مخاصمة أهل الكتاب وأعداء الدين.
يناقش قراءة الأعمش ومدى مطابقتها لقراءة ابن مسعود. يشير إلى أن قراءة الأعمش تحتوي على الكثير من القراءات التفسيرية الشاذة لعدم ثبوتها بالقراءة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال: فصل في إجابته صلى الله عليه وسلم عن أسئلة أهل الكتاب وغيرهم بما يسكتهم. قال البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا قيس بن حفص، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الأعمش سليمان، عن إبراهيم -يعني النخعي-، عن علقمة، كذلك عن عبد الله -يعني ابن مسعود-، قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة -جمع خرابة، وهي البيوت التي قد انهدمت لقدمها-، قال: وهو يتوكأ على عسيب معه -والعسيب جدع النخل-، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه -يعني الوحي-، فقال: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾، قل: آية ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾. قال: لعمش: هكذا في قراءتنا ﴿وما أوت من العلم إلا قليلا﴾، يراجع المعروف المشهور القراءة السبعية ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾، ينظر أحدكم في النشر في فرش سورة الإسراء، يأتي بالجزء الثاني من النشر، المكتبة... ﴿وما أوتيتم﴾، طيب، هو الصواب، لكن هنا عندي: قال: قال لعمش: هكذا في قراءتنا، عندك هكذا في قراءتنا لعمش؛ لأنه لو قال: لعل هذا تصويب من بعض النساخ -يعني صواب الرواية ﴿وما أوت من العلم إلا قليلا﴾-، فرأى ذلك بعض النساخ، فصوب الآية على الصواب، لكن نريد أن نعرف: هل هي قراءة عشرية أم ليست بقراءة عشرية؟ انظروا في الجزء الثاني من النشر، فرش سورة الإسراء. قال: أخرجه مسلم. قال: وقال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن زكريا، عن داود -قال شيخنا: وهو ابن أبي هند، كما في «دلائل النبوة» للبيهقي-، قال: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فنزلت: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾، قالوا: أوتينا علما كثيرا، وأوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر﴾. قال: هذا حديث صحيح لإسناد، ورجاله ثقات مشهورون؛ فقد أخرج الشيخان لقتيبة ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأخرج مسلم لداود بن أبي هند، وأخرج البخاري لعكرمة. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث بروايتيه: عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنهما، وفيه ما يوافق هذه الترجمة: فصل في إجابته صلى الله عليه وسلم عن أسئلة أهل الكتاب وغيرهم بما يسكتهم؛ يعني هذا من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. فإن أهل الكتاب عندهم علم بما أوحى الله عز وجل إلى أنبيائهم ورسلهم، فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يأتي به ليس بوحي من الله، لعارضوه بما عندهم من العلم والوحي الذي أخذوه عن أنبيائهم ورسلهم، فلما كان سؤالهم يجابوا عنه بما لا يستطيعون الحيد عنه، دل ذلك على أنه رسول الله حقا وصدقا، خصوصا وأنه عليه الصلاة والسلام أمي، ومن أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وهو لا يقرأ ولا يكتب عليه الصلاة والسلام، ولم يسبق أنه علم علما من أهل الكتاب. فهو لم يقرأ ولا يكتب، فضلا أن يكون أخذ علما من علم أهل الكتاب، فليس كل من قرأ وكتب أخذ علما من أهل الكتاب كما هو حال الناس اليوم، فضلا عما كان قبل ذلك في فترة جهل الناس، فكونه عليه الصلاة والسلام يجيبهم بما يسكتهم، دل ذلك على أنه رسول الله حقا وصدقا، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. ووجه الشاهد في الحديثين ظاهر في كونه سألوه عن الروح، فأجابهم بالآية التي أنزل الله عز وجل إليه: أن الروح من أمر الله، وما يعلم أمرها إلا هو سبحانه، وأنه مما لا يعلمه الناس، ومما استأثر الله عز وجل بعلمه عن الناس، فلم يستطيعوا أن يعارضوه عليه الصلاة والسلام؛ لأن العلم الذي عندهم يوافق ما جاء به عليه الصلاة والسلام، فهم ينتظرون أن يأتي بتفسير للروح، فلما لم يأت بشيء، وإنما أخبرهم أنه من الغيب، وافق ذلك ما عندهم، فأسكتهم. وفي الحديث مسائل أخرى من أهمها ثلاث مسائل: أولها: فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب إلا ما أعلمه الله، وهذا دليل من أدلة كثيرة تدل على هذا المعنى، فإذا كان هذا نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن دونه؟ وبه نعرف ظلال وكفر وشرك وردة من ادعى علم الغيب، ولو زعم أنه ولي من أولياء الله، أو أكرم بكرامة، فكل ذلك كذب ودجل؛ فالغيب هو من خصائص علم الله سبحانه وتعالى، حتى الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يعلمونه إلا ما أعلمهم الله عز وجل به. وفيه كذلك من المسائل: ما يجب من التوقف في العلم على ما يأتي من علم الله؛ فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجيب إلا بما علمه الله، فمن دونه من أتباعه من باب أولى، لا يجوز لأحد أن يرتج للفتوى والأحكام، ومنها كذلك المواقف والأفعال بالهوى والعاطفة والاستحسان، بل لا بد أن يكون عنده برهان وأثارة من علم مما أنزله الله عز وجل من العلم، وعلم أهل الإسلام: الكتاب والسنة؛ لأن السنة وحي كذلك من الله: إما منطوق بلفظه أو معناه، أو فعل بوحي من الله، أو إقرار من الله سبحانه وتعالى عليه. فإذا كان كذلك، علم أنه لا يجوز لأحد أن يتكلم، وأن يقول بقول إلا وله فيه برهان -يعني أن ينسبه إلى دين الله-، ليس من دين الله. وفيه كذلك من المسائل: ما ينبغي على المسلم من تعلم العلم ومخاصمة أهل الكتاب؛ فبالعلم يخصم أعداء هذا الدين، ومنهم أهل الكتاب، ليس بالعقل، ولا بالعواطف، ولا بالفلسفات يخصم أعداء الدين وأهل الكتاب، بل يخصمون بالعلم الشرعي: علم الكتاب والسنة. فمتى ما رسخ المسلم بذلك، استطاع أن يخصم أهل الكتاب وغيرهم من أعداء هذا الدين، ومتى لم يرسخ في ذلك، فلا تسأل عن التخبط الذي يكون عنده، وكل شيء يأتي به من العلوم، يستطيع أن يأتي به غيره، لكن معيار الصواب والخطأ، وكذلك الخصم وغيره، هو في هذا الباب: في العلم الشرعي؛ لأن القضية قضية شرعية، ولأن النقاش مع هؤلاء يتعلق بأمر الدين. فلذلك ينبغي على المسلم أن يرسخ فيه، وليس من لازم من يناظر أهل الكتاب وأهل الكفر أن يكون عنده علم بالعلوم المادية وغيرها من وسائل ومعاني فلسفية أو نظرية أو غير ذلك؛ لأن ذلك يستطيع أن يحيله إلى غيره، وليس ذاك بنقص، لكن الشأن كل الشأن أن يكون راسخا في العلم الشرعي. ولهذا من لم يرسخ، أتى بالعجائب في مناقشته ومخاصمته لأهل الكتاب ولأعداء هذا الدين، كحال بعض من ينتسب إلى الإسلام من الدعاة، وهو غير راسخ بالعلم الشرعي، ثم يخوض في مناظرات مع أهل الكتاب، فيأتي بالعجائب التي فيها ربما نفي أشياء أثبتها الشرع، والتبرؤ من أشياء أقرها الشرع، كل ذلك فرارا من مخاصمة أهل الكتاب، فيخصمهم في كفر، ويقع في كفر، وهذا من المصائب العظيمة. مثل ما يقع لبعض الدعاة المعاصرين مناظرات مع أهل الكتاب في أمور عقلية، ثم بعد ذلك يأتي فيجحد أشياء في دين الله عز وجل، وثابتة في نص الكتاب أو في نص السنة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فينبغي الإنسان أن يرسخ في العلم الشرعي. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم. وجدتم شيء في النشر ما ذكر شيء، طيب، فالظاهر إذن هذه من قراءة الأعمش، وقراءة الأعمش كقراءة ابن مسعود، فيها الكثير من القراءة التفسيرية، وهي قراءة شاذة -يعني كثيرا ما ينقل عن الأعمش أشياء في القراءات وهي شاذة-، يعني من جهة ثبوتها بالقراءة، لا من جهة التفسير بها. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم.