الخطبة بعنوان التحذير من فتنة التكفير والتفجير، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 3 ربيع أول 1446هـ الموافق 6 سبتمبر 2024م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول التحذير من فتنة التكفير والتفجير التي تهدد المجتمعات الإسلامية، ويشدد على أهمية الوحدة والاعتصام بحبل الله. يُؤكد على ضرورة الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه لتحقيق الاجتماع والتصدي للفتن.
يجب على المسلمين الرجوع إلى الكتاب والسنة لتحقيق وحدتهم وتجنب التفرق، كما حذر النبي من الافتراق والبدع. يُشدد على حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
يُحذر من فتنة التكفير واستحلال الدماء، ويُشدد على أهمية الرجوع إلى العلماء الربانيين لفهم أحكام التكفير. يُبين أن أهل السنة والجماعة وسط بين المرجئة والخوارج في التعامل مع قضايا التكفير.
دعاء الله تعالى بأن يمنح أمة الإسلام القوة والرشد، ويعز فيها من يطيعونه ويذل فيها من يعصونه. يختتم الدعاء بالحمد لله رب العالمين.
التحذير من فتنة التكفير والتفجير وإن مما أُبتليت به المجتمعات من الفتن، فتن التفرق، فرقت هذه الأمة جماعات وأحزابًا، فكانت سببًا في إنهاك هذه الأمة وزيادة الضعف فوق ضعفها. وزِدْ على ذلك ما تبع هذا التفرق والتمزق من التكفير للمجتمعات وللأفراد وللرعاة والرعية، فهي فتنة أعظم وأكبر، فتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضًا، فتزيد في إنهاك هذه الأمة، ويستغلها أعداء هذا الدين. أيها المسلمون عباد الله، من يرى حال هذه الجماعات المتبرقة المتمزقة التي صح فيها ما حذر منه ربنا في كتابه ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، من أنه اتباع لسنة الكافرين وتمزيق لقوة أهل هذا الدين. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا. أيها المسلمون عباد الله، أمة المليار والربع المليار لن تجتمع إلا بالإسلام الصحيح والدين الصحيح الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، عقيدةً وعبادةً ومعاملةً وأخلاقًا وسلوكًا ومنهاجًا وأداءً. بغير هذا لا يمكننا أن نجتمع، والأمر كما قال الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، الاعتصام إنما هو بحبل الله، دين الله، كتابه، سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. بغير هذا لا يمكن الاجتماع. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ الثالث من شهر ربيع الأول لعام 1446 من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سُجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش حرسها الله. إنما تمر به الأمة في عصورنا المتأخرة وفي أيامنا الحاضرة من فتنة التكفير وجماعاتها، فتنة عظيمة فتكت بالأمة الفتك العظيم، وعصفت بهذه الأمة العواصف الكبيرة، وذلك لما نراه من تلك الفتن التي تناولت بلاد الكثير من المسلمين بالتكفير أولًا، ثم بالتفجير واستحلال الدماء ثانيًا. والله وبالله وتالله إنها لمن أعظم الفتن التي فتكت بهذه الأمة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من يرى حال هذه الأمة وما وقع فيها من الفتن المدلهمة، فتنٌ عصفت بهذه الأمة عصفًا شديدًا، سواء كانت فتن الشهوات أو كانت فتن الشبهات أو كانت كذلك ما هو أعظم من ذلك من الهرج والقتل وغير ذلك مما ابتليت به الكثير من المجتمعات. الناظر إلى حال هذه الأمة وتكالب الأعداء عليها يعيد النظر إلى ما ورد في أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم الكثيرة مما قد صح وأخبر به من تكالب الأمم على هذه الأمة في آخر الزمان. ومن حاجتنا إلى الاجتماع لتكون القوة لأهل هذا الدين، فيدفع هذا التكالب بالرجوع الصحيح إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقيدةً وعبادةً ومنهاجًا وأخلاقًا وسلوكًا. أن نرجع إلى الوحيين الذين بهما عزة هذه الأمة في الدنيا والآخرة، أن نرجع إلى النورين نور الكتاب والسنة الذي بهما نستنير ونضيء طريقنا، فنميز بين الحق والباطل والهدى من الضلال وطريق الاستقامة من طريق العوجات. ما أحوجنا كراعي ورعية وفرق وجماعات وأفراد أن نرجع جميعًا ونحتكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما أمرنا الله عز وجل بقوله سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. أيها المسلمون عباد الله، وإن مما ابتليت به المجتمعات من الفتن فتن التفرق، فرقت هذه الأمة جماعات وأحزابًا، فكانت سببًا في إنهاك هذه الأمة وزيادة الضعف فوق ضعفها. وزِدْ على ذلك ما تبع هذا التفرق والتمزق من التكفير للمجتمعات وللأفراد وللرعاة والرعية، فهي فتنة أعظم وأكبر. أيها المسلمون عباد الله، لا نكن كمن حذر الله عز وجل من فعلهم وصنيعهم الكفار المتمزقين المتفرقين، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. صار بعض من ينتسب إلى الإسلام فرحًا بحزبه وجماعته، لا يبالي باجتماع الأمة التي به قوتها. أمة المليار والربع المليار لن تجتمع إلا بالإسلام الصحيح والدين الصحيح الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، عقيدةً وعبادةً ومعاملةً وأخلاقًا وسلوكًا ومنهاجًا وآدابًا. بغير هذا لا يمكننا أن نجتمع، والأمر كما قال الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. جاء في حديث العرباض بن سارية المشهور العظيم في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وفي حديث عبد الله بن عمر بن العاص، وجاء عن غيره عن جماعة من الصحابة، قال عليه الصلاة والسلام: «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». جاء عند ابن أبي عاصم وغيره بإسناد يحسنه بعض أهل العلم، وفيه شيء من الضعف، ومعناه صحيح. قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة التي يكون بها عزة أهل هذا الدين وقوته. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا والمسلمين إلى سواء السبيل، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد أيها المسلمون عباد الله، جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما». وفي الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا رجلًا إلى كفر أو قال عدو الله ولم يكن كذلك إلا حار عليه». وفي البخاري من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رمى مسلمًا بكفر فهو كقتله». وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أرضاه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حرمة دم المسلم وماله وعرضه، الشيء العظيم. بل في خطبة الوداع كما جاء في البخاري وغيره من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ ألا فليبلغ الشاهد الغائب». يقولها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد والعتاب الأكيد فيمن قتل مس من مسلم. فإن قتل المسلم عند الله عظيم، بل قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وفي حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يسفك دمًا حرامًا، فإذا سفك دمًا حرامًا لُحِظَ». أي لم تكن له العاقبة الحسنة لما يكون من شؤم القتل. والقتل أمره عظيم عند الله سبحانه وتعالى، فكيف بقتل المسلم؟ فهو أعظم وأعظم عند الله سبحانه وتعالى. فلذلك أيها المسلمون عباد الله، علينا الحذر والتحذير من هذه الفتنة العظيمة، فتنة التكفير أولًا، ثم التفجير واستحلال الدماء ثانيًا. هذه الفتنة التي استفحلت بهذه الأمة، استغلها أعداء هذا الدين ببعض الفرق الحماسية والأحزاب الثورية، ومن انطوى تحتها من المنافقين الذين ينخرون في هذا الدين. ثم صاروا يستغلون بعض الشباب المتحمسين الذين هم في بعد عن معرفة هذا الدين وأحكامه، في بعد عن العلماء الربانيين، ولكنهم تتلمذوا على دعاة السوء والضلالة والأفكار المنحرفة، الذين صاروا وللأسف بعد ذلك ضحية هذه الأفكار المنحرفة، أفكار التكفير أولًا، ثم التفجير واستحلال الدماء ثانيًا. فكان ما نرى وما نسمع من هذه الفتنة العظيمة التي ابتليت بها المجتمعات. وإن مما يعين على دفعها ويكف من شرها أن يتعاون الراعي والرعية والأسرة والمجتمع جميعًا بتوضيح الضوابط الشرعية للتكفير. فإن التكفير في الإسلام شأنه عظيم، كما سمعنا بعض الأدلة في أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم. فليس كافر في دين الإسلام إلا من كفره الله ورسوله. ومثل هذه الأحكام العظيمة إنما ترجع إلى العلماء الربانيين الذين عندهم من المعرفة والعلم والدراية والخبرة وعمق الاستنباط ودقة النظر ما يميزون بين الكفر وغيره. بل إن الأحكام الشرعية فرقت بين الكفر والكافر، وبين فاعل الكفر، وبين الحكم على الكفر. فليس كل من وقع في الكفر فهو كافر. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. فمن كان مؤمنًا ووقع في الكفر بسبب اضطرار أو سبب آخر من الخطأ أو الجهل، فإنه لا يكفر بفعل الكفر. فليس كل من فعل الكفر فهو كافر، بل هناك ضوابط وهناك شروط وهناك قيود ينبغي أن يرجع فيها إلى العلماء الربانيين. ومع ذلك فإن أهل الإسلام الصحيح، أهل السنة والجماعة، وسط بين المرجئة الذين لا يكفرون أحدًا ولا يفسقون أحدًا، وبين الخوارج والوعيدية الذين يكفرون كل أحد. فطريقتهم بطريقة الكتاب والسنة بإجمالاتها وتفاصيل أحكامها يسيرون بسيرها، ويقفون عند ما وقفت به الأدلة. وهذا هو الواجب. ولذلك ينبغي أن نعيد النظر جميعًا، وأن نقف عند هذه الضوابط العظيمة والقواعد الكبيرة التي وضعها علماء الإسلام. فصارت بها كتب العقائد صغارها وكبارها في تفنيد هذه القضية العظيمة، قضية التكفير، وهي ما تسمى بالأسماء والأحكام. فإنها فتنة عظيمة وقع فيها الوعيدية والخوارج من قديم الزمان، والمرجئة. فكانوا هؤلاء بطرف وهؤلاء بطرف، وأهل السنة وسط بين من فرط في هذا وبين من غلا. ودين الله عز وجل الوسط، الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح حالنا وحوال المسلمين بكل مكان يا رب العالمين. اللهم أصلح حالنا وحوال المسلمين في فلسطين والسودان وسائر بلاد الإسلام يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا ولاة أمورنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اجعل لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أولو طاعتك، ويذل فيه أولو معصيتك، وتقام به سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين.