حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 26

حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 26

الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 26، تابع : رسالته صلى الله عليه وسلم. انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. الدليل على موته صلى الله عليه وسلم. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

رسالة النبي محمد العالمية ووجوب طاعته

النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس، وافترض الله طاعته على الجن والإنس. دلت على ذلك آيات قرآنية وأحاديث نبوية.

اكتمال الدين الإسلامي وفضل الله على الأمة

الدين الإسلامي اكتمل بنزول آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وفضل الله على الأمة بحفظ دينها واضح. يحذر من الزيادة أو النقصان في الدين.

الإيمان بالبعث والحساب يوم القيامة وجزاء الأعمال

الإيمان بالبعث والنشور يوم القيامة ضروري، والله تعالى قادر على إحياء الأجساد بعد موتها. سيجازي كل نفس بما عملت يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال قوله: وهذا دينه، قال: أي الذي ترك أمته عليه، وتكفل الله بحفظه، وتوارثه أهل العلم والدين خلفًا عن سلف. قال: السلف هذا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا، ونحن عهدناه إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا، وهي وصيته وفرضه عليكم، فجرى الخلف على منهاج السلف، واقتفوا آثارهم، ولا يزالون إلى يوم القيامة. وقد روي هذا المعنى في خطبة لعمار رضي الله عنه، رواه الإمام مسلم في صحيحه. قال قوله: قال: ولا شر، قال: لا خير إلا دل الأمة عليه. قال: كما تقدم في قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ الرَّحِيمِ﴾، فصلوات الله وسلامه عليه، كما بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة. قال رحمه الله: قوله: ولا شر إلا حذرها منه، قال: أي خوفًا على أمته من الوقوع في المهالك. وقد بلغ الدين كله وبينه جميعًا، كما أمره الله عز وجل في الحديث الشريف: «ما بعث من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم من شر ما يعلمه لهم»، وهو حديث عبد الله بن عمر الذي رواه الإمام مسلم. قال: وقوله: والخير الذي دل عليه التوحيد، قال: أي فهو أصل كل خير، فهو أصل كل خير وأعظمه وأوجب الواجبات، ولأجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، فهو أصل الخير ويرجع إليه كل الخير؛ لأنه كله إما من لوازم أو واجبات: التوحيد. قال: وقوله: وجميع ما يحبه الله ويرضاه، قال: أي من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وهذه العبادة التي هي التوحيد، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، قال: ابن عباس وغيره: يوحدون. قال قوله: والشر الذي حذر منها الشرك، قال: أي فهو أصل كل شر وأعظمه، وأول ما أمر به صلى الله عليه وسلم الإنذار عنه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنذِرْ﴾، أي عن الشرك. وقد تقدم. قال: وكذا كل رسول يحذر أمته عن الشرك ويدعوهم إلى التوحيد، وتقدم معنا أدلة الكتاب والسنة على ذلك. قال قوله: وجميع ما يكره الله ويأباه، قال: أي يمنعه من الأقوال والأعمال التي هي مما توصل وتفضي إلى الشرك والكفر. فالذنوب والمعاصي والبدع هي بريد الكفر والشرك، فمن كمل توحيده كملت طاعته واستسلم في ظاهره وباطنه، وانقاد لله عز وجل. وليس مراد هذا أن يظن أن الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فيه شدة وثقل، بل هو يسر. قال: هو يسر، وهو خير، وهو رحمة. فما على الإنسان إلا أن يفعل ما أمره الله وينقاد إلى عبادة الله، فسيجد في ذلك راحة. أفرأيتم رجلًا كسولًا يحب النوم والكسل، ويرى في كل حركة يبذلها مشقة، هذا خير له؟ ليس بخير. الله لو بقي على ذلك لتساقطت عليه أنواع الآفات من أسقام وأمراض في ظاهره وباطنه، حسيًا ومعنويًا. فالفراغ يضر بالإنسان، والخمول والكسل يضر بالإنسان. فإذا كان هذا في الأمر الدنيوي المحض، فكيف بأمر الآخرة؟ وما تثمره عبادة الله من شرح الصدر، وما تثمره الطاعات من خفة في الحس والمعنى، ومن سعادة في الدنيا والآخرة، ومن كمال وعدل في وضع كل شيء في موضعه الذي يكون به كماله وتمامه وخيريته. وعند ذلك تتحقق الحياة الطيبة. فما هي الحياة الطيبة؟ هل الحياة الطيبة بالخمول والكسل والعجز؟ أم أن الحياة الطيبة بأن يصل الإنسان إلى ما تسعد به روحه ويسعد جسده ويكمل أمر معاشه وأمر معاده؟ وهذا لا يتحقق إلا بعبادة الله سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك، علم أن ما أمر الله عز وجل به عباده من توحيده وطاعته ليس فيه إلا الخير لهذا الإنسان. فمتى حقق ذلك تحققت له الحياة الطيبة في الدنيا وفي الآخرة. قال رحمه الله تعالى: قولوا: بعثه الله إلى الناس كافة، قال: يعني بعث الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس، عربهم وعجمهم، ذكرهم وأنثاهم، حرهم وعبدهم، أحمرهم وأسودهم، ولا نزاع في ذلك بين المسلمين. وإنما الذي نازع بعض الكفار، فمنهم من أنكر رسالته مطلقًا كاليهود والكثير من النصارى وأكثر المشركين والملحدين ممن ينكرون أصلًا الرسالات. ومنهم من آمن أنه رسول، ولكن زعموا أنه رسول العرب خاصة، وهم طوائف من النصارى. وهؤلاء كذلك ضلوا. بل هو رسول للناس عامة، كما أخبر الله عز وجل به عن عدد من أنبيائه ورسله أنهم بشروا به. وهكذا هو في كتب أهل الكتاب، وهم يعلمون ذلك، كما قال الله عز وجل عن اليهود: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، أي: وصفه في كتبهم وصفًا دقيقًا ما يخطئون فيه أبدًا، فهم يعرفون أنه الرسول الذي بشر به موسى عليه الصلاة والسلام، وبشر به عيسى عليه الصلاة والسلام بصفاته المعلومة. ولهذا آمن عدد من أهل الكتاب قديمًا وحديثًا حين وقفوا على هذا. فالآيات في هذا كثيرة، ومنها ما سيأتي ذكره إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: وافترض الله طاعة رسوله على جميع الثقلين: الجن والإنس، قال: بإجماع المسلمين. وقرن طاعته بطاعته في غير موضع من كتابه، مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ومثل قوله سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ومثل قوله سبحانه: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وغير ذلك من الآيات في كتاب الله. قال قوله: والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، قال: وهذا عموم ظاهر في عموم بعثه إلى الناس جميعًا، عربهم وعجمهم. وجميعًا تأكيد بعثه إلى الناس كافة. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وسورة الرحمن، وسورة الجن، وغيرهما دالة أوضح دلالة على شمول رسالته إلى الجن والإنس؛ لأن الله عز وجل خاطبهم في هاتين السورتين، وفي غيرها من السور بما يدل على بعثه عليه الصلاة والسلام إلى الجن والإنس عامة. بل علم الجن أنه كذلك الرسول المنتظر الذي بشرت به الرسل، كما أخبر الله عز وجل بمعنى ذلك في سورة الأحقاف، وكما جاء معناه في حديث مسعود وغيره في خبر الجن مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وقال: إن الرسل قبلي يبعثون إلى قومهم خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وهو حديث متواتر جاء عن عدد من الصحابة، منه حديث جابر المشهور في الصحيحين. قال: وهذا من شرفه صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة، وهو معلوم من دين الإسلام بالضرورة؛ أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله للثقلين كلهم، وأن طاعته فرض عليهم كلهم، وهو مقتضى رسالته، وهو مقتضى رسالته، لا يمتري في ذلك إلا مكابر معاند. وأدلة الكتاب والسنة، وما نقله علماء الأمة، وغير ذلك من الدلائل تدل على هذا المعنى الذي أشار إليه رحمه الله. قال رحمه الله: قوله: وأكمل الله به الدين، قال: أي لم يتوفى صلى الله عليه وسلم حتى أكمل الله به الدين، وبلغ البلاغ المبين، حتى قال: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، والتقدم أن هذا حديث لفظ من حديث العرباض الذي في السنن، وهو لفظ ابن ماجة وغيره. قال رحمه الله: وقوله: والدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، هذه الآية لم تنزل إلا قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بثمانين يومًا، نزلت عليه، وهو واقف بعرفة، يخطب الناس. وهذا أكبر نعم الله على هذه الأمة؛ حيث أكمل لها دينها، فلا يحتاجون إلى دين سواه، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه. وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي. وهذا يدل على كمال هذا الدين؛ فهو مهيم على ما سبقه من أديان. قال: وفيها بيان أن الله أكمل لنا الدين، وأنه كمل من جميع وجوهه. والكامل لا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يبدل، قال تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾، فمن ادعى أنه يحتاج لزيادة فقد كذب وافترى، ورد مدلول هذه الآية، ومدلول قوله: «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». وكما لا يجوز النقصان من الدين، كذلك لا يجوز الزيادة فيه، ولا التغيير، ولا التبديل. بل هذا من أعظم ضلال من ضل من أهل الكتاب؛ أنهم زادوا ونقصوا وغيروا وبدلوا، حتى اختلط عليهم ما جاءت به الرسل مما حصلت فيه الزيادات، فصار الكثير من أهل الكتاب لا يعرفون ما هو الدين الحق الذي جاءت به رسلهم عليهم الصلاة والسلام. وأما دين الإسلام فبفضل الله محفوظ؛ حفظه الله، تكفل الله بحفظه؛ لأنه نزل محفوظًا، أنزل القرآن متعبدًا بلفظه، فكان هذا مع عناية الله عز وجل سببا لحفظ القرآن، وحفظ دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم يسر الله بحفظها، ويسر بأسباب حفظها، فكان هذا الخير لهذه الأمة. فدين الإسلام محفوظ بالأسانيد. فالقرآن حفظه الله عز وجل بحفظ ألفاظه ومعانيه، فأهل الإسلام يروون القرآن رواية متواترة جيلًا عن جيل، لا يخطئون في حرف واحد. لو زيد حرف واحد لعلمه المسلمون أنه حرف زائد، ليس هو الذي أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وهكذا معناه تناقله أهل الإسلام جيلًا عن جيل، يروونه عمن فوقهم إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم. فبذلك فهموا هذا الدين على الوجه الصحيح، فحفظ. ولهذا يكرر فيقال: دين الإسلام هو الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة؛ حتى يبقى دينًا صافيا عن أي زيادة أو نقص أو تغيير أو تبديل كما أنزل. ولهذا قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. والإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، تدخل فيه خصال الدين. فإيماننا مرتبط بإيمان الصحابة السلف الصالح، وهذا من معاني حفظ هذا الدين. وهكذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم حفظت، حفظها الصحابة، فنقلوها عمّن بعدهم، وهكذا حتى وصلت إلينا. وما وقع من كذب عليه عليه الصلاة والسلام أو خطأ، فإن العلماء بيَّنوه في علم عظيم يسمى علم الحديث: رواية ودراية. وهذا من خصائص هذه الأمة، لا يوجد في أمة من الأمم ما عند أهل الإسلام. فكان بهذا حفظ هذا الدين. قال رحمه الله تعالى: قوله: وأتممت عليكم نعمتي، قال: لما أخبر تعالى أنه أكمل لنا الدين، وهو أكبر نعم علينا، قال: وأتممت، أي: أكملت عليكم نعمتي. ومن تمت عليه النعمة فقد أفلح كل الفلاح. وبه يُعلم أن النعمة الحقيقية نعمة الدين. فإذا فاتك كل شيء وظفرت بالدين فأنت المنعم حقيقة. ولا يحرص المسلم ولا يفرح بشيء بمثل فرحه بنعمة الدين. قال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قال رحمه الله: قوله: ورضيت لكم الإسلام دينًا، أي: فرضوه أنتم لأنفسكم؛ يعني كما رضيه الله نرضاه نحن. قال: قال: فإن الدين الذي أحبه ورضيه، وبعث به أفضل رسله، وأنزل به أشرف كتبه. قال: كعب: لو نزلت هذه الآية على غير هذه الأمة لاتخذوا اليوم الذي نزلت عليهم فيه عيدًا. قال: عمر: نزلت يوم الجمعة، يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد. وكذا قال: حبر الأمة: يوم الجمعة العيد الأسبوعي، ويوم عرفة عيد أهل الإسلام. ومع ذلك فعيد أهل الإسلام لا لأجل نزول الآية، وإنما لكون الله عز وجل تعبدنا بأنه عيد. ولكن أهل الأهواء وسار بسيرهم من ضل من أهل الكتاب يكثرون من الأعياد والاحتفالات. ولهذا فدين اليهود والنصارى مليء بالأعياد، كل شيء يجعلون له عيد. وهذا من مظاهر الدين الباطل: كثرة الأعياد والاحتفالات؛ لأنه من بقايا أهل الجاهلية الذي دخل حتى على أهل الكتاب. فأهل الكتاب دخلت عليهم بدع ليست من دين الأنبياء، جاءت إما من الوثنيين، وإما من الفلاسفة، وإما من غيرهم من ملل أهل الكفر والشرك. ومن تلك الأعياد تلك التي عند أهل الكتاب: عيد السنة الميلادية، عيد الغطاس، عيد الصليب، عيد الشعانين، وغيرها من الأعياد الكثيرة التي يحتفل بها اليهود والنصارى، أو هؤلاء لوحدهم وهؤلاء لوحدهم. وهكذا من ضل من أهل الإسلام تكثر عندهم الاحتفالات والأعياد بمسميات كثيرة، تشبهًا بمن ضل من أهل الكتاب، وقبل ذلك بأهل الجاهلية الذين دينهم اللهو واللعب، هذا هو دين من ليس له دين حق سماوي منزل من عند الله. أديانهم هي اللعب واللهو والأعياد، وغير ذلك من معاني الخروج عن الاستقامة. قال رحمه الله تعالى: قوله: والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، قال الشارح رحمه الله: أي: من النقل مما يطابق الحس. فأدلة موته عليه الصلاة والسلام بالقرآن والسنة والإجماع، وهكذا كذلك بالحس. أما القرآن فآيات، وهذه الآية منها. وأما السنة فأحاديث كثيرة، سيأتي إن شاء الله الإشارة إلى بعضها. والإجماع نقله الصحابة إلى من بعدهم جيلًا بعد جيل. والحس: وجود قبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحجرته، وآثاره. فليس بعد هذا إلا الباطل. فقول من يقول من الخرافيين أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يمت هو من جنس قول بعض من ضل من أهل الكتاب في بعض الأنبياء أو الصالحين، وما يقولونه من تناسخ الأرواح. قال رحمه الله تعالى: قال: أي: إنك يا محمد ستموت. وقام أبو بكر لما توفي صلى الله عليه وسلم يبكي، وقال: بأبي أنت وأمي، أما الموت التي كتبت عليك فقد متها. وقال تعالى: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾، نعم هو حي صلى الله عليه وسلم في قبر، حياة برزخية أعلى وأكمل من حياة الشهداء المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وأما الحياة الجثمانية فلا ريب أنه مات صلى الله عليه وسلم. والحياة الجثمانية هي حياة الناس على الأرض. وأما الحياة البرزخية فهي حياتهم في قبورهم، وهو عالم غيبي لا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه وتعالى. مهما تخيلت ومهما حاولت فإنك لن تصل إلى هذا الغيب؛ لأنه ليس باستطاعتك وبقدرتك، وليس مما يؤذن لك الخوض فيه. قل: ﴿لَا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فهذا مما اختص الله عز وجل بعلمه. لكن نحن نعلم بعض الأشياء التي وصف لنا فننقلها دون تكييفها. فمن الحياة البرزخية أن أصوات أهل البرزخ يسمعها كل شيء إلا من يحاسب: الثقلان: الجن والإنس لا يسمعون أصوات أهل البرزخ. إذن لهم أصوات ولهم حياة ولهم حركة ولهم انتقال. فالأجساد تبقى في القبور، أما الأرواح فتتحرك وتنتقل إما إلى جنة وإما إلى نار. وهكذا كذلك أشياء كثيرة أخبرنا بها، لكن نحن ما نعرف كيفيتها. ثم أهل الحياة البرزخية مراتب: منهم السعداء، ومنهم الأشقياء. ومن السعداء درجات: فالأنبياء درجة، والشهداء درجة، والصديقون درجة، والصالحون درجة، وهكذا. قال رحمه الله: فلا ريب أنه مات صلى الله عليه وسلم، وغسل وكفن، وصلي عليه، ودفن في ضريحه بالمدينة، صلوات الله وسلامه عليه. ولم يقل أنه لم يمت إلا المبتدعة الخارج عن منهج الكتاب والسنة؛ مخافة أن ينتقض عليهم أصلهم الباطل في توجههم إليه وسؤاله ما لا يقدر عليه. لأنهم إذا قيل لهم: أنتم تدعون ميتًا ولا يجوز ذلك، قالوا: لا، نحن نخاطب حي. ثم يذكرون بعض الأدلة والشبه. وقد رد العلماء على تلك الشبه في كتب، وقرأنا بعضها في دروس سابقة، ولعل الله يسر في دروس أخرى نقرأ بعضًا منها. قال رحمه الله: وإلا فموته صلى الله عليه وسلم معلوم بالسمع والمشاهدة، مشهور، يعلمه العام والخاص، لا يمتري فيه إلا مكابر. وأما أهل الباطل فبشبههم ينكسون الفطر، ويغلقون البصر والبصيرة، فيصير الإنسان جاهلًا بعد علم، شاكًا بعد يقين، أعمى بعد بصر وبصيرة. يكون الرجل على يقين من أمره في موت النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جالس هؤلاء الظلال لبسوا عليه، فيصير كالأعمى. قال رحمه الله: قوله: وإنهم ميتون، أي: سيموتون. وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. قال قوله: ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون، أي: فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك، بين يدي الله تعالى، كما في سورة القيامة، وآخر يس، وغيرهما من السور. فالإيمان بالبعث والنشور من القبور من جملة الإيمان باليوم الآخر. فإن الإيمان باليوم الآخر يشمل الإيمان بالبعث، بل الإيمان بالبعث هو معظم الإيمان باليوم الآخر، وهو الذي كان ينكر أهل الجاهلية، أنكروا أن تعود هذه الأجساد كما كانت: عظامها ولحمها وعصبها، وذلك من جهلهم بكمال علمه تعالى وقدرته. ولهذا يقرر تعالى بعث الأجساد وردها كما كانت في مواضع من كتابه، بكمال علمه وقدرته. فالذي خلق هذه الأجساد من العدم أيسر عليه سبحانه وتعالى أن يخلقها بعد خلقها. ولهذا ذكر الله عز وجل أدلة عقلية كثيرة تقوم به الحج على هؤلاء الذين ينكرون البعث. لو لم يكن إلا أن الله عز وجل على كل شيء قدير لكفى. كيف وقد جعل الله عز وجل للناس آيات على عظيم قدرته وكمال علمه سبحانه وتعالى؟ قال رحمه الله: قوله: والناس إذا ماتوا يبعثون، قال: أي ليجازي كلا بعمله، ويقتص لبعضهم من بعض، حتى البهائم. فالبعث من حكمته أن يبعث الناس للقصاص، ثم ينظر كل أحد إلى سبيله. نسأل الله حسن الخاتمة. قال رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾، قال: أي من الأرض مبدأكم؛ فإن أباكم آدم مخلوق من تراب، من أديم الأرض. وفي الأرض نعيدكم، أي: إذا متتم تصيرون إليها، فتدفنون بها. ومن الأرض نخرجكم يوم البعث والحساب تارة أخرى، أي: مرة أخرى، كقوله: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. وفي الحديث: «أخذ بقبضة من تراب فألقاها في القبر، فقال: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى»، وهو حديث بأمامة، رواه أحمد، وهو ضعيف. قال قوله: وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾، قال: أي أراد تعالى مبدأ خلق آدم من الأرض، والناس ولده، ونباتًا: اسم، ووضع موضع المصدر، أي: إنباتًا، فهو اسم مصدر. قال: وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾، أي: يعيدكم في الأرض إذا متتم، ويخرجكم منها بعد البعث أحياء. وقد جاء في حديث أبي هريرة أن الله عز وجل يجعل لذلك سببًا، فتمطر السماء مطرًا كمني الرجال، فعند ذلك يعود الناس كخلقتهم من عجب أذنابهم. وعجب الذنب مؤخرة سلسلة فقرات الظهر؛ فإنها تبقى، فينبتون، فيخرجون من القبور. فالله عز وجل يجعل لهذا سببًا، وهو على كل شيء قدير. أفرأيت البذرة ترميها في الأرض، فينبتها الله سبحانه وتعالى بماء يسير، فتكون شجرة عظيمة. وأعظم من هذا: البذر مختلف، والماء واحد، والأرض واحدة، فتخرج هذه نخلة، وهذه سدرة، وهذا برتقال، وهذا تفاح، وهذا عنب، والماء واحد، والأرض واحدة. فالله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. كذلك بنو آدم يبعثهم الله عز وجل، فينبتون من الأرض نباتًا. مفسر هذا النبات في حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد وغيره، وهو صحيح: «تمطر السماء مطرًا كمني الرجال، فينبت الناس من عجب أذنابهم، فيخرجون من الأرض إخراجًا». فالحديث فسر هذه الآية. قال رحمه الله تعالى: قوله: وبعد البعث محاسبون، أي: على الأعمال: حسنها وسيئها. والإيمان بالحساب والمجازاة على الأعمال من الإيمان باليوم الآخر أيضًا. وأحوال يوم القيامة اختلف أهل العلم في ترتيبها. والصحيح الذي دلت عليه الأدلة: أنهم بعد أن يبعثوا يحشروا، ثم يوردوا على الحوض بعد المحشر، ثم الميزان، ثم الحساب والعرض. ومن عُرِض عليه عُرِضت عليه أعماله، نجأ. ومن حُوسِب عُذِّب. ثم يكون الجزاء، فمنهم من يدخل الجنة من غير حساب ولا عقاب ولا عذاب، وهم أهل التوحيد. ومنهم من يعرض عمله عليه عرضًا. ومنهم من يحاسب حسابًا؛ حتى يصير الناس بعد المرور على الصراط إما إلى جنة وإما إلى النار. نسأل الله حسن الخاتمة، وأن يجعلنا من أهل الجنة. قال رحمه الله: قوله: ومجزيون بأعمالهم، أي: دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. والذرة والذريرة ليست هي الذرة التي يعبر بها في العلم المعاصر كما فسره بعض الناس. وإنما هي عند العرب الشيء الصغير. أي: مهما دق وصغر، فالله عز وجل يحاسب العباد عليه. قال رحمه الله تعالى: قوله: والدليل قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَىٰ﴾. قال: يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، الغني عما سواه، الحاكم بالعدل، خالق الخلق بالحق؛ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، أي: من الشرك فما دونه. ويجزي الذين أحسنوا، قال: أي وحدوا ربهم وأخلصوا له الطاعة بالحسنى: الجنة. وتقدم أن الإحسان درجات، وأعلاه مرتبة الإحسان. قال: وقال: ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة، يقرر فيها تعالى أنه يجازي كلا بعمله: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وهو العدل سبحانه وتعالى. فإن عذب عذب بعدله، وإن غفر غفر بفضله سبحانه وتعالى. فإن شاء أنعم على عباده أنعم عليهم بفضله. فليس أحد يدخل الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة». قال رحمه الله تعالى: وقوله: ومن كذب بالبعث كفر، قال: لتكذيبه الله ورسوله وإجماع المسلمين. والعجب أن بعض أهل الجاهلية المعاصرة من بقي معه معنى أهل الجاهلية القديمة، فصار يكفر بالبعث بعبارات وأساليب مختلفة. ومن كفر بالبعث فهو كافر؛ لأنه مكذب لركن من أركان الإسلام. قال رحمه الله تعالى: قوله: والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾. قال: أي كفرهم الله تعالى بإنكارهم للبعث، في زعمهم أن لن يبعثوا، فدل على أن إنكار البعث كفر، بل هو من أعظم كفر أهل الجاهلية. والإيمان بالبعث ليس فقط تدل عليه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، بل وأدلة الفطرة والحس والعقل. فإنه من أعظم الانتكاسة أن يظن أن ما يجري في هذه الدنيا هو نهاية لها: يخرج الظالم ظالمًا، والمظلوم مظلومًا، والملك ملكًا، والفقير فقيرًا، والناس على ما هم عليه يخرجون من الدنيا بدون بعث ولا نشور ولا حساب، هذا من أعظم الانتكاسة فطرة وعقلًا وحسًا. ولهذا فإن العقل - حتى مع كفرهم - أقروا بالبعث، لكن بمعاني باطلة بسبب جهلهم وبعدهم عن دين الله سبحانه وتعالى. فإذا علم ما أنزل الله من شرع ودين زاد ذلك الأمر معرفة وعلما ويقينًا وثباتًا؛ أنه دين الله الحق، وحكمه العدل. قال رحمه الله: قوله: قل بلى وربي لتبعثن، أي: قل يا محمد: بلى وربي، جواب تحقيق وقسم بالله العظيم لتبعثن، أي: يوم القيامة. وهذه الآية الثالثة التي أمر الله نبيه أن يقسم بربه عز وجل على وقوع المعاد ووجوده. وفي يونس: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ حَقًّا قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. وفي سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الآية. وهذا معناه أن هذه أمور عظيمة، ومن عظمها أمره الله بالحلف عليها. قال قوله: ثم لتنبؤن بما عملتم، أي: لتخبرن بجميع أعمالكم: جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. حبة الخردل معروفة، أصغر ما يكون من الحبوب، أصغر ما يكون من الحبوب، يعني التي التي تطعم. وفي الآية الأخرى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وهو أصغر من ذلك، مثل ذرة الرمل والتراب، تعرفونها: ذرة رمل وتراب صغيرة جدًا، التي منها يتكون التراب والرمل. قال رحمه الله تعالى: قوله: وذلك على الله يسير، قال: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. فإذا كان هذا النوع الإنسان في العدم لم يوجد قبل، ثم أوجده الله تعالى من طين، وذراريه من ماء مهين، ثم جعل هذا التناسل منه. فإنه لا يعجزه أن يعيدهم، وهو الذي أبدعهم، أي: أوجدهم من غير وجود سابق، هذا الإبداع. قال: وفي الحديث: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك». فأما تكذيب إياي فقوله: «لن يعيدني كما بدأني»، وليس أول الخلق بأهوى علي من آخر. يعني: الأول أصعب. والله على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء. فخلق من لا شيء، ثم إثباتًا