الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 5، المسائل التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الرشد هو كمال الخضوع والذل مع المحبة والتعظيم لله وحده، والحنيفية ملة إبراهيم تعني الإخلاص لله في العبادة. هذا المفهوم يحقق كمال العبودية لله سبحانه وتعالى.
التوحيد هو إفراد الله بالعبادة ونفي الألوهية عما سواه، وينقسم إلى توحيد الربوبية، الأسماء والصفات، والإلهية. التوحيد هو أساس العبادة وسبب دخول الجنة والنجاة من النار.
الشرك هو أعظم الذنوب ويبطل العبادة، حتى أن عمل الأنبياء يبطل إذا وقعوا فيه. الشرك نقيض التوحيد الذي هو أهم الواجبات وأول أمر أمر الله به رسله.
الدرس ينتهي بالإشارة إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء، مما يدل على انتهاء الحديث حول موضوع معين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى في حاشيته على الثلاثة الأصول: قال قوله: «اعلم أرشدك الله لطاعته»، قال: أي هداك ووفقك لما ينفعك في دنياك وآخرتك. قال: «والرشد الاستقامة على طريق الحق ضد الغي»، وفي هذا كما تقدم من إظهار حسن السريرة وجلبي قلبي السامع والقارئ والرفق والحكمة في الدعوة إلى الله ما هو محل وقفه، ينبغي أن يقف فيها طالب العلم ليستفيد من أمثال هؤلاء الأئمة والعلماء. فكذلك ينبغي أن يكون الداعي إلى الله في دعوته رفيقا رحيما بالمدعوين كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا رحيما. ومعنى الرشد كما ذكر رحمه الله: الاستقامة على طريق الحق، وذلك بفعل كل ما يحسن فعله وترك كل ما يقبح فعله، سواء أكان من جهة الشرع أو كان من جهة العرف أو كان من جهة الفطرة، فكله يدخل في معنى الرشد. ولهذا كان الرشيد الذي يعطى المال في اصطلاح أهل العلم هو الذي يحسن التصرف فيه. وكذلك ها هنا، من وفقه الله إلى الرشد فقد وفق لخير كثير. ومن ذلك، وهو أعظم الرشد، أن يعرف حقيقة الدين وما يتعلق به من أمر التوحيد والعقيدة، وأنه من أعظم المهمات وأولها، بل هو أعظم المهمات وأولها. قال رحمه الله: «وقوله: أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله مخلصا له الدين»، أي: الحنيفية طريقة وشريعة الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وجميع الأنبياء عليه الصلاة والسلام، هي ما قررها به المصنف: «أن تعبد الله مخلصا له الدين». فهذه حقيقة ملة إبراهيم. نحن نقرأ في القرآن كثيرا عن ملة إبراهيم ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها. وهذه الملة ما هي؟ هي أن نعبد الله مخلصين له الدين، كما هو مفسر في نصوص الكتاب والسنة. قال رحمه الله: «فهذه حقيقة ملة إبراهيم: عبادة الله بالإخلاص». والإخلاص حب الله وإرادة وجهه. وحب الله يقتضي أن تعبده لا تعبد معه غيره، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا من دون ذلك. قال: «وإذا أردت وجه الله وحسنت عبادتك لله لم يقع منك الشرك لا صغيره ولا كبيره». من الكبير ما سيأتي من أنواع العبادات، ومن الصغير ما أفضى إلى عبادة غير الله، ما أفضى إلى عبادة غير الله. ومنه تعلق القلب بغير الله ولو كان سببا. بل القلوب إذا عظمت الرب سبحانه وتعالى لم تلتفت إلى غيره، لأن حقيقة العبادة هو كمال الخضوع والذل مع المحبة والتعظيم. فالعبادة تعرف بتعريفين: باعتبار الفعل، هي كمال المحبة والتعظيم مع الخضوع والذل، كما قال الإمام بن القيم رحمه الله: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده»، هما قطباني بالأمر، قال الله، قال رسوله، لا بالهوى والنفس والشيطان. فعبادة الرحمن غاية الحب والتعظيم مع كمال الخضوع والذل. فإذا تحقق ذلك تحققت العبادة. وكلما كان هذا لله خالصا كان صاحبه في إخلاصه كاملا. وكلما كان هذا عند صاحبه ناقصا كان إخلاصه في عبادة ربه كذلك ناقصا. فإذا التفت الحب والتعظيم لغير الله نقصت عبادته لله سبحانه وتعالى. إذا التفت القلب إلى غير الله محبة وتعظيما تنافس حب الله وتعظيمه، نقصت بذلك معاني عبوديته لربه وخالقه. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، فليس شيء يحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى. وما سوى الله يحب لله، حتى لا تحصل مزاحمة. وبه نعرف أنه لا منافاة بين الحب الفطري والطبيعي وبين الحب التعبدي الذي هو خالص لله سبحانه وتعالى. فليس شيء يحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى، لأنه هو وحده الذي له الكمال المطلق، والذي كذلك له الفضل والمنة المطلقة، فلذلك يحب لذاته، ولا يحب معه غيره مهما كان هذا الغير، حتى الأنبياء والمرسلين، فإنهم يحبون لله لا لذواتهم. فإذا كملت هذه المحبة وكمل هذا التعظيم استلزم ذلك كمال الخضوع والذل. وعند ذلك تكمل العبادة. وإذا نقصت هذه المحبة وهذا التعظيم نقص الخضوع والذل. ولهذا تجد المشركين الذين خضعت قلوبهم وجوارحهم لغير الله كان سبب ذلك ماذا؟ حبا وتعظيما لغير الله، ينافس حب الله. من عبد الأصنام، من عبد الأشجار، من عبد الملائكة أو عبد الأنبياء أو عبد الصالحين، سبب ذلك مزاحمة حب هؤلاء وتعظيمهم لحب وتعظيم الله سبحانه وتعالى، فوقع الشركة الأكبر. وهكذا الشركة الأصغر، ما يفضي إلى الأكبر أو ما كان فيه تعلق بالأسباب، فينبغي أن نحذر من هذا المسلك الخفي الذي قد يقع فيه الإنسان ولو قال بلسانه: «أنا من الموحدين». فحقيقة التوحيد تحقيق كمال العبادة لله بتحقيق فعل العبادة غاية الحب والتعظيم مع كمال الخضوع والذل. قال رحمه الله تعالى: «وترك عبادة ما سواه هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾». وأصل الحنيفية الميل عن الشرك ولزوم التوحيد حسا ومعنا، فهي فيها معنى النفي والإثبات. وبه نعرف أن التوحيد حقيقته نفي وإثبات، نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها لله سبحانه وتعالى. وهذا معنى الحنيف الذي مال عن الشرك ولزم التوحيد. قال رحمه الله: «ولهذا فسرت ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تأكيد لمعنى الحنيفية». قال: «وفي قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾». وهكذا معنى القنوط: لزوم ما يحبه الله حسا ومعنى، والحنيف الميل عما يبغضه الله إلى ما يحبه الله. ففيه تأكيد معنى القنوط، فالقانت كذلك موحد، لأن القانت هو المتوجه إلى الله سبحانه وتعالى وحده حسا ومعنا. قال: «والحنيف مشتق من الحنف وهو الميل، فالحنيف المائل عن الشرك قصدا إلى التوحيد». والحنيف المستقيم المستمسك بالإسلام المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه. وكل من كان على دين إبراهيم عليه السلام، يعني هو من الحنفاء إذا حقق هذا المعنى، أعرض عن الشرك ولزم التوحيد. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها»، قال: أي وبالإخلاص في جميع ما تعبدنا الله به الذي هو ملة إبراهيم، أمر الله بها جميع الناس وخلق لها جميع الثقلين: الجن والإنس. كان المناسب أن يقول: «بذلك أمر الله الجن والإنس»، لأن الآية كذلك. ولكن هذه لفتة بلاغية أن يذكر العام بلفظ الخاص، تنبيها على هذا الخاص، لأن الخطاب الآن في هذه الرسالة للجن خاصة أو الإنس، للإنس، فهو يخاطب الإنس الذين وقعوا في زمانه في أنواع الشركيات فيما يراه. أمر أمر الجن، فهو لا يراه. وخطابهم بالخطاب العام الذي سيأتي في الآية، لكن الآن هو يخاطب الإنس، فلذلك ذكر الخاص. فإذن لا ينافي ذلك كمال التعبير في هذا الموضع. قال رحمه الله: «ومعنى يعبدون يوحدون»، قال: أي ما أوجد سبحانه وتعالى الثقلين إلا لحكمة عظيمة، وهذه الحكمة العظيمة هي عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه. وأفادت أن الخلق لم يخلقوا عبثا ولم يتركوا سدى، بل خلقهم الله لغاية عظيمة، وهي ماذا؟ عبادته. قال: «وقوله: ومعنى يعبدون يوحدون»، قال: قال ابن عباس: «كل موضع في القرآن عبد الله فمعناه وحد الله»، هكذا روي عن ابن عباس. فمعنى العبادة التوحيد، والتوحيد أول العبادة، بل كل العبادات توحيد، حتى الصلاة توحيد، حتى الصيام توحيد، حتى امتثال المأمور وترك المنهية عنه المسجور توحيد. لأن التوحيد هو إمرار الأمر والنهي على سائر أحوال العبد، وهذا هو النفي والإثبات. فإن من لوازم توحيد الله وحسن عبادته أن تمتثل أمره وتجتنب نهيه. ولهذا كان أكمل المؤمنين عبادة وتوحيدا أكملهم لله طاعة. قال رحمه الله: «وقوله: أمر الله به التوحيد وأعظم ما أمر الله به التوحيد»، طيب قبله، قال: قال ابن عباس: «كل موضع في القرآن عبد الله فمعناه وحد الله». وجاء أيضا: «عبادة الله توحيد الله». والعبادة في اللغة: التذلل والخضوع، من قولهم: «طريق معبد»، أي مذلل، قد وطئته الأقدام، أي صار سهلا. وهكذا كذلك معنى التوحيد من جهة الفعل كما تقدم. قال: «وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يفعلونها لله خاضعين ذالين». ويأتي تعريفها بالشرع. قال: «وقوله: وأعظم ما أمر الله به التوحيد»، قال: وهو أعظم فريضة فرضها الله على العباد علما وعملا. فالتوحيد منه العلمي ومنه العملي، ولا يتحقق العملي إلا بالعلمي. فلابد أن تعلم حقيقة التوحيد حتى تعمل به. قال: «ولأجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وبه تكفر الذنوب وتستوجب الجنة وينجى من النار». تستوجب الجنة وينجى من النار بالتوحيد. قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فالتوحيد أعظم أسباب دخول الجنة. وفي حديث عبد الله بن عمر وغيره، بقصة صاحب البطاقة، ما يدل على عظيم فضل التوحيد. قال رحمه الله: «قوله: وهو إفراد الله بالعبادة»، فهو في الأصل من وحده توحيدا، جعله واحدا، أي فردا. ووحده، قال: «إنه واحد أحد». وقال: «لا إله إلا الله». والواحد والأحد وصف اسم الباري لاختصاصه بالأحدية. وأقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وهو العلم بأن الله رب كل شيء رب كل شيء وخالقه. الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. والثالث: توحيد الإلهية، وهو إخلاص العبادة لله وحده بجميع أفراد العبادة. ومعظم أهل العلم يقول: الأولى إضافة لفظ التوحيد في تعريف التوحيد. فتوحيد الربوبية: العلم بأن الله رب كل شيء وخالقه، وإفراده بذلك من سائر أفعاله. وتوحيد الأسماء والصفات: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وصفه برسوله صلى الله عليه وسلم، وإفراده بذلك. وتوحيد الإلهية: إخلاص العبادة لله بجميع أفراد العبادة. وإن شئت فقل: إفراد الله في أفعال خلقه، فهو بمعنى هذا. لأن لفظ التوحيد فيه معنى الإفراد، كما ذكر، فلابد من تأكيد ذلك في تعريفه. قال رحمه الله: «قوله: وأعظم ما نهى عنه الشرك»، قال: الشرك: النصيب. وإسم من أشرك بالله، وهو أعظم ذنب عصي الله به. وأي ذنب أعظم من أن يجعل مع الله شريكا في ألوهيته؟ وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قال: «أو ربوبيته أو أسمائه أو صفاته». وكما أن الشرك أظلم الظلم وأبطل الباطل كما تقدم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. قال: «فهو هضم للربوبية وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين». لأنه تعلق بما لا يتعلق به، فظن أن غير الله يملك له ما يملكه الله أو أعظم. وهذه عقيدة المشركين، ما من مشرك من المشركين تعلق بغير الله إلا وساء ظنه بالله، إذ ظن أن غير الله يقربه ويعطيه ما لا يمكنه أن يحصله من الله. ولو قالوا لعظمة الله، لكنهم في الحقيقة أساءوا الظن بالله. فإنهم زعموا أن الله أمره عظيم، ولعظمته لا يتوصل إليه مباشرة، حاله كحال ملوك الأرض، يتخذ له شفعاء، فيقربونهم زلفا إلى الله. وهذا سوء ظن بالله. إذ أمر الله ليس كحال الملوك في الأرض، بل هو سبحانه وتعالى الذي له ملك السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير. والذي ليس له من يشفع، رغبة ورهبة، إنما هذا حال المخلوقين، من لا يردون طلب الشفعاء رغبة ورهبة. أما الله، فأمره أعظم، فهو سبحانه وتعالى الغني عن خلقه، وخلقه جميعا فقراء إليه. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال رحمه الله تعالى: «وهو أقبح المعاصي لأنه تسوية للمخلوق الناقص بالخالق الكامل من جميع الوجوه». بل ولو كان من وجه واحد لكان قبيحا، لأن هذا من خاصة فعل الله، لا يجوز أن يجعل لغير الله. قال رحمه الله تعالى: «أي طلب غير الله مع الله، وسؤال غيره معه، من ملك أو نبي أو ولي أو شجر أو حجر أو قبر أو جني». والاستعان به، والتوجه إليه، وغير ذلك من أنواع العبادة. وسيأتي إن شاء الله الكلام على أنواع العبادات. وقوله رحمه الله: «هو دعوة غيره معه»، تعبير العلماء، وهو عبادة غيره معه، ليدخل الدعاء في ضمن العبادة. لكن المؤلف رحمه الله ذكر الدعوة خاصة، كما تقدم من باب ذكر الخاص في موضع العام، للتنبيه على خصوصيته. لأن أكثر الشرك في زمانه شرك ماذا؟ الدعاء، بدعاء غير الله، بدعاء غير الله. فالدعاء هو العبادة، الدعاء هو العبادة. فلما كان أكثر شرك الناس بالدعاء، عرفه بأهم ما يقع فيه الناس. وغيره من باب أولى، وغيره من باب أولى. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾»، قال: يأمر سبحانه عباده بعبادته وحده لا شريك له، فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا. وشيئا نكرة في سياق النهي، فعم الشرك قليله وكثيره. وقرن سبحانه الأمر بالعبادة التي فرضها على عباده بالنهي عن الشرك الذي حرمه، فدلت على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، وهو واضح. فلا يمكن أن تتحقق العبادة مع وجود الشرك. فمثل الشرك كمثل النجاسة إذا خالطت الماء الطاهر أفسدته. فكذلك هذه العبادة. ومثله كمثل الحدث الذي هو من شروط الطهارة، فإذا وقع الحدث زالت ماذا؟ الطهارة. فإذا كان هذا في الطهارة الحسية تبطل بوجود نواقضها، فكذلك الطهارة المعنوية تبطل بوجود نواقضها. ومن أعظم نواقض الطهارة المعنوية وهو التوحيد: الشرك. فإذا وقع الشرك بطلت العبادات كلها، ولو كانت مثل الجبال، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وما نكره، ففي هذا السياق، فدل على عموم ما يعمل العاملون، ولو كان كثيرا، ولو كان كبيرا، فإنه يبطل كله بوقوع الشرك. بل قال الله عز وجل في حق الأنبياء والرسل، وهم أبعد الناس عن الشرك، لكن تنبيها لعظيم خطر الشرك، فهو وعظ وتذكير وتخويف لأتباع الأنبياء. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾. فإذا كان عمل الأنبياء، ولا يخفى عمل الأنبياء، يبطله الله إذا وقع الشرك منهم، فكيف بمن دونهم؟ فإنه من باب أولى. قال رحمه الله: «تسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة»، يعني فيما ذكره الله سبحانه وتعالى من حقوق بعد هذه الآية. قال: «لأنها اجتمعت على حقوق عشر، أحدها: الأمر بالتوحيد، ثم عطف عليه التسع الباقية». و«ابتداؤه تعالى بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك أدل دليل على أنه هو أهمها، فإنه لا يبدأ إلا بالأهم فالأهم». وهذه القاعدة في القرآن كما تقدم معنا: «ابدأوا بما بدأ الله به»، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حجته، عند أن تلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، قال: «فدلت على أن التوحيد أوجب الواجبات، وأن ضده هو الشرك أعظم المحرمات». ولهذا فإنه أعظم حق لله، وهو أول أمر أمر الله به رسله، وهو كذلك أول نهي نهت به الرسل أممهم. فما أرسل الله من نبي ولا رسول إلا وكان مفتتح دعوته: «أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره». وهذا هو حقيقة التوحيد. طيب لهنا، والله تعالى أعلم.