الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 34، الدرس الرابع والثلاثون:من( باب قول الله تعالى:حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ... فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح هذا الفصل كيفية نزول الوحي من الله تعالى إلى السماوات الدنيا واستقبال الملائكة له، كما يتطرق إلى استراق الشياطين للسمع. يبرز أهمية التعظيم لله وآثاره على العبودية.
يناقش هذا الفصل ردود فعل الملائكة عند سماع كلام الله، ويبرز أهمية التعظيم لله وآثاره على العبودية، مع تفسيرات لآيات قرآنية وتفاصيل حول استراق الشياطين للسمع.
يتناول هذا الفصل مسائل تتعلق بخوف الملائكة وتعظيمهم لله، وفضلهم وعبادتهم لله، مع استشهاد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لإثبات كلام الله وتأثيره على الملائكة.
يفسر هذا الفصل الإيحاء الذي يتلقاه الملائكة بخصوص قيام الساعة، ويبين عظم هذا الأمر في الخلق، مع تفسير لبعض السلف للحديث النبوي المتعلق بهذا الشأن.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد"، باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. قال: وفي الصحيح عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير». فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضهم فوق بعض، وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه. معناه يتراكبون هكذا، أشار سفيان. قال: وصفه سفيان بكفه، هذه الكف، فحرفها، يعني هذا التحريف تكون على حرف، بمعنى عمودية. قال: وبدد بين أصابعه، يعني فرق بين أصابعه، وجعل بعضها على بعض، يعني هكذا يكون الشيطان، كل واحد فوق الآخر، حتى يصلون إلى السماء، فيستمعون ويسترقون السمع، فيخبر كل واحد منهم الآخر، فيخبر كل واحد منهم الآخر ممن تحته. قال: فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن. وفيه أن تعاملهم يكون مع أمثال هؤلاء من السحر والكهان. قال: فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ قال: فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. قالوا عن النواس بن سمعان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة، خوفا من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السماوات، صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل». والحديث وإن كان فيه ضعف، لكن معناه صحيح، يؤيده الحديث الذي قبله. قال: فيه مسائل: الأولى تفسير الآية، الثانية ما فيها من الحجج على إبطال الشرك، خصوصا من تعلق على الصالحين. قال: وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب. ويروى هذا عن شيخ الإسلام، رحمه الله، أنه قال: وهكذا قاله هاهنا الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله. الثالثة: تفسير قوله: «قالوا الحق وهو العلي الكبير». الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك. الخامسة: أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: قال كذا وكذا. السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل. السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم، لأنهم يسألونه. الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم. التاسعة: ارتجاج السماوات لكلام الله. العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله. الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين. الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا. الثالثة عشرة: إرسال الشهب. الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه، يعني الشهاب. الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان، يعني سبب ذلك كما ذكر في الحديث. السادسة عشرة: كونه يكذب معها مئة كذبة. السابعة عشرة: أنه لم يصدق، أنه لم يصدق أو لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء، يعني لم يصدق في كذبه. الثامنة عشرة: قبول النفوس الباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمئة. التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة، ويحفظونها ويستدلون بها. العشرون: إثبات الصفات، خلافا للأشعرية المعطلة. الحادية والعشرون: التصريح أن تلك الرجفة والغشي خوفا من الله عز وجل. الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا. أورد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، هذا الباب في كتاب "كتاب التوحيد" في سياق ذكره لتفاصيل مسائل التوحيد، وشروعه في التنبيه على ما يناهي التوحيد. فأشار رحمه الله بهذا الباب الذي جعل ما تحته ترجمة له: «باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾»، أي هذا مدخل لمعرفة ما يتعلق بهذه الآية العظيمة. ووجه ذلك: أنه متى ما حصل التعظيم لله عز وجل على الوجه اللائق به سبحانه، لم يحصل تعلق في هذا القلب بغيره جل وعلا. فإذا كانت الملائكة على عظمتها وعلى كثرة عبادتها لربها، فهي يصيبها ما يصيبها من الخضوع والذل لله عز وجل والفزع، فكيف بمن دون الملائكة؟ يعني أولى أن يكون أكثر خزعا وخوفا وخضوعا لله سبحانه وتعالى، وقياما بالعبودية. تناول هذا الباب ثلاثة مسائل عظام: المسألة الأولى: بيان أن الشرك لم يقع إلا بسبب قلة معرفة قدر الرب سبحانه وتعالى وعظمته. فإنه لو عرف قدر الرب جل وعلا ومنزلة عظمته سبحانه، لم يحصل شرك لا في القلب ولا في الجوارح، لا بقول ولا بفعل. والمسألة الثانية: فيه فضل الملائكة عليهم الصلاة والسلام، وجبريل عليه الصلاة والسلام على وجه الخصوص، وأن من فضلهم أنهم أكثر عباد الله لله عبادة، ومع ذلك هم على وجل وعلى خوف وعلى فزع وعلى خضوع وذل لله سبحانه وتعالى. والمسألة الثالثة: أن الملائكة إذا كانوا على هذا الوصف، فهم عبيد لله يعبدون الله ولا يعبدون من دون الله. فإذا كان هذا في الملائكة، فمن دون الملائكة من باب أولى أنهم لا يعبدون. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، المراد بقوله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، أي الملائكة، فهم يخافون الله عز وجل ويخضعون ويذلون له سبحانه وتعالى. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾، فيه إثبات القول لله عز وجل، وأنه يتكلم ويقول ويتحدث كلاما وقولا وحديثا يليق بجلاله وعظمته. وفي حديث أبي هريرة الصحيح الذي أشار إليه: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله»، وهذا الضرب تواضعا لله سبحانه وتعالى، وخضوعا وذلا له سبحانه وتعالى، وقياما بعبوديته. وفي قوله: «كأنه سلسلة على صفوان»، الضمير يرجع إلى القول الذي قاله الرب سبحانه وتعالى، وهو أن الله جل وعلا يتكلم كلاما يليق بجلاله وعظمته. وفي قوله: «فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها»، الشهاب معروف معناه هو ذاك النجم الذي يشهب في السماء، يمر في الأفق من جهة إلى جهة، فهذا الشهاب ترمى به الشياطين التي تسترق السمع. وفي قوله في الحديث الآخر: «تكلم بالوحي»، قوله: «إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي»، قوله: «إذا أراد الله» كما تقدم المراد به هنا الإرادة الكونية، بمعنى إذا قدر الله أن يوحي بالأمر. وفي قوله: «فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا»، ظاهره العموم، ولهذا قال المؤلف في المسائل: أي لأهل السماوات كلهم، أي السماوات السبع. وفي قوله: «سجدا»، فيه أن هذا السجود سجود تعظيم وخوف. فإن قال قائل: هم العابدون لله المكرمون، فلماذا يخافون؟ قال العلماء: يخافون لمعنيين اثنين: المعنى الأول: أنه خوف عبادة، فكلما كملت عبودية العبد، كمل عنده صفات العبودية، ومن كمال صفات العبودية أن يكون خائفا من الله سبحانه وتعالى. والمعنى الثاني: أن الملائكة قد أوحي إليها أن أمرا عظيما سيكون في الخلق، وهو قيام الساعة، والأمر بالإذن بقيامها، فلهذا جاء عن بعض السلف في تفسير هذا الحديث. والله تعالى أعلم.