الدرس في كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 2، الدرس الثاني:من( ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله وخلف مالاً حج عنه ... ولو كان النسب وطء شبهة لا زنا وهو قول أكثر العلماء واختاره ابن عقيل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام الحج لمن مات قبل أدائه، مشيرًا إلى أن الحج عنه يكون إذا لم يكن مفرطًا. كما يشرح جواز التجارة أثناء الحج مستندًا إلى الآية الكريمة ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ويحذر من الإفراط في التجارة لدرجة إهمال واجبات الحج.
تناول هذا الفصل حكم سفر المرأة بدون محرم للحج، حيث اختلف أهل العلم في هذه المسألة، واستشكلها شيخ الإسلام ابن تيمية. يوضح أن الصحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بغير محرم إلا في حالة الاضطرار أو إذا لم يكن هناك سفر.
يتناول هذا الفصل تفاصيل حول صحة حج المرأة بغير محرم مع الإثم، وأن اشتراط المحرمية ليس شرط صحة وإجزاء، وإنما هو شرط وجوب. كما ناقش حكم سفر الإماء والمعتقات من الإماء مع أو بدون محرم، ورأي الحنابلة في ضرورة وجود محرم للنساء مع استثناءات نادرة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله وخلف مالًا، حج عنه منه في أظهر قولي العلماء. وقوله: ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله، أي قبل أن يحج، وخلف مالًا، يعني يستطيع به الحج، حج عنه في أظهر قولي العلماء. ولكن اشترط الكثير من المحققين من أهل العلم أن يكون عدم حجه من غير تفريط، يعني كأن يكون منعه مانع وشغله شاغل. وأما أن يكون غير مبال بالحج ومفرط فيه، فالكثير من أهل العلم يرون أن مثل هذا لا يحج عنه، خصوصًا إذا كان عنده مانع، كرجل تارك الصلاة، مفرط في الواجبات والفرائض، ومن ذلك مفرط في الحج مع استطاعته، فمثل هذا إن مات فلا يحج عنه، ولو كان عنده مال؛ لأنه لم يكن له نية ولا قصد الحج، فلا حاجة أن يحج عنه. بخلاف حريص عنده المال، لكن منعه مثلًا الصحة، كان في صحته شيء ويرجو الشفاء والقوة فيحج، فمات قبل أن يحج، فيحج عنه. أو كان عنده دين، فأراد أن يسد دينه فتوفي، فسدد عنه الدين، وكان له مال يحج عنه، ونحو ذلك مما يكون من غير تفريط، فإنه يحج عنه. قال رحمه الله: وإذا وجب الحج على المحجور عليه لم يكن لوليه منعه منعه منه على الوجه الشرعي. المحجور هو من حجر عليه في ماله، إما لسفهه، كالمرأة التي لا تحسن التصرف غالبًا في المال، أو حتى الرجل البالغ إذا كان له تصرفات لأجلها حجر على ماله، أو غير ذلك مما يذكر في باب الحجر في كتب الفقه. فإذا حجر على إنسان في ماله، وقد وجب عليه الحج، فلا يجوز لوليه أو لأوليائه أن يمنعوه من الحج على الوجه الشرعي، يعني مثلًا إذا كانت امرأة مع محرمها، أو كان كذلك رجلًا عليه ديون، سدد ديونه وذهب بباقي ماله للحج، ونحو ذلك مما لا يخالف الشرع. وينبه بهذا رحمه الله إلى هذه المسألة التي اختلف فيها أهل العلم، وأن الصواب أن المحجور لا يحجر عليه في كل شيء، بل ما أمر الله عز وجل به من فرائضه مما يجب أداؤه ولو حجر في ماله. قال رحمه الله: والتجارة ليست محرمة، لكن ليس للإنسان أن يفعل ما يشغله عن الحج. وهو يشير بهذا رحمه الله إلى جواز وإباحة الاتجار في الحج. وفي صحيح البخاري وغيره، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: رضي الله عنه: «كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك»، يعني كيف يجتمع تجارة مع الحج؛ لأن سوق عكاظ الذي هو بالقرب من الطائف، وذو المجاز الذي هو في طريق مكة، وهي مواضع معروفة إلى يومنا هذا. هذه المواضع كان الناس يجتمعون فيها في مواسم الحج، إما قبل الحج أو بعد الحج، ويكون لهم تجارات، هذا يأتي من المشرق، وهذا من المغرب، وهذا من الشمال، وهذا من الجنوب، كل يأتي بما معه، فيكون انتفاع الناس بهذه التجارات. ولما جاء الله عز وجل بالإسلام، كرهوا ذلك، ظن بعض الناس أن هذا ينافي الإخلاص لله عز وجل في العبادة، أي الحج. قال ابن عباس: «فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج»، وزيادة في مواسم الحج، تفسير من ابن عباس رضي الله عنه أرضاه. وفي رواية عند ابن حبان صحيحة، قال: «فلما جاء الإسلام كأنهم تأثموا»، يعني رأوا أن فعلهم ذلك يوقعهم في الإثم، فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فلا حرج في التجار الحاج، سواء يبيع أو يشتري، لا فرق في ذلك، لكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ليس للإنسان أن يفعل ما يشغله عن الحج، يعني كونه يتجر ويفعل الشيء المباح أو ما يحتاج إليه وينفعه، خصوصًا إذا كان به حاجة إلى هذا الاتجار. لا يعني ذلك أن يحرم نفسه من الحج، حتى أن بعض الناس ربما يضيع بعض واجبات الحج، وكذلك ماذا المقصود من الحج بانشغاله بالبيع والشراء؟ فمثلًا ربما لا يرمي الجمار انشغالًا بالبيع والشراء، ربما لا يبيت في منى انشغالًا بالبيع والشراء، ربما كذلك يفوت على نفسه دعاء عرفة، الناس يدعون ربهم ويفتهلون ويهللون ويستغلون هذا اليوم العظيم في دعاء الله عز وجل بما يناسب هذا المقام العظيم. وبعض الناس يضيع وقته في اللغط والبيع والشراء، وهذا خطأ؛ لأن التجارة في هذا الموضع شغل له عن الحج. لكن يجعل التجارة مثلًا قبل عرفة أو بعد عرفة، أو إذا احتاج والطر وقت يسير قبل وقت الدعاء، أما قبل الزوال أو بعد الغروب، أو بعد الغروب في أثناء انطلاقه وانطلاق الناس إلى مزدلفة. على أنه لو أجل ذلك إلى بعد انتهاء الحج أو قبل دخوله في الحج لكان هذا أفضل أكمل، وهذا هو الوسط في هذا الباب. قال رحمه الله: من أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك، وجب عليه الكف عن سلوكها، فإن لم يكف، فيكون قد أعان على نفسه، فلا يكون شهيدًا. وهذا إشارة منه رحمه الله إلى سفر الحجاج إلى كان في السفر خوف، سواء كان الخوف من قطاع الطريق أو سلامة الطريق، أو كان الخوف من أي معنى آخر، كقلة النفقة ونحو ذلك، بما يكون معه الهلاك أو كذلك الانقطاع. فهنا يقول رحمه الله: من أراد سلوك طريق يستوي فيه احتمال السلام والهلاك، يعني بأي معنى من المعاني وأي كيفية من الكيفيات والصور، ولكل زمان ومكان أحواله وأوصافه الخاصة، قال: وجب عليه الكف عن سلوكها؛ لأنه إذا اجتمع حاضر ومبيح، قدم الحاضر على المبيح. وهذه القاعدة الفقهية لها نظائر وشواهد كثيرة من عمومات الأدلة من الكتاب والسنة، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح. وقوله: فإن لم يكف، يعني إن لم يترك واستمر، فيكون قد أعان على نفسه، فلا يكون شهيدًا، يعني لا يظن الظان أنه إذا فعل ذلك يكون شهيدًا، بل هو قاتل لنفسه. فمثلًا ما يفعله بعض الجهال في السفر على وجه فيه خطر، طمعًا في الحج وأنه لو مات مات شهيدًا؛ لأنه مات في طريق الحج، هذا خطأ وليس بالصحيح، سواء على البحر أو في البر أو غير ذلك مما قد يقع من بعض الناس. فالصحيح أنه لا يجوز للمسلم أن يسلك طريقًا فيها احتمال الهلاك، خصوصًا إذا غلب هذا المعنى أو كاد أن يساوي السلامة. وأما إذا كان الاحتمال ضعيفًا أو يسيرًا، فلا يكون مثل ذلك مانعًا من الحج. وما أكثر مثل ذلك، فمثلًا طريق البحر خصوصًا في أزمنة متقدمة، فيها معنى الهجرة من يسافر في البحر لا يضمن السلامة. وهكذا كذلك من يسافر في طريق البر في الأزمنة المتقدمة مع كثرة المخاوف في الطريق، فلم يكن مثل ذلك مانعًا من الحج. لكن إذا زاد ذلك بوجود سبب ظاهر، فإنه لا يجوز، مثلًا وافق السفر في البحر وقت الخريف الذي يضطرب فيه البحر ويكون فيه شدة الخطر وامتناع السفن عن السفر، فلا يجوز للمسلم أن يسافر والوصف هكذا. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم وتبرأ ممن ركب البحر على هذا الوصف. ومثله لو كانت هناك حروب في طريق الحجاج الذين يسافرون برًا، فلا يجوز للحاج أن يخاطر بنفسه بحجة أنه يريد العبادة وطاعة الله، فإن مات مات شهيدًا. بل إن مات وقد أدخل نفسه في الخطر، ألقى نفسه إلى التهلكة، وكان كما قال: أعان على نفسه، فلا يكون شهيدًا. وهكذا قل في صور ومعان كثيرة لا تنحصر، تختلف باختلاف الزمان والمكان. قال رحمه الله تعالى: وتجوز الخفارة عند الحاجة إليها في الدفع عن المغفر، ولا تجوز مع عدمها كما يأخذه السلطان من الرعية. ومعنى الخفارة مأخوذ من الحماية والرعاية، وكان هذا يأخذ بحجة الحماية للحجاج، كأنه مثل الشرطة اليوم، ويسمى بعض الناس إلى اليوم مركز الشرطة بمخفر الشرطة، أي مركز الحماية. فكان في زمان متقدم تؤمن الطرق للحجاج خاصة، تعظيمًا لحرمات الله وإعانة للحجاج في الوصول إلى بيت الله الحرام. فكل أمير وسلطان في منطقة يمر بها الحجيج، يؤمن طريق الحجيج في بلده للحجيج، بوضع الحراس والخفارة، أي المراقبة المستمرة، مثل ما نقول النوبات والدوريات طوال اليوم، يتناوبون في حماية الطريق حتى لا يتعرض للحجاج أحد. وربما كان ذلكم الأمير أو من يسعى في هذا الخير ليس عنده استطاعة لإتمام ذلك من ماله الخاص، فيضطر أن يأخذ من الحجيج الذين يمرون شيئًا يسيرًا، تدفع به أجور هؤلاء الذين يحمون الطريق، فهذا كما قال شيخ الإسلام: جائز، إعانة للحجيج أن يحج بامان. ومن منع، إنما يصح منعه على الوصف الثاني، وهو قوله: ولا تجوز مع عدمها، كما يأخذه السلطان من الرعية، يعني مع عدم الحاجة لا يجوز أخذ المال من الحجيج، ولو وضعت الخفارة، فضلًا أنه لا خفارة في الطريق، ولو وضعت الخفارة لا يجوز أن يؤخذ مال من الحجيج، ما دام أنه لا حاجة للخفارة. يعني أيش الفائدة من الحراسة إذا كان هناك استغناء عنها؟ فلا يجوز أخذ المال والوصف هكذا. فكيف إذا كان المال يؤخذ ظلمًا وعدوانًا من الحجاج، لكل من يمر بلد، مثل المكس والضرائب التي تؤخذ في أزمنة مختلفة، بل إلى زماننا هذا في بعض البلاد، لا يمر المسافر حاجًا أو غيره إلا ودفع مالًا في الطريق التي يمر فيها، فهذا لا يجوز. وقد تقدم معنا في كتاب الزكاة الإشارة إلى شيء من ذلك. قال رحمه الله: وتحج كل امرأة آمنة ما عدم محرم. وقد اختلف أهل العلم في هذه العبارة، واستشكلها عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وترونها هنا تعليقًا للشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله. قال رحمه الله: وماذا نصنع في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر ثلاثة أيام»، وفي رواية: «يومًا»، وفي رواية: «ليلة إلا ومعها زوجها أو ذو محرم»، رواه البخاري، مسلم، وغيرهما. ثم قال: وهذا هو الذي صححه شيخ الإسلام في الفتاوى. وسيأتي إن شاء الله من كلام شيخ الإسلام في هذا الموضع ما يؤكد ذلك، بل نص رحمه الله في «شرح العمدة»: «أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بغير محرم»، وضرب مثالًا لحج المسيء، ومثل بحج الحاج بالمسألة، يعني يحج ويعتمد في حجه على مسألة الناس، يسأل الناس ويعطوه مالًا ويسافر ويستمر وهكذا، وينتقل من نسق إلى نسق بالمسألة، فهذا حج المسيء. وهكذا مثل من حج المسيء بحج المرأة بغير محرم. وفي موضع آخر في «شرح العمدة»، أشار إلى أنه كذلك لا يجوز للمرأة أن تسافر بغير محرم في الحج، وأن ذلك سبب للفتنة بها ولها، وكذلك يعرضها للضيق والضيعة والحوادث ونحو ذلك مما أشار إليه. فإذا تبين نحو هذا، علم أن ما ذكره رحمه الله هنا يحمل على أحد وجهين اثنين: الوجه الأول أن يكون مقصود المؤلف رحمه الله هاهنا: وتحج كل امرأة آمنة مع عدم محرم، يعني إذا كان بغير سفر، إذا كان بغير سفر؛ لأنه لم يقل: وتحج المرأة مسافرة بغير محرم، وإنما قال: وتحج كل امرأة آمنة مع عدم محرم. فمثلًا لو أن امرأة في مكة ومن أهل مكة، أرادت أن تحج بغير محرم مع وجود الأمن، هل يجوز لها أن تحج؟ الصحيح يجوز لها أن تحج، ما دامت في رفقة آمنة ويتجد الأمن على نفسها؛ فإنه يجوز لها أن تحج من غير محرم؛ لأنه ليس في حجها سفر، ليس في حجها سفر، وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر من دون محرم. وهي ربما في غير وقت الحج تنتقل مثل هذه المسافات بغير محرم، فكيف مع هذه العبادة ومع رفقة من أهلها أو من اخواتها من النساء، خصوصًا في هذا الزمان مع حملات الحج؟ فهذا لا شك أنه معنى من معاني الأمن والأمن فيجوز للمرأة أن تحج إذا كان بغير سفر ما عدم المحرم. ولا شك أن الأفضل والأكمل والأحوط أن يكون معها المحرم ليحفظها ويصونها ويرعاها ويعينها على أداء هذه العبادة على أكمل الوجوه أحسنها. والوجه الثاني: أن يحمل: وتحج كل امرأة آمنة ما عدم محرم، إذا كان ذلك على وجه الاضطرار. وسيأتي الإشارة إلى معنى ذلك في المسائل الآتية إن شاء الله. وأما ما عدم الاضطرار، فإنه لا تسافر إلا مع ذي محرم، ولا تحج إلا مع ذي محرم. فمثلًا لو أن امرأة أتت مع محرمها فمات محرمها في الطريق، وقد وصلت إلى مكة، هل ترجع أم تواصل الحج؟ الصحيح أنها قد وقعت في المفسدة، فتواصل الحج؛ لأن رجوعها فيه مضرة ربما أشد ما إذا واصلت الحج؛ لأن إذا واصلت الحج فسترجع مع الرفقة في أمان. وأما إذا رجعت لوحدها من دون الرفقة، ربما كان الضرر عليها أشد. وربما يحمل كذلك أن الكلام هاهنا على صحة الحج ولو وقع الإثم والإساءة، مثل ما أشار في «شرح العمدة» إلى أن حج المرأة بغير محرم صحيح مع الإثم، الحج صحيح؛ لأنه ليس فيه ما يبطله، ولكنه حج فيه إساءة؛ لأنه فيه مخالفة شرعية. ولهذا كان القول الصحيح أن اشتراط المحرمية ليس هو شرط صحة وإجزاء، وإنما هو شرط وجوب. وفرق بين الأمرين. ولهذا ذكر العلماء في شروط الحج أن شروط الحج تنقسم إلى قسمين: من شروط الحج شروط إجزاء وصحة، لا يصح الحج ولا يجزئ إلا كذلك، مثل حج المجنون لا يصح ولا يجزئه. فلو افاق المجنون وقد حج، قيل له: أعد الحج. فلو قال بعض أهله: قد حججنا به، فيقال: حججتم به وهو مجنون، ولا يصح منه الحج ولا يجزئه. وقد يكون شرط صحة وليس شرط إجزاء، وليس شرط صحة، مثل حج الصبي، فحج الصبي صحيح لكنه لا يجزئه عن حجة الإسلام؛ لأنه إنما يجب عليه إذا بلغ، وقد رفع عنه القلم. وقد يكون كذلك، وهذا هو النوع الثالث، إنما هو شرط وجوب، مثل المحرم للمرأة، فالمحرم للمرأة شرط للحج، ولكنه هل هو شرط إجزاء أو شرط صحة؟ الجواب: لا، ليس بشرط إجزاء ولا شرط صحة، ولكنه شرط وجوب. فإذا وقع الحج من المرأة بغير محرم، فهي آثمة، وحجها صحيح، هذا هو الصحيح من قول أهل العلم في هذا؛ لأن المحظور هاهنا ينفك عن العبادة والطاعة. قال رحمه الله تعالى: قال أبو العباس: وهذا متوجه في سفر كل طاعة. ومعناه أن هذا الحكم يكون في سفر كل طاعة، أي يجوز للمرأة الآمنة أن تواصل طاعتها بغير محرم. وهذا يحمل على ما تقدم من أن المقصود هو إذا اضطرت أو نحو ذلك مما أشير إليه. وقد يكون المؤلف رحمه الله إنما ينقل عن بعض أهل العلم. والراجح ما سيأتي مما يشير إليه بعد هذه المسائل من أنه لا بد من المحرم للمرأة إذا حجت، والله أعلم بالصواب. قال رحمه الله: وأماء المرأة يسافرن معها ولا يفتقرن إلى محرم؛ لأنه لا محرم لهن في العادة الغالبة. فأما عتقاؤها من الإماء، فقد بيض لذلك أبو العباس. قال بعض المتأخرين: يتوجه احتمال أنهن كالأماء على ما قال، إذ لم يكن لهن محرم في العادة الغالبة. واحتمال عكسه؛ لانقطاع التبعية وملك أنفسهن بالعتق بخلاف الإماء. وصح عن أبي العباس في الفتاوى المصرية: «أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع زوج أو ذي محرم». والمحرم زوج المرأة أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب، ولو كان السبب وطء شبهة لا زنا، وهو قول أكثر العلماء، واختاره ابن عقيل. هذه مجموعة من المسائل نأتي عليها مسألة مسألة. أول هذه المجموعة من المسائل قوله: «أماء المرأة يسافرن معها ولا يفتقرن إلى محرم»، يعني إذا كانت المرأة عندها أمة، قد تكون أمة لرجل، فهذا الرجل محرمها إذا لم يكن لها محرم. وقد لا تكون الأمة لرجل ولكن لمرأة، فهل يجوز أن تسافر مع المرأة؟ سواء أكان للمرأة محرم، فهو ليس محرمًا للأمة، أو لم يكن للمرأة محرم، فهل يجوز لها أن تسافر مع المرأة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فمنهم من قال: إذا كان لها محرم، أي المرأة الحرة التي هي سيدة هذه المرأة الأمة، فمحرم المرأة الحرة يقوم مقام محرم الأمة. ومن أهل العلم من منع من ذلك، وقال: لا بد من محرم لهذه الأمة. والصحيح في هذا التفصيل: فإن كان لهذه الأمة محرم، فإنه يجب عليها أن تسافر مع محرمها لعموم الأدلة في هذا الباب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: كما في حديث ابن عباس وغيره في البخاري وغيره: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم». وما إذا لم يكن لها محرم، فهذا محل خلاف بين أهل العلم. والاحوط لا شك أنه لا تسافر إلا مع ذي محرم، فإن لم يكن فقد سقط عنها الحج ولا يجب. لكن قد يقول قائل: هي أصلا تسافر مع أهلها الذين يقومون عليها، وهي معهم، وهي أمة لهؤلاء الناس، فلا مانع أن تسافر كذلك إلى الحج. فإن كان كذلك، فربما رخص لها متابعة لأهلها التي تعيش معهم، وربما كان بقاؤها معهم احفظ لها من بقائها وحدها، مثلًا إذا كانت امرأة أمة لأسرة ستسافر الأسرة جميعًا إلى الحج، فبقاؤها وحدها في البلد ربما يكون خطر عليها. فكونها تذهب معهم مع هذه الرفقة لا شك أنه احفظ لها، والله أعلم. وقوله: «لأنه لا محرم لهن في العادة الغالبة»، يعني هذا هو الغالب في حق الإماء. وكما تقدم: الصحيح إذا كان لها محرم، فيجب أن تحج مع محرمها، إلا إذا كان محرمها بعيدًا، وكان في تخلفها وحدها ضرر عليها، فكما تقدم: الصحيح يجوز لها أن تسافر مع سيدتها ولو لم يكن لهذه الأمة محرم؛ فالضرورات تبيح المحظورات، وارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدها ضررًا مأمور به شرعًا. وقوله: «فأما عتقاؤها من الإماء فقد بيض لذلك أبو العباس»، يعني إذا كانت المرأة معتقة، فهل يجوز لها أن تسافر وحدها؛ لأنه ليس لها محرم؟ الصحيح أنه لا يجوز لها أن تسافر وحدها على ما تقدم من الأصل. ولهذا أتبعه بقوله: «وقال بعض المتأخرين»، يشير بذلك إلى ابن مفلح في «الفروع». فقد ذكر ابن مفلح في «الفروع»: «قال بعض المتأخرين: يتوجه احتمال أنهن كالإماء على ما قال»، يعني قد يكون حكم هذه التي بيض لها كحكم التي قبلها. التي قبلها إذ لم يكن لهن محرم في العادة الغالبة، يعني كما تقدم أنه ليس لها محرم في العادة الغالبة، فهذه كذلك إذا اعتقت ليس لها محرم، فلا فرق. قال: «واحتمال عكسه؛ لانقطاع التبعية وملك أنفسهن بالعتق بخلاف الإماء». ومعنى انقطاع التبعية: يعني ليس لها سيدة تحفظها وترعاها وتحميها. ولا شك أن الناس يتجرؤون على الأمة ما لا يتجرؤون على الحرة؛ لأنهم يعرفون أن الحرة خلفها من أهلها وذويها من يكون سببًا في حمايتها وصيانتها من يعتدي عليها. وقوله: «وملك أنفسهن بالعتق»، يعني أنها صارت مالكة لنفسها، فلا أحد يحميها، بخلاف الإماء. ولهذا كان الصحيح، وهو الأحوط، أنه لا تسافر مثل هذه إلا مع ذي محرم، إلا كما تقدم للضرورة؛ فالضرورات تبيح المحظورات. وزاد ابن مفلح بعد هذه العبارة قوله: «وظاهر كلامهم اعتبار المحرم للكل وعدمه للحرة»، يعني كأنه يقول: ظاهر كلام الحنابلة أن الجميع، أي هذه النساء الثلاث: الحرة والأمة والمعتقة، الجميع تفتقر إلى محرم، ولابد لها من محرم. وكما سبق: هذا هو الأصل، وهو الأحوط، إلا في حالات نادرة تستثنى، لماذا استثناءات دلت عليها عمومات الشريعة، والضرورات تبيح المحظورات. نكتفي بهذا القدر وإلى هنا والله تعالى أعلم.