جبر الخواطر

جبر الخواطر

الخطبة بعنوان جبر الخواطر، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 20 جمادى الأولى 1446هـ الموافق 22 نوفمبر 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم جبر الخواطر وأهميته

جبر الخواطر هو أحد مكارم الأخلاق في الإسلام، ويعني تلبية احتياجات الناس قبل أن يطلبوها. له منزلة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى.

تطبيقات جبر الخواطر في الحياة اليومية

يجب على المسلم جبر خواطر الناس في مختلف المواضع، مثل الأفراح والأتراح، ومع الضعفاء والمساكين. كما يجب أن يكون خلقه حسن مع كل المسلمين.

أمثلة من القرآن والسنة على جبر الخواطر

هناك أمثلة من القرآن والسنة على جبر الخواطر، مثل جبر خاطر النبي صلى الله عليه وسلم عند معاتبته، وجبر خاطر المطلقات. كما يشدد الإسلام على أهمية تجنب الأذية والتحلي بالأخلاق الكريمة.

التغافل عن السيئات والعفو عن الإساءة

ينبغي التغافل عن السيئات والفرح بالحسنات، وقد كان الأنبياء يتصفون بهذا الخلق الكريم. عفوا عن المسيئين إليهم، ونسأل الله أن يلهمنا رشدنا ويصلح حالنا.

  • 24 جمادى الأولى 1446هـ - 25/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة. مكارم الأخلاق عظيمة، ومن أعظم ما في مكارم الأخلاق جبر الخواطر، الذي هو أعلى درجاته وأربع منازله. أن يكون عندك من الإحساس للآخرين أن تسبقهم بما يحتاجونه قبل أن يسألوه، أن تسبقهم بإعطائهم ما يكرمهم حين يفقدوه، أن تسبقهم بما ينبغي أن يسبق صاحب الفضل مواضع الفضل. كن من السباقين في جبر الخواطر في مشاركة إخوانك وأهلك وأقربائك في أفراحهم، فإنها لن تنسى لك. والدنيا والحياة مواقف، تبدأ بالصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه هجر ثلاثة نفر لما صدر منهم في قصة تبوك المشهورة بأمر ووحي من الله سبحانه وتعالى. إن الحمد لله، نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، أكرمنا الله عز وجل في هذا الدين العظيم بالأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة الكفيلة بإصلاح هذا الإنسان في حاله ومآله، وفي حاضره ومستقبله، وفي دنياه وأخرى، وفي نفسه وأهله ومجتمعه، بما أنزل من الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة في كتابه الكريم، وفي سنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم. وما كان من تطبيق هذا الدين العظيم في خير أمة أخرجت للناس، من كان قد اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه ونصرة دينه، صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رضي الله عنهم وأرضاهم، الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿فَإِن آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. أيها المسلمون عباد الله، وإن من تلك الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة والضوابط المرعية والقواعد كذلك المهمة، ما جعل من أمر الأخلاق الكريمة والآداب المستقيمة التي دعت إليها شريعتنا وجاءت به نصوص كتاب ربنا وسيرة ونصوص أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم. مكارم الأخلاق أيها المسلمون لها منزلة عظيمة في دين الله عز وجل، ذكر الله عز وجل مكارم الأخلاق في مواضع كثيرة في كتابه، تارة بالأمر به، وتارة بالإخبار بفضله، وتارة بعاقبة أهله، وتارة بذكر مواقف وسير الأنبياء والرسل والصالحين وحالهم معه. فإن الله عز وجل أخبرنا في كتابه الكريم بقوله، وهو يخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم ويخبر عن وصفه عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. إن للأخلاق الكريم منزلة عظيمة بدين الله، حتى كاد أن ينحصر هذا الدين في مكارم الأخلاق. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أرضاه، بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». أي كاد أن ينحصر مبعثه عليه الصلاة والسلام لإيصال مكارم الأخلاق. فمكارم الأخلاق عباد الله هو أعلى مراتب أهل الإيمان، ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيح أنه قال: «أكمل المؤمنين إيمانا أحاسنهم أخلاقا». فكمال إيمان المؤمن بحسن خلقه مع ربه وخالقه، بحسن عبادته والتدلل والخضوع له والانكسار بين يديه، حسن خلقه مع نفسه بإكرامها وتزكيتها بدين الله عز وجل وشرعه، ومع أهله بحسن معاملتهم وحسن إرشادهم وتعليمهم وحسن الاقتداء في نفسه لهم، وغير ذلك. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله». وهكذا مع الآخرين، الأقرب فالأقرب، والأقربون أولى بالمعروف. مع أقرب الناس إليه من والديه، ثم الأعلى فالأدنى فالمساوي، كل له حق عند الله. قرن الله عز وجل حق الوالدين بحقه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. حتى إن كانا كافرين فلهم البر والإحسان والصبر في الدعوة إلى هذا الدين العظيم، لا ينسى فضلهما وبرهما وإحسانهما حتى ولو كان عندهما من الكفر ما كان، فإن لهما حق عند الله سبحانه وتعالى. وهكذا العدو فضلا عن القريب، فله حق في دين الإسلام. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. ألو مع العدو فكيف بالحبيب والقريب، فله عند الله عز وجل منزلة عظيمة. أيها المسلمون عباد الله، وإن من مكارم الأخلاق جبر الخواطر، فإنها موضع من مواضع مكارم الأخلاق، لها منزلة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى. جبر الخواطر التي تعتبر لب الخلق الحسن وخلاصة الدين الأكمل. جعل الله عز وجل له مواضع في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، والصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم في تاريخهم ومواقفهم وسيرهم. مكارم الأخلاق عظيمة، ومن أعظم ما في مكارم الأخلاق جبر الخواطر، الذي هو أعلى درجاته وأرفع منازله. أن يكون عندك من الإحساس للآخرين أن تسبقهم بما يحتاجونه قبل أن يسألوه، أن تسبقهم بإعطائهم ما يكرمهم حين يفقدوه، أن تسبقهم بما ينبغي أن يسبق صاحب الفضل مواضع الفضل. ومن ذلك مواضع كثيرة هي من مواضع الأخلاق الحسنة الكريمة في دين الله عز وجل. ومن مواضع جبر الخواطر من هذه المواضع التي دلت عليها شريعتنا وأرشدت إليها سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمواضع كثيرة يشق حصرها في مثل هذا المقام، وفي مثل هذه الدقائق واللحظات. وحسبنا أن نقف في هذه اللحظات على بعض أهم تلك المواضع، ولفتات يسيرة ووقفات مختصرة مع أهمها وكذلك أعظمها من هذه المواضع. أيها المسلمون عباد الله، جبر الخواطر عند حصول النعمة، فإن جبر الخواطر عند حصول النعمة من مكارم الأخلاق. إذا أنعم الله عز وجل عليك بنعمة فأفض على الآخرين من هذه النعمة جبرا لخواطرهم، أن رأوا نعمة الله عز وجل وصلت إليك فأوصل إليهم وابذل لهم بعض مما أعطاك الله سبحانه وتعالى. وهذا له مواضع كثيرة في كتاب الله عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾. فإذا رزقك الله عز وجل مالا فأفض من هذا المال، وإذا رزقك الله عز وجل جاها فأفض من هذا الجاه، وإذا رزقك الله عز وجل رئاسة أو منصبا فأفض من هذه الرئاسة وهذا المنصب، وإذا رزقك الله عز وجل قوة فأفض مما أعطاك الله وأنفق كما أعطاك الله سبحانه وتعالى. وهكذا في المواضع الخاصة إذا حصل موضع خاص فيه نعمة خاصة، فينبغي كذلك جبرا لخواطر من حولك أن تفيض عليهم مما أعطاك الله وأن توصل إليهم بعض ما أعطاك الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في موضع من هذه المواضع الكثيرة: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. انظر إلى هذا الموضع إذا حضر القسمة بعض الفقراء والمساكين والمحتاجين والمعوزين، والناس يتقاسمون المال ويتقاسمون الكساء ويتقاسمون ما ورثوه من ميتهم، وحضر بعض الضعفة والفقراء والمساكين، فإنه من جبر الخواطر ومن حسن الخلق أن تمدهم ببعض ما أفاض الله عز وجل عليك وأنعم الله عز وجل عليك. فلو لم يكن إلا الكلمة الطيبة المعروفة الحسنة أعطيتهم أو لم تعطيهم، فإن جبر خواطرهم في هذا الموضع من مواضع مكارم الأخلاق التي يأمر بها ديننا. وصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الرجل إذا أكل فأتاه غلامه أو عبده أو أمته أن يمته باللقمة أو اللقمتين، يعني يطعمه مما يطعم. وإن من مكارم الأخلاق جبر الخواطر عند الأفراح والأتراح. جبر الخواطر عند الأفراح وعند الأتراح، فعند الأفراح كن من السباقين في جبر الخواطر في مشاركة إخوانك وأهلك وأقربائك في أفراحهم، فإنها لن تنسى لك. والدنيا والحياة مواقف، تبدأ بالصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه هجر ثلاثة نفر لما صدر منهم في قصة تبوك المشهورة بأمر ووحي من الله سبحانه وتعالى. فلما أنزل الله عز وجل توبتهم ودخل كعب بن مالك، فكان أول من بشره وأقبل عليه وأفرحه طلحة رضي الله عنه أرضاه. فقال رضي الله عنه أرضاه: «فوالله ما قام لأحد من المهاجرين إلا طلحة»، يعني مسرعا مبشرا له بتوبة الله عز وجل عليه وعلى صاحبه، وفرحا بفرحه ومشاركا له كذلك في سروره. فكان ذلك سببا أن قال كعب رضي الله عنه أرضاه: «فوالله ما أنساها له الدهر أبدا». كذلك يا أيها المسلم، وقفتك مع إخوانك في الأفراح في الزواج وفي غيره، إن وجدت من دخل عليه الفرح فبشره بهذا الفرح بلسانك أو بوقوفك معه بمالك أو بوقوفك معه كذلك بحسن أخلاقك وجهدك وبذلك وغير ذلك مما تستطيع. ومن مواضع جبر الخواطر أيها المسلمون، جبر الخواطر في وقت الأتراح، أي في وقت الأحزان، فإنها موضع آخر من مواضع جبر الخواطر، ولها مواضع كثيرة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. نسمع ونقرأ قول الله عز وجل: ﴿كَيْفَ وَأَصَابَهُمْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾، وقول الله عز وجل: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾، وتلك الأيام نداولها بين الناس. وهكذا ما وقع من الخوف والحزن عند أبي بكر رضي الله عنه أرضاه في الغار، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن واساه، إلا أن واساه وجبر خاطره بقوله: «لا تحزن إن الله معنا». فأنزل الله عز وجل تلك الآيات العظيمات المثبتات على قلب النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وهما في الغار: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، جبرا لخواطرهما وإعانة لهما. وهكذا كذلك ينبغي أن نكون معاشر المسلمين أن نجبر خواطر بعضنا بعضا في وقت الأتراح ووقت الأحزان، فإن المسلم ينجبر خاطره بوقفتك معه، وقفتك معه بمالك، وقفتك معه بجهدك، ووقفتك معه بمشاركتك له بحزنه. جاء في الصحيحين في حديث عائشة رضي الله عنها أرضاها في قصة الإفك أنها رضي الله عنها أرضاها بكت بكاء عظيما شديدا، حتى لم ينقطع دمعها وكاد أن يتفطر كبدها. فخاف والدها عليها من شدة حزنها، وقد أصابها ما أصابها. قالت: «لم ينقطع دمعي يومين متتاليين وليلة». ثم دخلت إليها امرأة من الأنصار، فما كان منها إلا أن بكت معها وواستها في حزنها. قالت عائشة: «فوالله ما أنساها لها»، أي كونها شاركتها حزنها وسلتها بعظيم ما سيأتيها من فرج ربها. فما مرت الأيام إلا ونزلت الآيات في تبرئتها من الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيها المسلمون عباد الله، من مواضع جبر الخواطر جبر الخواطر مع أهل الضعف والمسكنة، فإن الله عز وجل أمرنا أن نجبر خواطرهم وأن لا نكسر كذلك نفسياتهم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. فأخبر الله عز وجل النبي وهو إخبار لهذه الأمة جميعا أن يحسن المرء مع الناس جميعا، ومع اليتيم والمسكين والسائل على وجه أخص، جبرا لما عندهم من النقص والكسر. فإنه ينبغي أن يكون معهم من حسن الخلق ومن حسن التعامل ما يجبر كسرهم وما يعين على إصراح حالهم. فالمسلم ينبغي أن يكون خلقه حسن مع كل المسلمين، ومع من عنده كسر من اليتامى والمساكين والضعفة والمعوزين من باب أولى. ومن ذلك أيها المسلمون عباد الله ما تقدم من النفقة والإحسان إليهم في مواضع العطاء، وفي مواضع وجود الجود والنعمة، فإنه كذلك ينبغي أن يواسى هؤلاء في حال كسرهم والمنقصتهم وضعفهم وحاجتهم. ومن هذه المواضع أيها المسلمون ترتيب الأولويات وتقديم الأهم على المهم في دين الله عز وجل. ومن ذلك ما يتعلق بجبري خاطري ذوي العاهات وذوي الهمم ممن عندهم شيء من الكسر أو النقص. انظر كيف أن الله عز وجل عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يدعو عظيما من عظماء المشركين إلى دين الله عز وجل، وهو يدعوه ويحاوره فيأتي ابن أم مكتوم وكان أعمى ولم يدري أن النبي صلى الله عليه وسلم مشغولا بغيره، ومشغولا بأمر مهم وهو دعوة عظيم من عظماء المشركين إلى دين الإسلام. فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم يسأله فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم لكونه مشغولا بغيره، ولعلمه أن هذا مهم وأن ابن أم مكتوم لو علم ما هو مشغول به لعذره. حتى قال ابن أم مكتوم: «أتجد في كلامي شيئا يا رسول الله؟». والنبي صلى الله عليه وسلم مشغولا بغيره لم يجبه، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيها عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم وترتيب للأولويات وتقديم الأهم من المهم. ومن ذلك تقديم جبر الخواطر وأهل الكسر والحاجة على غيرهم. قال الله عز وجل: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ الآيات في سورة عبس، حتى سميت سورة كاملة باسمه رضي الله عنه وأرضاه. ومع ذلك ومع ذلك انظر كذلك كيف جبر خاطر النبي صلى الله عليه وسلم، لم يذكر فيها هذه الآيات بضمير المخاطبة ولا بضمير الحاضر، بل أخبر بذلك إخبارا: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. من هذا الذي عبس؟ ومن هذا الذي تولى؟ لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم جبرا لخاطره. وهكذا كذلك حال نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا من مواضع جبر الخواطر أنه عند النصيحة والمعاتبة، فلا ينبغي أن يعين الإنسان بنفسه، بل ينبغي أن تكون المعاتبة معاتبة حسنة، معاتبة المحبين لا معاتبة المبغضين. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا»، جبرا لخواطرهم ألا تنكسر. ومن مواضع جبر الخواطر كذلك التسلية عند الفقد، وعند تأخر مجيء الفضل من الله سبحانه وتعالى. تأخر الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن، حتى قال المشركون ما قالوا. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَالضُحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. وهكذا أيها المسلمون عباد الله، من مواضع جبر الخواطر جبر الخواطر عند الفرقة، فإن الفرقة لها وحشة ولها كسرة. ومع ذلك جعل الإسلام لهذه الفرقة جبرا، ومن ذلك ما يكون بين الزوجين. جعل الله عز وجل للمطلقات متاعا، تمتع به من مال أو كساء أو غير ذلك يكون عند فرقتها ومفارقتها. جاء عن علي رضي الله عنه أرضاه قال: «يكسيها أو يعطيها بما يجبر خاطرها». وهكذا كل فرقة تكون بين اثنين، فإنه ينبغي أن تجبر يجبر ذلك الكسر الذي يكون بذلك بتلك الفرقة بشيء يعطى. فلو كان عندك عاملا خرج من عمله، فليكن بعد إعطائه حقه شيئا من المال تعطيه تجبر به خاطره وتسد به كسره. وهكذا كذلك إذا كانت هناك قسمة بين شركاء، فخيرهما الذي يبدأ بالسلام، أي الذي يبدأ بالإحسان ويكون أكثر. فليكن أحدهما جابرا لحال الآخر بأن يعطيه شيئا فوق حقه ويجبره بشيء من العطاء. وهكذا قس على ذلك كل موضع يكون فيه هذا المعنى. وهذه مواضع قليل من كثير مما جاء في دين الله عز وجل ومما في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مواضع جبر الخواطر. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لأن نكون من أكمل المؤمنين إيمانا وحاسن أخلاقا، اللهم آمين. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها المسلمون عباد الله، وإن من مواضع جبر الخواطر في دين الله عز وجل، جبر الخواطر بانتقاء الكلمات في الأخذ والعطاء والنصيحة والكلام. كما قال الله عز وجل: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فإذا أردت أن تقول قولا أو أن تتكلم كلمة فلتنتقي من الكلام أحسنه وأفضله. فإن كان هناك حسن أحسن فقدم الأحسن على الحسن، ومن باب أولى ألا تتكلم بالقبيح. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم ليس بالفاحش ولا المتفحش. فالمسلم أيها المسلمون عباد الله لا يتكلم بالكلام الفاحش ولا يتلفظ به، فضلا أن يكون خلقا له. ومن مواضع جبر الخواطر ألا تكسر خاطر أخيك بأن تسبقه إلى شيء أراد القدوم عليه. ومن ذلك ما ثبت بالصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ألا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يبيع على بيعه، ولا يسوم على سومه. فكذلك كل ما وقع في نفسك من شيء وعلمت أن أخاك يرغب فيه، يرغب فيه فضلا أن يتقدم إليه فلا تتقدم. وقد وقع ذلك بزمن النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد عمر رضي الله عنه أرضاه أن يزوج ابنته، فعرضها على أبي بكر فلم يجبه، وعرضها على عثمان فلم يجبه. وفي ذلك دليل على فضلهما عند المسلمين. وذلك لما سمع من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن له رغبة فيها، فعرضها على النبي صلى الله عليه وسلم فقبلها. والشاهد من هذا أيها المسلمون، انظر مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخطبها، ولكن لعلمهم أنه ربما له رغبة فيها لم يتقدم. وكل واحد لا يخفى عليه عظيم مصاهرة عمر رضي الله عنه أرضاه، وعظيم منزلة حفصة عند نساء المسلمين رضي الله عنهن وأرضاهن. وكل ذلك من هذه المواضع. ومن ذلك أيها المسلمون عباد الله أن يحرص المسلم كذلك وهو من مواضع جبر الخواطر على أن يكون سباقا في فعل الخيرات، مقداما في مواضع الشهامات. فإن هذا من مواضع جبر الخواطر، ويتأكد هذا الأمر مع أهل الرئاسات والرعايات وأهل المسؤوليات والأمانات. فالناس تنتظر منه من المواقف التي فيها الرجولة والشهامة والإقدام والعطاء ما لا يرجون من غيره. فلا تكسر خاطرهم واجبر كسرهم بأن تتقدم بنصرتهم، وأن تتقدم بكذلك إعطاء حاجتهم وعوزهم بما يكون به فرحة لهم وإدخال السرور بينهم. وهكذا كذلك من مواضع جبر الخواطر أيها المسلمون عباد الله أن يحرص المسلم كذلك على أن لا تكون أذية لمن حوله لا بقول ولا بفعل. فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره. وهكذا من هذه الأذية أذية الجار مع جاره، والزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها. وهكذا كل ما يكون بين الخلطاء، فينبغي أن يكون بعيدا عن معاني الأذية. حتى أن الإسلام أرشد إذا أراد الرجل أن يعاتب أهله فإنه لا يعاتبهم بكل المعاتبة، بل يكفيه أن يذكر الأهم ويغض الطرف عن الكثير الذي ليس هو بمهم. كما أخبرنا الله عز وجل عن نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يعاتب نساءه في أمر أسره عليهن فكشفوه. فبين الله عز وجل حسن خلق نبينا صلى الله عليه وسلم بأن أبدأ بعضه وأعرض عن بعض. كل ذلك جبرا للخواطر وعدم كسرها. فكذلك أنت يا أيها المسلم، حتى في نصيحتك وحتى في بدلك، فإنك إذا نصحت فانصح ما ينفع فيه النصح وما تقتضي المصلحة ذكره. وما لا تقتضي المصلحة ذكره فاعفو عنه واصبح وغض الطرف فيه. فإن ذلك من خلق الكرام. جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس في الصحيح قال: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لو أنك فعلت، ولا لشيء لم أفعله لو أنك فعلت»، يعني لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم لواما. فلا تكن يا أخي المسلم لواما مع أهلك، ولا مع عاملك، ولا مع جارك، ولا مع تلميذك، ولا مع كل من حولك. بل ينبغي أن تكون كريما بأقوالك وأفعالك وأخلاقك ومواقفك، وأن تكون سباقا للخير، معرضا عن السوء والشر والضير عافيا. وكذلك معرضا ومتغافلا عن كل سوء قد يرد إليك. فإن من حسن الخلق ومن مواضع جبر الخواطر التغافل عن السيئات وعن المساءات، والفرح بالحسنات وكل ما يدخل المسرات. فينبغي أن يكون عندنا من هذه المواقف الكريمة والأخلاق المستقيمة ما يجمع ولا يفرق، وما يقرب ولا يبعد، وما يحبب ولا يبغض. وهكذا كان خلق نبينا صلى الله عليه وسلم والأنبياء والمرسلين. انظروا إلى قصة يوسف عليه الصلاة والسلام في قصة عظيمة، ومع ذلك في آخر القصة عفا عنهم رضي الله عنهم وعليه الصلاة والسلام. وانظر كذلك حال نبينا صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة بعد كل ما فعلوه، فإنه عفا عنهم عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك انظروا ما وقع لأبي بكر رضي الله عنه وقد أوذي في ابنته، وقيل فيها ما قيل. ومع ذلك أنزل الله عز وجل عليه حكما حين منع النفقة على بعض من كان ينفق عليه بسبب ما كان من أذيته في ابنته. فأمره أن يرجع إلى نفقته وأن يعود إلى إحسانه وأن لا يمنعه ذلك. وغير ذلك كثير. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يردنا إلى الحق ردا جميلا، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح حالنا وحوال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح حالنا وحوال المسلمين في فلسطين والشام وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا ولا تأمنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اشتركوا في القناة.