كتاب الحج من الاختيارات الفقهية  4

كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 4

الدرس في كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 4، الدرس الرابع:من( فصل:وينعقد الإحرام بنية النسك مع التلبيه أو سوق الهدي ... ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجز على الصحيح ويجوز العكس باتفاق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شروط وأحكام الإحرام في الحج

يناقش هذا الفصل شروط انعقاد الإحرام في الحج وأحكامه، مثل النية والتلبية وسوق الهدي، والاغتسال وصلاة الفريضة عند الميقات. كما يشير إلى استحباب الاشتراط لمن يخشى المنع من إتمام النسك.

أنواع النسك في الحج وأفضليتها

يشرح هذا الفصل أنواع النسك الثلاثة: الإفراد والقران والتمتع، ويبين أفضلية كل نوع حسب ظروف الشخص. كما يتناول أحكام إدخال العمرة على الحج والعكس.

ختام الدرس وتوضيحات نهائية

يختتم هذا الفصل الدرس بتوضيح بعض النقاط الهامة المتعلقة بالنسك وأفضليتها، مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، وينعقد الإحرام بنية النسك مع التلبية أو سوق الهدي، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وقاله جماعة من المالكية، وحكي قولًا للشافعية. جعل رحمه الله هذا الفصل، كما سيأتي إن شاء الله، ويظهر من أول هذه المسائل فيما يتعلق بتفاصيل وصف الحج. فيقول رحمه الله: ينعقد الإحرام بنية النسك مع التلبية. النية محلها القلب، كما تقدم في دروس كثيرة سابقة. وهذه النية التي محلها القلب لا بد أن يكون معها قول أو فعل يكون به الدخول في العبادة. وهذه هي التلبية، فالتلبية والإهلال بمثابة تكبيرة الإحرام للصلاة. فكما أن المصلي إذا دخل في الصلاة قال: الله أكبر، والنية في القلب على الصحيح، لا يتلفظ بالنية، بل ولا يستحضر لفظها في قلبه، يكفيه ما في قلبه من عزم، وإنما يقول: الله أكبر، حتى يدخل في الصلاة، فتحريمها التكبير. وهكذا كذلك الدخول في النسك، والانعقاد للإحرام، كما ذكر، يكون بنية النسك مع التلبية. التلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، سواء اكتفى بهذا أو زاد: إن الحمد والنعمة لك، إلى آخر التلبية. ويجوز بالإهلال، يعني أن يكون دخوله بالإحرام بالإهلال، والأفضل الجمع بينهما. ومعنى الإهلال، أي أن يهل بالحج، فيقول مثلًا، إن كان متمتعًا: لبيك اللهم عمرة، وإن كان قارنًا قال: لبيك اللهم حجة وعمرة، وإن كان مفردًا بالحج يقول: لبيك اللهم حجا. فهذه ثلاثة أنساك، هي ثلاث كيفيات يؤدي فيها الحاج حجة، وستأتي إن شاء الله الإشارة إلى شيء من ذلك. فأما القارن، فهو الذي يجمع بين الحج والعمرة، ولا يتحلل من عمرته، وشرطه على الصحيح أن يسوق الهدي. وأما المتمتع، فهو الذي يأتي بعمرة فيتحلل منها، وتكون العمرة في أشهر الحج: شوال، وذي القعدة، وعشر من ذي الحجة، ويتحلل منها، ويهل بالحج يوم الثامن، وهذا عليه نسك. وأما المفرد، فهو الذي يأتي بحجة فقط، وليس عليه هدي، ويلزمه أن يبقى في إحرامه حتى ينتهي من حجه، من حين أن يدخل في الحج أو بإحرام الحج. وكله لا بد أن يكون في أشهر الحج. فعلمنا الآن عندنا ثلاثة أشياء: نية محلها القلب، وتلبية باللسان، وإهلال. فالإهلال أصلًا هو رفع الصوت وإظهاره، وهو بالنسبة للحاج أن يرفع صوته بدخوله في حجه، كما سمعنا، بأن يقول: لبيك اللهم حجا، أو حجا وعمرة، أو عمرة. وكانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم بماذا نهل، أو يسأل عليه الصلاة والسلام بماذا أهللت، كما سأل علي. فالإهلال هو الدخول في النسك، والأفضل أن يجمع بين الإهلال والتلبية، يعني يقول: لبيك اللهم مثلًا عمرة، ثم يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، إلى آخره. وقوله: أو سوق الهدي، أو مع النية، يعني ليس التلفظ بالتلبية شرط، فلو نوى الدخول في النسك وساق معه الهدي لأنه قارن، فلم يتلفظ بشيء، لم يقول: اللهم إني أهل بعمرة، أو عمرة وحج، أو حج، ولم يقول: لبيك اللهم لبيك. فهنا خالف السنة، لكن حجه صحيح؛ لأن الحج انعقد بالنية والعمل الذي هو سوق الهدي. سوق الهدي؛ لأن سوق الهدي يقوم مقام التلبية في الدخول في النسك، على أنه يشترط في هذا الموضع خاصة، أي لمن لم يتلفظ بالتلبية، أن يكون سوق الهدي من موضع الإحرام. فمثلًا المدني يحرم من أين؟ المدني من ذي الحليفة، فلا يصح على الصحيح إذا لم يتلفظ بالتلبية ولم يهل أن يجعل ماذا؟ سوق الهدي من الطريق، وبه دخول النسك؛ لأن دخول النسك لا بد أن يكون من مكان الإحرام. طيب، هل يمكن أن يكون الدخول في الإحرام بالنية فقط؟ الصحيح: كذلك يمكن، يعني مثلًا لو أن إنسانًا دخل في نسكه فكان متعبًا، يعني لبس ثياب الإحرام، واتجه للقبلة، ونوى بقلبه أنه دخل في نسكه، لكن لم يتلفظ بشيء، في قلبه نية معروفة، هو سيذهب متمتعًا مثلًا، هل يكفي هذا الذي في النية؟ الجواب: نعم، ما دام لبس الإحرام، فهذا عمل صاحب النية، وتوجهه وانطلاقه من الميقات إلى مكة، هذا دخول منه في العمل. لأن التلبية والإهلال وسوق الهدي ليس شرط واضح، ليس شرط، إنما هو الأفضل والأكمل والأحوط، خصوصًا التلبية والإهلال، وهذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وأما سوق الهدي، فيجوز أن يكون حتى في ثنايا الطريق، وثبت عن ابن عمر وجماعة من الصحابة أنهم كانوا يشترون هديهم قبل دخولهم إلى مكة. فلا يشترط في سوق الهدي أن يكون شراؤه قبل الميقات أو من الميقات، بل يجوز أن يشترى الهدي ولو من الطريق، بل ولو قبل دخول مكة، لكن لا يكون من مكة؛ لأنه إذا كان من مكة لم يكن فيه سوق، السوق يكون من خارج مكة. وهذا الفصل كغيره من الفصول، إنما يذكر المؤلف رحمه الله أهم المسائل الخلافية التي يرى أن يذكر اختيارات شيخ الإسلام فيها، وإلا فهناك تفاصيل ومسائل تذكر في كتب الفقه التي اعتنت بذكر المسائل لا الخلاف. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا إنما هو اختيارات شيخ الإسلام في المسائل الخلافية على الفصول والأبواب. وقوله: وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وقاله جماعة من المالكية، وحكي قولًا للشافعية، إشارة منه أن هذا القول وإن اختلف فيه العلماء إلا أنه قد روي عن أحمد، وكذا كذلك عن أبي حنيفة، وجماعة من المالكية والشافعية، حتى لا يظن أنه قول شاذ. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يشترط للإحرام صلاة. فإن وافق الإحرام وقت صلاة الفريضة، صلى الفريضة وأحرم، يعني مثلًا يغتسل قبل الفريضة، ويستحب الاغتسال كما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر حين نفست في ذي الحليفة، فسألت: ما تصنع؟ أمر أن تغتسل وتهل بحجها. فدل مع أنها لا تنتفع بالاغتسال على أن الاغتسال مستحب للمحرم. فإن وافق وقت صلاة صلى، وإن لم يوافق وقت صلاة، فليس هناك صلاة مستحبة ولا واجبة مفروضة بالنسبة للمحرم. فمثلًا جاء المحرم إلى الميقات في وقت صلاة الظهر، يغتسل قبل الظهر ويصلي الظهر ويحرم ويمشي. وهذا بالنسبة لجميع المواقيت، إلا ميقات ذي الحليفة، فميقات ذي الحليفة يستحب الصلاة فيه، ليس للإحرام، ولكن للمكان. وانتبهوا لهذا الفرق؛ فإنه يلتبس على بعض أهل العلم فضلًا عن غيرهم. هذا التفريق لماذا؟ لأنه لو أحرم في غير هذا المكان لا يستحب له صلاة، حتى لا يظن أن الصلاة لأجل الإحرام. لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أن جبريل أتاه فقال له: إنك بواد مبارك فصل في هذا الوادي. والحديث جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس وابن عمر عن عمر رضي الله تعالى عنه. فقوله: صل بهذا الوادي المبارك، دل أن الصلاة ليس لأجل الإحرام وإنما لأجل المكان. فالمكان مبارك، أمر جبريل عليه الصلاة والسلام نبينا أن يصلي فيه، وفرق بين الأمرين. فإذن على الصحيح ليس للإحرام صلاة، حتى في ذي الحليفة. أليس كذلك؟ ليس للإحرام صلاة حتى في ذي الحليفة، نعم. الجواب: نعم، بلى. قال رحمه الله: ويستحب للمحرم الاشتراط إن كان خائفًا وإلا فلا، جمعًا بين الأخبار. وهذه مسألة أخرى من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء: هل يستحب للمحرم أن يشترط أم لا يستحب؟ الصواب: أنه لا يستحب إلا مع مظنة المنع، أن يكون هناك مانع من مرض أو عدو أو غير ذلك. فإن وجدت المظنة فيستحب للمحرم أن يشترط؛ لما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس أن ضباع بنت الزبير قالت: يا رسول الله، إني امرأة ثقيلة وإني أريد الحج، فكيف تأمرني أن أهل؟ فقال: أهل لي واشترطي أن محلي حيث حبستني. ومعناه أنها إذا فعلت ذلك فلا يلزمها حكم دم الإحصار. لأن الحاج إذا أحصر في حجه ولم يستطع المواصلة، سواء بسبب عدو أو بسبب مرض أو أي سبب آخر، يلزمه دم يتحلل منه أو به من الإحرام؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. ولما ثبت في قصة الحديبية حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة بالعمرة، فمنعوا، فتحللوا من إحصارهم. ودلت هذه الأدلة على أن المحرم لا يجب عليه، بل لا يستحب له أن يشترط في كل حج وعمرة، وإنما يشترط في الحج أو العمرة التي هي مضنة المنع أو الانقطاع، إما لخوف أو مرض أو أي سبب آخر. ولا بأس أن يكرر الاشتراط إن تكرر السبب؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. قد يقول قائل: العذر لا يفارقني، فأنا أتوقع أنني أمنع في كل مرة، أو أني؛ لأنني مريض أن لا أستطيع أن أواصل، لا بأس أن تشترط في كل مرة. لكن إذا كنت إنسانًا صحيحًا وأوراقك سليمة، وكذلك الطريق آمنة، فلا حاجة للاشتراط، بل الاشتراط تكلف. فقد نهينا عن التكلف، ولم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يدع إليه. ولو كان مما يستحب لأمر به عليه الصلاة والسلام جميع أصحابه، وإنما أمر به هذه المرأة التي كان عندها عذر كما سمعنا. قال رحمه الله: ويستحب للمحرم الاشتراط إن كان خائفًا وإلا فلا، جمعًا بين الأخبار. طيب، هذا انتهينا منه. قال: والقران أفضل من التمتع إن ساق هديا، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وإن اعتمر وحجه في سفرتين، واعتمر قبل أشهر الحج، فالإفراد أفضل باتفاق أئمة الأربعة. وهذا شروع في بيان أنساك الحج. وأنساك الحج كما تقدم ثلاثة: تمتع وإفراد وقران. وعلمنا فيما تقدم أن القران: أن يقرن بين الحج والعمرة، لا يتحلل من العمرة حتى ينتهي من الحج. والتمتع: أن يأتي بعمرة في أشهر الحج، ويتحلل منها، ويدخل في الحج يوم الثامن. ونقول في أشهر الحج؛ لأنه لو أتى بعمرة في غير أشهر الحج لم تكن عمرة التمتع. فمثلًا لو أن رجلًا جاء في رمضان بعمرة، ثم جلس في مكة إلى وقت الحج، وحج مع الناس، هل يصح أن يجعل عمرة رمضان عمرة تمتع؟ الجواب: لا؛ لأنه عمرة لم تفعل في أشهر الحج. فهل يلزمه أن يخرج ويأتي بعمرة من الحل لأجل أن يأتي بحج تمتع؟ الصحيح: لا يجب عليه، بل الأفضل في حق مثل هذا، ما دام بقي في مكة من رمضان، أن يأتي بحج المفرد، حجة إفراد؛ لأنه قد أتى بعمرة، ولأنه داخل مكة، وأهل مكة إنما يفردون الحج، ولا عمرة عليهم كما تقدم. وأما المفرد، فهو الذي يأتي بحجة فقط. وقوله: والقران أفضل من التمتع إن ساق هديا، الصحيح: أنه يجب إن ساق الهدي، وبهذا خلاف بين أهل العلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صحيح مسلم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»، فدل على أن من ساق الهدي يلزمه أن يبقى قارنًا. ومن لم يسق الهدي، هل يجب عليه أن يكون متمتعًا؟ في هذا خلاف. والصحيح: أنه لا يجب عليه أن يكون متمتعًا. وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في حجة الوداع لمن لم يسق الهدي أن يتحللوا بالعمرة، فالصحيح: أنه للتعليم، وليس للوجوب لكل الناس. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «دخلت العمرة في الحج إلى أبد الآبدين»، فالصحيح: أنه أمر بعد حضر، فيرد الحضر إلى ما كان عليه؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج محرمة ولا تجوز، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس أنها منسوخة، أن هذا الحكم ليس بصحيح. وأن ما ظنه الصحابة أنه كذلك فهو كأنه منسوخ، وإلا هو أصلًا لم يشرع؛ لأن الصحابة استقر عندهم أنه لا يمكن أن يتحلل الحاج في أشهر الحج، يعني من أتى إلى مكة سواء بحجة مفردة أو بحجة وعمرة، لا بد أن يبقى محرمًا إلى أن يخرج وقت الحج، هكذا فهموا. وكان عليه الصلاة والسلام دين الناس قبل حجة الوداع، فلما كان حجة الوداع أراد النبي صلى الله عليه وسلم بما علمه الله وأمره الله أن يعلم الناس أن العمرة والتحلل منها جائز، ولا يجب البقاء بالإحرام. فلهذا أمرهم بالتحلل، وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى أبد الآبدين». والمعنى: لا يلزم البقاء بالإحرام، بل يجوز التحلل بالعمرة. وتحت هذه العبارة والمسألة خلاف وتفاصيل كثيرة. الخلاصة: هذا أنه الصحيح لا يجب لمن لم يسق الهدي التمتع، بل الصحيح: أنه يستحب في حقه التمتع، ولا يجب. وقوله: وهو إحدى الروايتين عن أحمد، يعني روي عن الإمام أحمد تقديم التمتع، وروي تقديم القران، ولكن أصح الروايتين تقديم التمتع. وما روي عنه في تقديم القران إنما هو في حق من ساق الهدي، هكذا يحمل كما أشار إليه رحمه الله هنا. وقوله: وإن اعتمر وحج في سفرتين، أو اعتمر قبل أشهر الحج، فالإفراد أفضل باتفاق لأئمة الأربعة؛ لأنه قد أتى بعمرة، فيأتي بحجة مفردة. فمثلًا كما تقدم: صاحب رمضان، الأفضل في حقه ماذا؟ الإفراد، فهو أيسر عليه، وهو كذلك أفضل؛ لأنه صار مثل أهل مكة. قال رحمه الله: ومن أفرد العمر بسفرة ثم قدم في أشهر الحج فإنه يتمتع. والنبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا. قال الإمام أحمد: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنًا، والتمتع أحب إلي. قوله: ومن أفرد العمر بسفرة ثم قدم في أشهر الحج فإنه يتمتع، كما أشار شيخنا رحمه الله محمد صالح ثمين أن في العبارة خلل، ففيها شيء من التناقض. والصواب أن يقال: من لم يفرد العمر بسفرة ثم قدم في أشهر الحج فإنه يتمتع، أو نقول: من أفرد العمر بسفرة ثم قدم في أشهر الحج فإنه لا يتمتع، واضح. إما نجعل النفي في الأول أو نجعل النفي في الثاني. وأشار المعلق في عبارة لشيخ الإسلام في القواعد النورانية أنه قال: إذا لم يفرد العمر بسفر فإنه يتمتع. وانظروا، صار في العبارة نفي، إذن العبارة الصواب فيها أن يكون النفي في أول الجملة أو في آخر الجملة، إما أن يكون: ومن لم يفرد العمر بسفرة ثم قدم في أشهر الحج فإنه يتمتع، هذا الصحيح. أو يكون: ومن أفرد العمر بسفرة ثم قدم في أشهر الحج فإنه ماذا؟ لا يتمتع، واضح. لماذا؟ لأن الذي أتى بالعمرة لا يحتاج أن يعيد عمرة أخرى. ومن لم يأتي بالعمرة فيستحب بحقه أن يأتي بالعمرة. وإن لم يأتي بالعمرة، الإسلام يجب؛ كما روي على الإمام أحمد رحمه الله: ما من مكلف أو عبد إلا ويلزمه حج وعمرة، أو كما قال رحمه الله. قال رحمه الله: والنبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا، نعم، حج النبي صلى الله عليه وسلم قارنًا، ولا يدل ذلك أنه الأفضل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام حج قارنًا قبل أن يخبره ربه سبحانه وتعالى بأفضلية التمتع. ولهذا قال صريحًا عليه الصلاة والسلام، كما جاءت الحديث الصحيحة عن عدد من الصحابة: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدية ولجعلتها عمرة»، يعني لم أحج قارنًا ولحججت متمتعًا. وهذا صريح في أن الأفضل التمتع بلا شك، بل قال بعض أهل العلم بالوجوب. والصحيح كما تقدم: لا يجب لعدم ورود شيء صحيح صريح. والأصل براءة الذمة من الوجوب. قال أبو العباس: وعلى هذا متقدم أصحابنا، يعني من الحنابلة. والقائل أبو العباس، أي ابن تيمية رحمه الله. ومعناه: على هذا التفصيل في الأفضلية، فليس هناك أفضل مطلقًا. لو قيل لك: ما هو الأفضل في الأنساك الثلاثة؟ يقال فيه تفصيل. فمن لم يأتي بعمرة فالأفضل في حقه التمتع. ومن ساق الهدي فالأفضل في حقه القران. ومن أتى بعمرة قريبة فالأفضل في حقه الإفراد. قال: ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجوز على الصحيح، ويجوز العكس باتفاق. وهذه مسألة من المسائل التي اختلفوا فيها في قضية إدخال الحج، إدخال العمرة على الحج، ومراده ها هنا أن يدخل العمرة على الحج فيصير قارنًا. فلا يجوز أن يدخل الحاج العمرة على الحج فيصير قارنًا؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وثبت العكس: أن القارن يتمتع بعمرته فيتحلل منها، أن ليس القارن، أن المفرد والقارن الذي لم يسق الهدي يتمتع من عمرته. أما من ساق الهدي فإنه يبقى على قرانه. ومن لم يسق الهدي فإنه يتحلل بعمرته. وأما أن يدخل الإنسان العمرة على الحج فيجعل نفسه قارنًا وهو لم يسق الهدي، فهذا لم يثبت، وهو خلاف الصواب. وقوله: يجوز العكس، يعني أن يتحلل بالعمرة، ولكن بشرط إذا لم يسق الهدي، إذا لم يسق الهدي. وهذه المسألة نبه عليها الفقهاء في كتبهم، بل سئل عنها بعض الأئمة. ففي مسائل أحمد وإسحاق بن راهوي لإسحاق بن منصور المروزي سئل الإمام أحمد رحمه الله، فقيل له - أي للإمام أحمد -: فيمن يريد أن يدخل العمر على الحج؟ فقال الإمام أحمد رحمه الله: لم أسمعه، يعني لم يثبت. فسأل إسحاق بن منصور المروزي إسحاق بن راهوي وأخبره بقول الإمام أحمد، فقال رحمه الله: كما قال، أي الإمام أحمد، لا يضم الحج عمره أبدًا. فقيل لإسحاق: وقول عمر لابن معبد: هديت لسنة نبيك، يريد حين سأله عن الجمع بين الحج والعمرة، فقال رحمه الله تعالى - يعني بذلك -: ليس هذا، أو كما قال، يعني لم يرد بذلك القران وإنما هديت لسنة نبيك في الجمع بين الحج والعمرة، إما كلًا على حدة، وإما على وجه الصحيح وهو التمتع. على هذا يوجه. وأما أن يدخل العمر على الحج فيكون قارنًا، فهذا لم يثبت ولم يصح. طيب، نكتفي بهذا لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.