الدرس في المنهج لمريد العمرة والحج للعلامة العثيمين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تعريف المحرم للمرأة وشرائطه، حيث يشترط أن يكون بالغا عاقلا، ويوضح أن المحرم هو الزوج أو من تحرم عليه تحريما دائما بقرابة أو رضاع أو مصاهرة. يعدد المحارم من القرابة وهم سبعة أصناف.
يتناول هذا الفصل رخص السفر في الإسلام مثل التيمم وقصر الصلاة، ويشرح كيفية تطبيق هذه الرخص ومدى استمراريتها حتى لو طالت مدة السفر. كما يستدل بالأدلة الشرعية من القرآن والسنة النبوية.
يتناول هذا الفصل أحكام الصلاة في السفر والجمع بين الصلاتين، ويشرح آراء الفقهاء في هذه المسألة، ويستشهد بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجته واعتماره. كما يجيب على أسئلة تتعلق بقراءة كتب السيرة النبوية والإخلاص في طلب العلم.
اختتم الدرس بتأكيد على بعض الأحكام الشرعية، ثم بالصلاة على النبي والدعاء بالخير للمستمعين. جاء ذلك بعد استعراض رخص السفر وأحكام الصلاة في السفر.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرف كتاب «المنهج لمريد العمرة والحج» للعلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى. شرف فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، وحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي من رسالة شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى «المنهج لمريد العمرة والحج»، وآخر ما وقفنا عليه ما ذكره رحمه الله تعالى من فصل يتعلق بالنهي عن سفر المرأة في الحج من دون محرم. ومر معنا فيه أنه أشار إلى حرمة سفر المرأة من دون محرم إلى الحج أو غيره إلا بمحرم، وأنه لا فرق في السفر إن كان طويلا أو قصيرا، أو مع جماعة النساء أو كانت شابة أم عجوزا. ومر معنا أن ذلك للرد على بعض الشبه التي يثيرها بعض الناس، وربما كذلك يستدلون بقول بعض الفقهاء. والصواب ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى. ومن أقوى ما يستدلون به -للفائدة- ما جاء في البخاري وغيره من أن بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم خرجن في سفر في عهد عثمان في جماعة النساء. والصواب -والله تعالى أعلم- أن الواجب حسن الظن بالصحابة والصحابيات جميعا، وأنهن لن يخالفن حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكون امرأة ذكرت أنها سافرت في جماعة النساء لا يعني أنه ليس معها محرم. والقاعدة أن «عدم الذكر ليس ذكرا للعدم»، كونه لم يذكر المحرم ليس معناه أنه لا يوجد محرم، فهذا هو الواجب في هذا الباب. ثم أمر آخر، لا يجوز أن تعارض الأدلة الصحيحة الصريحة المحكمة بدليل ليس بصريح وهو كذلك ليس بمحكم، فننتبه لهذا. قال شيخنا رحمه الله تعالى: «والحكمة في منع المرأة من السفر بلا محرم خوف المرأة بعقلها والدفاع عن نفسها، وهي مطمع الرجال، فربما تُخدع أو تُغَر أو تكون ضعيفة الدين فتندفع وراء شهواتها، ويكون فيها مطمع للطامعين». وهذا واقع، ومن رأى حال المرأة في بلاد الكفار، ومن رضيت لنفسها أن تعيش بعيش وسيرة الفاجرات، فإنها تكون عرضة للفاجرين والمفسدين. وكم من امرأة ما كانت تريد طريقة الشر والفساد، ولكن لأنها وحيدة ضعيفة، ووضعت نفسها في مواضع الضعف، استغلها أهل الشر والفساد، فربما وقعوا بها أو كذلك استدرجوها، أو غير ذلك من الحوادث الكثيرة التي لا تزال ولا تزل تكتب عنها الصحف والمجلات والأخبار عن الوقائع التي لا تنتهي في الاعتداء على النساء، ومن أعظم أسبابه سفرها بدون محرم، وخلوتها بالرجال الأجانب، ووقوعها في مواضع تخالف شريعة الله في حفظها وصيانتها، وكذلك بعدها عن أسباب الشر والفتن. فالشرع الحكيم جعل هذا الحكم المحكم والتشريع المتقن صيانة لها وحفظا لها لضعف عقلها وضعف قوتها، وكذلك ما قد يكون من غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «والمحرم يحميها ويصون عرضها ويدافع عنها». ولذلك يشترط أن يكون بالغا عاقلا، فلا يكفي الصغير الذي لم يبلغ، ولا من لا عقل له. وقوله «المحرم» معناه غير المحرم، مهما بلغ من الديانة والأمانة، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. ولذلك كان المنصفون من العقلاء والعلماء يبينون خطر هذه الفتنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أسامة وغيره الصحيح- «ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء». وقال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: «لو أمنت على مال الدنيا لوجدت نفسي لذلك أمينا، ولو أمنت على امرأة سوداء لخشيت على نفسي» أو كما قال رحمه الله تعالى. فإذا كان هذا مثل هذا الإمام الجليل، فكيف بمن دونه؟ ولذلك من الخطأ أن يقال: «نرسلها مع رجل أمين» أو كذلك يكون المسؤول عنها رجل أمين، أو نحو ذلك مما يقع للأسف في سفر بعض النساء بدون محرم. كذلك الصغير لا يستطيع أن يدفع عنها، ولا المجنون والمعتوه ومن لا عقل له. وهل يلحق به الضعيف؟ الصحيح أنه بحسب الحال والسفر، فإن كان ضعيفا لا يستطيع أن يدافع عنها في بلد فيها أخطار، وكذلك هنالك أشرار، فمثله لا يصبح أن يكون محرما. بل قد يحرم على المرأة أن تسافر إلى بلد فيه خطر وشر حتى مع المحرم، إذا كانت محل مطمع ومحل ضرر أيضا، كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم. بل نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن المرأة قد تمنع من بعض محارمها إذا كان ذاك المحرم صاحب شر وفساد، وكذلك عرف عنه وعهد منه ذلك أيضا. فمثل هذا المحرم لا يصبح أن يكون محرما، فكيف إذا كان كافرا مرتدا ملحدا، وكذلك عرف بالفساد؟ فإنهم باب أولى أن لا يصلح أن يكون محرما. ولذلك بعضهم يقول: «يشترط مع وصف المحرمية الديانة والأمانة». فلا يكفي أن يكون محرما إذا كان فاجرا معروفا بالفساد. قال رحمه الله تعالى: «والمحرم زوج المرأة، وكل من تحرم عليه تحريما دائما بقرابة أو رضاع أو مصاهرة». فالمحارم من القرابة سبعة -أي بالاستقراء والنظر في الأدلة- علم أن محارم المرأة سبعة. قال: «الآباء والأجداد وإن علوا، فكل من على جهة الآباء فهو أب». كما قال الله عز وجل: «ملة آبائي إبراهيم». وذكر إبراهيم وبينه وبين إبراهيم مفاوز، فهو أب باعتبار أنه من الأجداد. قال: «وإن علوا، سواء من جهة الأم أو من جهة الأب». وهكذا من جهة الأم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ابني هذا سيد»، وهو إنما ابن من ابن ابنته. فأب الأب وأبو الأم يعتبر أبا، فهو محرم. وهكذا كذلك أبوه وإن علا. قال: «ثانيا الأبناء وأبناء الأبناء وأبناء البنات وإن نزلوا». كذلك الأبناء وأبناء الأبناء، فإنهم كذلك من المحارم بالشرط الذي تقدم، لا يكفي أن يكون ابنا بل لابد أن يكون بالغا عاقلا، عنده الكفاءة والأهلية لحفظ هذه المرأة. قال: «ثالثا الإخوة، سواء كانوا إخوة شقاء أو لأب أو لأم». وكل أخ شقيق أو لأب أو لأم فهو كذلك محرم. قال: «رابعا أبناء الإخوة، سواء كانوا أبناء إخوة شقاء أو أبناء إخوة من الأب أو أبناء إخوة من الأم». فكذلك فهي بالنسبة لهم تكون «عمة». أي تكون لهم المرأة بالنسبة لابن الأخ «عمة». قالوا: «أبناء الأخوات، سواء كانوا أبناء أخوات شقيقات أو من الأب أو من الأم». كذلك هؤلاء وهم محارم، فتكون لهم «خالة». قالوا: «أعمام، سواء كانوا أعماما أشقاء من الأب أو من الأم». كذلك وليس بنو هؤلاء الثلاثة، فبنو هؤلاء الثلاثة ليسوا بمحارم، لا ابن الأخ ولا ابن الأخت ولا ابن العم. قال: «الأخوال، سواء كانوا أخوالا أشقاء أو من الأب أو من الأم». وكذلك هؤلاء هم من المحارم. قال: «والمحارم من الرضاع نظير المحارم من القرابة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». وكل ما كان من النسب ووازاه من الرضاع فإنه يكون محرما، ولكنه من جهة المرضعة وصاحب اللبن وقرابتهم، ليس من جهة المرضع. فالأم المرضعة أبناؤها بالنسبة للمرأة المرضعة إخوة، وهكذا كذلك آباؤها يعتبرون آباء وأجدادا، وهكذا بالنسبة للأب. فكل من كان من جهته من جهة النسب كما قيل في السبعة الأقسام، فإنه يقال كذلك سبعة أقسام بالرضاع. سبعة أقسام بالرضاع. قال: «والمحارم بالمصاهرة أبناء زوج المرأة، وأبناء أبنائهم وأبناء بناتهم وإن نزلوا، سواء كانوا من زوجة قبلها أو معها أو بعدها». كذلك ما كان بالمصاهرة أبناء زوج المرأة أو أبناء أبنائه، فكلهم من الأبناء، وسواء كانوا من زوجة قبلها أو معها أو بعدها، فكل هؤلاء تثبت بهم المحرمية. وتثبت المحرمية ههنا بمجرد العقد، تثبت المحرمية بمجرد العقد، إذا عقد على امرأة فابنه يعد محرما. قال: «آباء زوج المرأة وأجداده وإن علوا، سواء أجداده من قبل أبيه ومن قبل أمه». كذلك آباء الزوج هم كذلك محارم بمجرد العقد. قال: «الثالث أزواج البنات، وأزواج بنات الأبناء، وأزواج بنات البنات وإن نزلنا». كذلك يعدون من المحارم لعموم الدليل في ذلك، فأبناء النساء وكذلك آباء أبناء الأزواج، أبناء الأزواج وكذلك آباء الأزواج، وأزواج البنات كل هؤلاء من المحارم. قالوا: «هؤلاء الثلاث تثبت المحرمية فيهم بمجرد العقد، حتى ولو فارقها بموت أو طلاق أو فسخ، فإن المحرمية تبقى لهؤلاء». حتى لو طلقها طلاقا بائنا وحرمت عليه، فالمحرمية تبقى، لا تسقط. تزوجت بامرأة عندها بنت، هذا سيأتي. تزوجت بامرأة وعندي ابن، فابني يبقى محرما للمرأة ولو حرمت عليه. قال: «الرابع أزواج الأمهات، وأزواج الجدات وإن علونا». لكن هؤلاء الأزواج لا يصيرون محارم لبنات أبناء زوجاتهم أو بنات بنات زوجاتهم حتى يقعوا الزوجات، لقول الله عز وجل: «من نسائكم التي دخلتم بهن». فهذا يبين أن ما دونه أو ما سواه لا يشترط فيه هذا الدخول. قال: «فإذا حصل الوطء صار الزوج محرما لبنات زوجته من زوج قبله أو زوج بعده، وبنات أبنائها وبنات بناتها». فلو تزوج رجل امرأة ولم يدخل بها -عقد فقط- ثم طلقها، هل يجوز له أن يتزوج بابنتها؟ يجوز أن يتزوج بابنتها، يجوز له أن يتزوج بابنتها لأنه لم يدخل بأمها. لكن إذا دخل بالأم فلا يجوز له أن يدخل بها. فإن قال القائل: «ما معنى القيد في قوله: «بناتكم اللاتي في حجوركم»؟ هل معنى إذا لم تكن في الحجر يجوز؟» الجواب: «لا، الصحيح أن هذا القيد للتعليل». كيف وهي تكون في حجرك؟ يعني معاملة ما؟ «للابنة تعاملها معاملة الابنة»، فهو للتعليل. قال: «أما إذا عقد على المرأة ثم طلقها قبل الوطء، فإنه لا يكون محرما لبناتها ولا لبنات أبنائها ولا لبنات بناتها». وهذا واضح كالمثال الذي ذكر قبل قليل. قال رحمه الله تعالى: «صلاة المسافر». قال: «دين الإسلام دين اليسر والسهولة، لا حرج فيه ولا مشقة، وكلما وجدت المشقة فتح الله لليسر أبوابا». قال الله تعالى: «هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دين يسر». وقال أهل العلم -رحمهم الله- «المشقة تجلب التيسير». وهذه كلها أدلة تدل على قاعدة عظيمة، وهي أن «كل عمل فيه مشقة يكون معه تيسير»، أو «المشقة تجلب التيسير»، أو غير ذلك من القواعد التي تدور حول هذا المعنى. يريد أن يبين رحمه الله أن الله عز وجل جعل رخصا في السفر ينبغي أن يستفيد منها المسافر والحاج على وجه الخصوص. قال: «ولما كان السفر مظنة المشقة غالبة، وففت أحكامه». فمن ذلك جواز التيمم للمسافر إذا لم يجد الماء، أو كان معه من الماء ما يحتاجه لأكله وشربه. لكن متى غلب على ظنه أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت المختار، فالأفضل تأخير الصلاة حتى يصل إلى الماء ليتطهر به. فهنا ثلاثة تنبيهات في هذه المسألة، المسألة هي رخصة التيمم إذا لم يجد الماء، وهذا عام للمسافر ولغير المسافر، لكن المسافر تكون الرخصة معه أوسع من المقيم. لماذا؟ لأن المسافر قد يكون معه ماء، ولكن الماء يغلب على الظن أنه لا يكفي حتى يصل إلى مكان الماء الآخر، فهنا لا يجب عليه أن يتوضأ، بل يجوز له أن يتيمم. لأن الماء الذي معه لا يكفيه في غلبة ظنه. الأمر الثاني: أنه إذا غلب على ظنه أنه يصل إلى مكان فيه ماء، فالأحوط -كما ذكر رحمه الله- هو الأفضل أن يؤخر الصلاة ولا يصلي بالتيمم. وتأخير الصلاة جائز بالنسبة للمسافر، وهذا من رخص السفر، فيؤخر الصلاة حتى يجد الماء ويجمع بين الصلاتين قصرا وبالطهارة بالماء. فإن كان مظنة الماء ضعيفة، فلا حرج عليه أن يصلي ولو جمع جمع تقديم، لا حرج. فهي رخصة له كذلك. مراعاة المصلحة والمفسدة باستخدام الماء، فإن كان الماء الموجود يحتاجه لأكله وشربه، فلا بأس أن يتيمم. وكذلك هل هو لدوابه؟ في هذا خلاف، الصحيح أن الدواب شربها مقدم على الطهارة بالماء. قال: «ثانيا: إن المشروع في حق المسافر أن يقصر الصلاة الرباعية، فيجعلها ركعتين من حيث يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه، ولو طالت المدة». طبعا أدلة الرخصة بالتيمم كثيرة في الكتاب والسنة، آية التيمم في سورة النساء، وأكد ذلك الأحاديث، إليه عائشة بالصحيحين، وغيرها من الأحاديث الكثيرة في مشروعية التيمم. قال: «أن يقصر الصلاة الرباعية فيجعلها ركعتين من حين يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه، ولو طالت المدة». لما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما يصلي ركعتين. وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة. أشار الشيخ رحمه الله في هذا الموضع إلى مشروعية قصر الصلاة الرباعية للمسافر، وهي من الرخص التي رخص بها للمسافر، وينبغي للحاج أن يستفيد من هذه الرخصة. ثم قال: «أن يستمر في القصر ولو طالت المدة». ولم يذكر حدا، ولم يذكر حدا رحمه الله. وفي هذا خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من ذهب إلى ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله، وأن كل سفر يوجب القصر ولو طالت المدة، مهما كان. ومن أهل العلم من قال بالتفصيل، فقال: «السفر أولا» من أهل العلم من حده بالمدة، ثم اختلفوا في المدة، منهم من قال: «ثلاثة أيام فما زاد فعليه أن يتم». ومنهم من قال: «أكثر أو أقل». وأكثر ما ذكر: «عشرين يوما»، فهو أكثر ما قصر النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من فصل، فقال: «السفر الذي يتردد صاحبه ولا يدري متى رجوعه، فإنه يستمر في القصر». والسفر الذي يعرف صاحبه أنه سيجلس ويستقر، فإن كان أكثر من عشرين يوما، فالأحوط في حقه أن يتم. هذا إذا علم يقينا. وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء والمحققين من أهل العلم، وهو أقرب هذه الأقوال الثلاثة للصواب. وإن كان في التقييد بعشرين يوما نزاع، فكون النبي صلى الله عليه وسلم أكثر سفر سافره عشرين يوما لا يعني أن ما زاد عن العشرين فإنه لا يقصر فيه. ولهذا -والله أعلم- فالصحيح أن كل ما كان فيه معنى السفر فإنه يقصر فيه، وما كان فيه التردد فإنه يستمر بدون مدة، وما كان فيه معنى الاستقرار وعلامات الاستقرار والإقامة -مع تعرف بالعرف وتعرف بالشرع- فكما أن السفر يعرف بالعرف وبالشرع، وإذا اختلف حدد بالمدة. فكذلك هذا الموضع، فإنه يعرف بالشرع وبالعرف، وما اختلف فينظر بالمدة التي تناسب ذاك السفر. مثلا إنسان ذهب إلى الحج، يغلب على الظن أنه سيرجع في شهر أو أقل من شهر، لكن حصل له مرض أو شيء، فعلم يقينا أنه سيجلس أكثر من شهر، فهل نقول له: «يتم»؟ الصحيح أننا لا نقول له: «إنه يتم». لماذا؟ لأنه حاج وخرج للسفر، وإنما عرض له عارض، وبسبب هذا العارض علم يقينا أنه سيتأخر. ويبقى على سفره هذا، والراجح -لأنه ليس عنده معنى من معاني الإقامة- لكن إنسان ذهب وهو يعرف أنه سيطلب العلم، سيجلس يطلب العلم لمدة أربع سنوات في الجامعة أو في كلية أو معهد، المهم سنة أو سنتين، بعض المعاهد سنتين، بعضها سنة، بعضها ثلاثة وأربع، فهو يعرف أنه سيقعد هذه المدة. هل يعتبر هذا مسافر أو مقيم؟ مقيم، لأنه سيعامل نفسه معاملة الإقامة، سيبحث عن سكن، سيشتري المأكل والمشرب المناسب لدار الإقامة الجديدة، وكل هذه من علامات الإقامة. لكن هذا الحاج، هل سيستأجر إيجارا وسيأخذ أسباب الإقامة؟ لا، سيبحث له عن أرخص الإيجار، وسيأخذ الأكل بأقل ما يحتاج حتى ينتهي مدة سفره ويرجع. ففي فرق بين الأول والثاني، وهذا يقرب المعنى وهو الظاهر والصحيح في هذه المسألة. والمسألة فيها نزاع وخلاف كبير، لكن عند التأمل يعلم أن هذا هو الراجح في هذه المسألة، والله تعالى أعلم، وبه تجتمع الأقوال. قال رحمه الله تعالى: «لكن إذا صلى المسافر خلف إمام يصلي أربعا، فإنه يصلي أربعا تبعا لإمامه، سواء أدرك الإمام من أول الصلاة أو في أثنائها». فإذا سلم الإمام أتى بتمام الأربع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه». وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». وسئل ابن عباس رضي الله عنهما: «ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعا إذا تم بمقيم؟» فقال: «تلك السنة». وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا صلى مع الإمام صلى أربعا، وإذا صلى وحده صلى ركعتين -يعني بالسفر-. فكل هذه الأدلة من السنة والآثار عن الصحابة تدل على أن من السنة -أي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، ليس السنة بمعنى مستحب، بل من السنة أي من طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وهدي الصحابة من بعده- أن المسافر إذا صلى خلف المقيم وجب عليه أن يتم. وجب، وليس يستحب، الصحيح وجب. والمسألة فيها خلاف، ولكن الصحيح الراجح أنه يجب عليه أن يتابع الإمام المقيم. وإذا صلى خلف المسافر قصر. والعكس إذا صلى المقيم خلف المسافر، لم يجز له أن يقصر، بل عليه أن يتم، لما ثبت كذلك في أثر عمر: «صلى أناس مقيمون خلفه وهو في السفر، بعد أن سلم أشار بيده وقال: «قوموا وأكملوا صلاتكم، فإن قوم سفر» -يعني على سفر- «صليت قصرا لأنني مسافر، وأنتم مقيمون، إذا قوموا فأكملوا». هذا هو خلاصة هذه المسألة. قال رحمه الله: «ثالثا: إن المشروع بحق المسافر أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء إذا احتاج إلى الجمع». مثل أن يكون مستمرا في سيره. والأفضل حينئذ أن يفعل ما هو الأرفق به من جمع تقديم أو التأخير. أما إذا كان غير محتاج إلى الجمع، فأفضل أن لا يجمع، وإن جمع فلا بأس. مثال أن يكون نازلا في محل لا يريد أن يرتحل منه إلا بعد دخول وقت الصلاة الثانية، فيصلي كل فرض في وقته، لأنه لا حاجة به إلى الجمع. هذه مسألة من مسائل ورخص السفر، وهي جواز الجمع بين الصلاتين. يجوز له أن يقصر الرباعية -انتهينا من هذا- ويجوز له كذلك أن يجمع بين الصلاتين، الظهر والعصر والمغرب والعشاء. والفجر لا تجمع مع أي صلاة. وهذا الجمع -كما ذكر رحمه الله- الصحيح أنه يفعل الأرفق به من جمع التقديم والتأخير. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة -كما هو مشهور بكتب الفقه والحديث- فمن أهل العلم من يرى جواز التقديم والتأخير مطلقا، يعني يجوز أن تجمع جمع تقديم، ويجوز أن تجمع جمع تأخير. ومن أهل العلم من أجاز التأخير ولم يجز التقديم، أجاز التأخير ولم يجز التقديم، واستدلوا كذلك ببعض الأدلة. والصحيح -والله أعلم- ما ذكره الشيخ رحمه الله، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله ما يدل على جواز جمع التقديم وجمع التأخير. وأشار كذلك أنه إذا كان يعلم أنه سيدرك وقت الصلاة الثانية في مكان يستطيع فيه الصلاة، فالأفضل في حقه أن يؤخر تلك الصلاة لوقتها، ما دام أنه ليس فيه مشقة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيح أنه صلى في سفر حجه في المدينة أربعا، وبذي الحليفة ركعتين. وروي أنه في غير الحج كذلك. فهذا يدل أولا على أنه يجوز أن يقصر الصلاة الرباعية بمجرد خروجه من المكان الذي هو مقيم فيه، ولو كان قريبا منه. وما هو الضابط في معرفة خروجه؟ قالوا: «العلماء نفارقة البنيان». وقال بعض العلماء: «غياب البنيان». والصحيح -الله أعلم- هو أن يعرف بالعرف أنه خارج حدود إقامته. فما كان علامة على أنه خرج من حدود إقامته فيجوز له القصر. فمثلا بين المدينة وذو الحليفة قرابة سبع دقائق بالسيارة تقريبا، من طرف المدينة إلى ذي الحليفة مسافة ليست بعيدة، لكن هناك ما يدل أن ذي الحليفة ليس من المدينة لأمرين: الأمر الأول أنه خارج الحرم، والأمر الثاني أنه كان في عرف الصحابة مكانا منفصلا لا يلحق -لا عرفا ولا كذلك حتى لغة- أنه من المدينة. فكذلك يقال في كل بلد، يجوز أن يترخص برخصة السفر بمجرد خروجه من حدود ذلك البلد. فمثلا من خرج من مدينة عدن، متى يجوز له أن يقصر؟ يقال: «بعد أن تتعدى نقطة التفتيش التي تفصل بين مدينة عدن ومحافظة لحج». فأنت خرجت من حدود المدينة، فبعد خروجك يجوز. ولو صليت الظهر بمدينة عدن ركعتين جاز لك أن تصلي العصر بمدينة لحج. ولو صليت الظهر -عفوا- أربعا، جاز لك أن تصلي بعد أن تخرج هذا الموضع العصر ركعتين، اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه سيقف في ذي الحليفة لأجل الإحرام وإحرام من معه، فلذلك لم يصل الظهر والعصر جمعا -لا جمع تقديم ولا جمع تأخير- بل صلى كل صلاة في وقتها، صلى كل صلاة في وقتها. وهذا هو ما أشار الشيخ إليه رحمه الله ههنا. الأمر الثالث: لو كان الإنسان نازلا في منزل، مثلا ذهبت إلى مكة وعملت العمرة، فما هو الأفضل أن تصلي كل صلاة في وقتها أو تجمع بين الصلاتين؟ الأفضل فعل النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلي كل صلاة في وقتها. فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فرغ من عمرته ارتحل حتى نزل بالأبطح -الأبطح هو ما يسمى اليوم بالمعابدة أو ما فيه مبنى يسمى الإمارة أو مسجد الأبطح- فنزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يصلي كل صلاة في وقتها. هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم. لكن إذا غلب على الإنسان -غلب في ظن إنسان- أنه كمل العمرة قبل صلاة الظهر، فذهب إلى الحندق الذي سيجلس فيه، أدركته صلاة الظهر، وغلب على ظنه إذا نام ربما ينام إلى المغرب من شدة التعب، فما هو الأفضل بحقه؟ يجمع بين الصلاة، يصلي الظهر والعصر، بعد ذلك يأخذ راحته في النوم. لكن ليس كل يوم يأخذ راحته في النوم، هنا في سبب، السبب أنه جاء من سفر ومن عمرة فيأخذ راحته في النوم. كذلك لو أراد أن يسافر، علم أنه سيسافر بعد العشاء، سيسافر بعد العشاء، فاحتاج أن يصلي المغرب وينام حتى يرتاح ويستعين بهذا النوم للسفر، هل يجوز له أن يقدم صلاة العشاء إلى المغرب؟ الصحيح يجوز، يجوز، يفعل الأصلح، يقدم ويصلي المغرب والعشاء في وقت المغرب. ثم جاء وقت السفر يسافر، لأجل أن يستفيد من هذا الوقت في استعانته في صحوه في سفره. الخلاصة -كما ذكر الشيخ رحمه الله- يفعل الأرفق بنفسه وبجماعته، وخصوصا إذا كانت له جماعة، فإنه ينبغي أن يراعي الأرفق في ذلك. طيب نكتب بهذا هذه الليلة، ونترك الباقي في درس اللاحق، والله تعالى أعلم. طيب هذه مجموعة كبيرة من الأسئلة، نأخذ ما تيسر منها. طيب يقول: «نريدك أن ترشدنا إلى كتاب نقرأه في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم». و«شرح نقرأه في الأرجوزة المئية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم». كتب السيرة كثيرة، وبحسب المقصود من قراءة كتب السيرة يكون الكتاب. فمثلا «مختصر السيرة» للشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله من أحسن كتب السيرة التي توقفك على مواضع حماية النبي صلى الله عليه وسلم لحمى التوحيد والاعتناق بالجوانب العقدية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك «الفصول في سيرة الرسول» لابن كثير رحمه الله كذلك فيها ميزة أخرى، وتنبيه على أهم الأحداث بوجه المختصر، مع ترتيب هذه الأحداث والاعتناء بالتأريخ والتصحيح لها. ثم توجد أشياء مختصرة وأشياء مطولة، فتنظر أنت حسب مستواك من العلم. ولهذا ينصح أن يتدرج الإنسان في كتب السيرة كما يتدرج في كتب العلوم الأخرى، أنت تتدرج في كتب اللغة، تتدرج في كتب الفقه وعلومه، فكذلك تتدرج في كتب السيرة، هذا هو الصواب، والله أعلم. يقول: «هل يجوز أن يأخذ آل البيت من الكفارات مثل كفارة اليمين، وأن يأكل منه؟» الأصل أنه لا يجوز، لكن إذا لم يجد من الخمس ما يغنيه، فالضرورة تبيح المحظور، وهو فقير ومحتاج، فالضرورات تبيح المحظورات. يقول: «هل يجوز للأب العاجز عن الصيام أن يعطي ابنته المتزوجة إذا كانت فقيرة كفارة هذا الصيام؟» الصحيح أنه إذا كان لا يستطيع أن يغنيها من أصل المال، يجوز له أن يعطيها مثل هذه الصدقات والزكوات ونحوها، فالأقربون أولى بالمعروف، فالله أعلم. وهذا ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من أهل العلم، ومنهم شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. قال الشيخ مقبل، والشيخ ابن باز، وشيخ الألباني، وجماعة من أهل العلم. يقول: «لو أن من أهل كريتر مثلا، هل يجوز لنا القصر وأنا عند الفرزة في الشيخ عثمان؟» ما دمت داخل مدينة عدن فلا يجوز لك القصر، ما دمت من أهل مدينة عدن، كما أن من كان في المدينة فلو كان من منطقة حرة الشرقية، فلا يجوز له أن يقصر في وصوله مثلا إلى العوالي أو وصوله مثلا إلى جهة السوق المركزي أو نحو ذلك. بل إذا تعدى وخرج إلى ذي الحليفة جاز له القصر، والله أعلم. إذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: «لفظة «ونتوب إليه» ليست لقطعة الحاجة». نعم، ليست لقطعة الحاجة، والشيخ رحمه الله لم يذكر كل خطبة الحاجة، إنما ذكر مقدمة منها ومعناها. وهناك رسالة لطيفة جميلة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «خطبة الحاجة»، وبتعليق الشيخ الألباني رحمه الله، ينصح بقراءتها. يقول: «هل ينافي الإخلاص ما يحصل لبعض طلبة العلم في الجامعات من الحرص على الدرجات الكاملة في الاختبارات، وقد يحصل لبعضهم الانشغال عن قراءة القرآن بسبب الاختبارات، فهل هذا ينافي الإخلاص؟» هذا -إن شاء الله- لا ينافي الإخلاص، فهو من الأعمال الصالحة التي يقصد بها إتقانها وإحسانها، وله في هذا الأجر مرتين: كونه أولا في عمل صالح، وثانيا كونه يحرص على إتقانه وإكماله. ويجاهد نفسه فيما قد يعرض من نية تنافي الكمال في هذا الباب، مثل الغنيمة مع الجهاد، فالغنيمة مع الجهاد أشد من الدرجات مع طلب العلم، الدرجات مع طلب العلم أخف من الغنيمة مع الجهاد، ومع ذلك هل حرمت الغنيمة؟ لا، المؤمن يؤمر أن يجاهد نفسه، وهكذا كذلك بالنسبة لهذا الباب. ثم كذلك لا تنسى أنك تحتسب أن تصل بهذا إلى الدرجات العالية التي يمكن فيها أهل الحق، حتى يكونوا لأهل الحق التمكين في العلم والدين والدعوة وغير ذلك. تعرف اليوم لو مثلا جاء منصب مدير جامعة، ينظرون الشهادة «امتياز» مع درجة الشرف الأولى، أم الدرجة دون ذلك؟ إذا كانت أعلى تكون لك الأولوية في مواضع كثيرة. أنت تحتسبها، ليس لأجل الدنيا والراتب والمال والمناصب، بقدر ما تحتسبها أن يمكن أهل الحق في المواضع التي ينبغي أن يكون فيها أهل الحق. أيهما أفضل: أن يكون الواجهة التي تقوم بالدعوة والتعليم والتوجيه من خاصة أهل السنة، أو يكون من غيرهم؟ نحب أن يكون من أهل السنة. طيب كيف سيصل السنة إلى هذا؟ إذا كان يستطيع أن يصل إلى هذا بطريق حلال ليس فيه مخالفات شرعية ولا تنازلات، فهل هذا ممنوع؟ ليس ممنوع. وهل ينافيه الإخلاص وعدم التنازلات الحرص على الدرجة الأعلى؟ لا، الصحيح أنه لا ينافيه، والله أعلم. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خير.