المحاضرة بعنوان وقفة مع قوله صلى الله عليه وسلم و لاطيرة، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينفي الحديث النبوي وجود الطيرة ويبين أن التطير هو تشاؤم بلا أساس، ويؤكد أن التوكل على الله يزيل هذه الأوهام. يشرح أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى وجود الطيرة وأكد أن التطير شرك يجب التخلص منه.
التطير والتشاؤم من معتقدات الجاهلية التي نفتها الشريعة الإسلامية، حيث كانوا يعتقدون أن بعض المسموعات والمرئيات تجلب الخير أو الشر، بينما الإسلام يقرر أن الخير والشر كله بيد الله وحده.
التشاؤم من الطيور أو الدواب من اعتقادات الجاهلية الباطلة، وقد نهى الإسلام عن ذلك وأمر بالتوكل على الله وحده. من ردته الطيرة عن حاجة فقد أشرك، وكفارة ذلك قول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك.
الكلمة الطيبة تحيي التوكل في النفس وتزرع الإيمان وتصحح الخطأ في ترك العمل بسبب الطيرة. ينبغي أن يكون الإقدام والإحجام بالله وحده دون تأثير الطيرة.
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر. رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية للإمام مسلم أنه زاد عليه الصلاة والسلام فقال: ولا نؤا. من حديث أبي هريرة. وجاء في مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه زاد: ولا نؤا ولا غول. وهكذا جاء معناه من حديث ابن عمر وجماعة من الصحابة. هذا الحديث العظيم، أيها الأحبة، حديث يتناول مسائل عظيمة جليلة من مسائل العلم والإيمان، من مسائل التوحيد والعقيدة التي لا يستغني عنها مسلم. فنقف وقفات مع أهم مسائل هذا الحديث. في قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا طيرة»، نفى النبي صلى الله عليه وسلم وجود الطيرة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: والنفي أبلغ من النهي، والنفي أبلغ من النهي؛ لأنه يتضمن النهي وزيادة. فكونه عليه الصلاة والسلام ينفي وجود الطيرة فهو أبلغ من نهيه عنه. فكأنه يقول عليه الصلاة والسلام: لا وجود للطيرة، فكيف تعتقدونها؟ وكيف تخافون منها؟ فهو شيء غير موجود. ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون. فقال عليه الصلاة والسلام: «ذلكم شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم». يعني: إنما هي أوهام، إنما هي أوهام قد ترد على بعض النفوس، لا وجود لها في الحقيقة والواقع. وفي مسند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك». كررها ثلاثا عليه الصلاة والسلام. والحديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح. وفي آخره أن ابن مسعود قال: وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل. ومعناه: وما منا من أحد إلا وقد يرد على نفسه من الشيطان ما قد يكون فيه معنى التطير وإن لم يكن التطير، ولكن الله يذهب هذا الذي يرد على النفس بالتوكل. فالتوكل يذهب هذا التطير. والتطير عرفه العلماء بأنه التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم. وعرفه بعضهم بأحسن منه، فقال: هو التعلق بوقوع الخير والشر في كل مسموع أو مرئي أو معلوم. ومعناه: أن الخير والشر كله بأمر الله وبيد الله، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضَرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. فالخير والشر كله لله جل وعلا وحده، فلذلك فأنت تطلب الخير منه وتطلب دفع الشر منه، فهو سبحانه وتعالى الذي على كل شيء قدير. فإذا كان كذلك، فلا تتعلق بمسموعات أو مرئيات أو معلومات تتعلق بها فتظن أنها تجلب خيرا أو تدفع شرا أو العكس تجلب شرا وتدفع خيرا، والله جل وعلا لم يجعلها كذلك. وإنما كان هذا من عقيدة أهل الجاهلية لفرط جهلهم ولكثرة شركهم ولبعدهم عن العلم الذي به تصح العقائد، صاروا في تلك الجاهليات. فكان أهل الجاهلية يتشاؤمون بمسموعات ومرئيات ومعلومات، فربما بعضهم إذا سمع صوت بعض الحيوانات طائرة كانت أو من الدواب الماشية تشاؤم منها، كتشاؤمهم من نباح الكلاب أو من صوت البوم أو من نعيق الغراب أو غير ذلك. وهكذا من حركة الطيور، ومنه سمي التطير تطيرا، فإذا طار يمنة جعلوا أن ذلك علامة الخير والبركة، وإذا طار يسرة وشمالا جعلوا أن ذلك علامة الشؤم والشر. وكل هذا إنما هو من الأوهام، إذ لم يجعل الله عز وجل حركة الطيور سببا في الخير ولا في الشر، ولم يجعل الله عز وجل حركة الطيور أسبابا لكشف شيء من الغيب فيه خير أو شر. وهنا تنبيه مهم، وهو أننا كما ننفي تعلق الشر بهذه المرئيات، فكذلك ننفي تعليق الخير بهذه المرئيات. فليس عند هذه الطيور ولا الحيوانات شيء من الخير أو الشر. ومنه وللأسف ما قد بقي بعض معناه عند بعض المسلمين، ربما بعضهم اليوم إذا جاءه أعمى في أول النهار أو أعرج يريد أن يشتري منه رفض أن يبيع له، تشاؤما أن يكون بيعه في هذا اليوم بيعا فيه شر لوجود هذا العيب في هذا المشتري. وهذا باطل، إنما هو بعض ما بقي من آثار اعتقاد أهل الجاهلية. وهكذا كذلك تشاؤمهم من بعض المسموعات، كما سمعنا كانوا يتشاؤمون برؤية بعض الأشياء، وهكذا كذلك بأصوات بعض الأشياء، فيتشاؤمون من صوت الكلاب، فإذا سمعوا بها عند بيت أحدهم قالوا: هذه تنعي لنا أحدا قريبا يموت. كان هذا من اعتقاد أهل الجاهلية، وللأسف صار بعضه موجودا إلى يومنا هذا. وهكذا صوت البوم إذا سمعها المسافر في سفره أو حفت على ظهر بيت أحدهم تشاؤم من ذلك تشاؤما عظيما. ولا يزال بعضه إلى يومنا هذا يتشاؤمون من صوت بعض الطيور أو بعض الدواب، وهو من اعتقاد أهل الجاهلية، وكل ذلك من الباطل والأوهام التي لا وجود لها في الحقيقة ولا في الواقع. ثبت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن رجلا كان معه فسمع صوت طائر فقال: خير، خير. فقال: لا خير ولا شر. يعني: هذه الطيور وأصواتها ليس فيها خير وليس فيها شر، بل هي مخلوقة من مخلوقات الله لم يجعلها الله أسبابا ولا علامات للخير ولا للشر. وثبت كذلك عن طاووس رحمه الله تعالى أنه أراد أن يسافر سفرا وكان في رفقته غلام يخدمه، فسمع صوت طائر فقال: خير، خير. فقال: لا تصحبني، فلا حاجة لي في صحبتك؛ لأنه قال شيئا ينافي العقيدة. وثبت عن عمر بن العبد العزيز رحمه الله تعالى من طريق مزاحم، قال: كنت مع عمر بن عبد العزيز ونحن خارجون من المدينة، فنظرت فإذا القمر في الدبران، وهو منزل من منازل القمر كان يتشاءم منه العرب. قال فقلت: يا أمير المؤمنين، انظر إلى القمر ما أحسنه في هذه الليلة. فنظر إليه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فقال: يا مزاحم، أردت أن تخبرني وتعلمني أن القمر الليلة في الدبران؟ اعلم يا مزاحم أننا لا نخرج بشمس ولا قمر، ولكننا نخرج بالله الواحد القهار. هذه عقيدة أهل الإسلام، أهل التوحيد والإيمان، أنهم يخرجون بالله ويقفون بالله، وكل أقوالهم وأعمالهم وأفعالهم بالله، ليس بمثل هذه العقائد الفاسدة الكاسدة التي عليها عقائد أهل الجاهلية. ثبت في مسند الإمام أحمد وغيره بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك. قالوا: فما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قالوا: فما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: «كفارته أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». كفارة من وقع في نفسه شيء من ذلك وكان قد ترك العمل من أجل هذه الطيرة أن يقول هذه الكلمة التي تقوي عقيدته وثقته بربه وتوكله على خالقه. فإن هذه الكلمة تحيي فيه عظيم التوكل وتزرع في قلبه الإيمان، ويصحح بأن لا يترك العمل من أجل هذه الطيرة. فلا تترك الأعمال من أجل هذه الطيرة، بل ينبغي أن يكون إقدامك وإحجامك بالله وحده سبحانه وتعالى.