الدرس في كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 3، الدرس الثالث:من( وصح أبو العباس في الفتاوى المصرية أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع زوج ... ويصلي الصلوات الخمس ويصدق الحديث ويؤدي الأمانة ولا يتعدى على أحد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ شرط سفر المرأة للحج مع المحرم، موضحًا تعريف المحرم وأحكامه. استثنى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من المحرمية.
يتناول المقطع أحكام الحج عن الغير، حيث يجوز للرجل أن يحج عن المرأة والعكس صحيح، مع شروط لصحة الحج عن الغير.
يتناول المقطع ترتيب الأولويات بين الحج والصدقة، حيث يقدم الحج على الصدقة التطوعية مع شروط معينة.
يختتم المقطع بالتأكيد على تطبيق المبدأ على مسائل أخرى ويختم بالدعاء للنبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وصح عن العباس الوتاوى المصرية أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع زوج أو ذي محرم. والمحرم زوج المرأة أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب، ولو كان السبب وطء شبهة لا زنا، وهو قول أكثر العلماء، واختاره ابن عقيل. أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين في التحريم للمحرمية اتفاقًا، هذا تبع لما سبق في الدرس الماضي من الكلام على اشتراط المحرمية. ومرت معنا مسائل ومرت في تلك المسائل توجيه لبعض عبارات شيخ الإسلام في هذا الكتاب، التي فهم منها بعض أهل العلم أنه رخص في السفر من دون محرم. والصحيح ليس كذلك، بل يوجه بتوجيهات كما تقدم. ومر معنا ما نقل وأشار الناقل هنا عن ابن مفلح رحمه الله، من أن القول الراجح اعتبار المحرمية للكل، وأن عدم المحرم لا فرق فيه بين الحرة والأمة. وها هنا تأكيدًا لما سبق، فهذا نقل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى المصرية، فيه أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع محرم، من زوج إلى آخر ما ذكر. ومر معنا أنه نقل كلامًا نحو ذلك في شرح العمدة، أي عمدة الفقه. فلشيخ الإسلام شرح للعمدة، أي عمدة الفقه، وفي ذلكم الشرح في موضعين أشار إلى اشتراط المحرمية كما سبقت الإشارة إليه. ثم بيّنها هنا أن المحرم المراد به الزوج، المراد يعني أن يكون معها من يحميها ويحفظها، من زوج أو ذي محرم. الزوج يحفظها وهو له ولاية عليها بزواجه، وذو المحرم هم قراباتها. ثم أشار أن هؤلاء القرابات منهم أولًا الزوج، كما تقدم بهذه العلاقة، هي علاقة النكاح، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب. أما بنسب فواضح، كالأصول وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، يعني الآباء والأجداد وهكذا، والأبناء وأبناء الأبناء بالنسبة للفروع وهكذا، الإخوة بالنسبة للحواشي، وأبناء الإخوة، والعم، وليس أبناء العم، لا يخفى، ولكن العم فقط، ونحو ذلك مما هو معروف تفصيله في تفاصيل كتب الفقه. أو سبب، يعني من مصاهرة بسبب نكاح، أو كذلك بسبب رضاع. ولهذا قال: على التأبيد، لأنه قد يكون سبب على غير التأبيد. فمثلًا أبو الزوج محرميته على التأبيد، وبالنسبة لبنت الزوجة وهي الربيبة، المحرمية بشرط، فإذا وقع هذا الشرط فهو كذلك على التأبيد. وكذلك يقال لابن الزوج، ﴿وَرَبَائِبُكُمُ الَّلَاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ الَّلَاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وهكذا يقال في ابن الزوج. وهكذا كذلك كل ما كان بمعناه مما فيه معنى التأبيد. وأما ما لم يكن فيه معنى التأبيد، فهذا لا يثبت به محرمية. فمثلًا زوج الأخت محرم نكاحه بالنسبة لأختها، لا يجوز أن يجمع بين الأختين، لكن هل هذا التحريم على التأبيد؟ لا، مؤقت، فلا يصلح أن يكون زوج الأخت محرم لأختها. فيقول قائل مثلًا: لا بأس تسافر الأخت مع أختها وزوج أختها، بل هذا لا يجوز؛ لأنه ليس بمحرم، ولو كان يحرم عليه الزواج بها. فتحريمه إنما هو تحريم الجمع. وقوله: «ولو كان السبب وطء شبهة لا زنا»، يعني إذا وقع نكاح شبهة فإنه يثبت به المحرمية، وفي هذا خلاف. ولهذا قال: وهو قول أكثر العلماء، واختاره ابن عقيل. ولنكاح الشبه صور كثيرة. فلو تزوج الرجل بامرأة وعمتها أو خالتها، ثم تبين له أن بينهما قرابة، لا شك أنه سيطلق الثانية؛ لأنه كان يحرم عليه ذلك، فحصل النكاح بشبهة. أو على القول الصحيح أنه سيفسخ النكاح. بقي الآن ما علاقة هذا الرجل بالنسبة لأم هذه المطلقة أو المفسوخ بها؟ هل يثبت بهذا محرمية أم لا؟ لأنه دخل بها. رجل مثلًا تزوج امرأة، ثم تزوج امرأة أخرى، فتبين له وكان لا يدري أن هذه المرأة هي ابنة أخت هذه المرأة التي هي زوجته، لا يجز له أن يجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها. فهنا سيفارق هذه، لكن قد دخل بها، فما حكم أم هذه المرأة؟ ماذا نقول؟ الصحيح أنه يثبت فيها محرمية، يعني لا يجوز له أن يتزوج أم هذه المرأة المدخول بها، ولو قد فارقها؛ لأنه قد دخل بها، والوطء كان بشبهة. بخلاف الزنا، لو زنَى بامرأة وأراد أن يتزوج ابنتها، هل يجوز؟ في هذا خلاف، وأكثر أهل العلم يجوز هذا؛ لأن هذا الرجل إذا تاب، فلم يكن ذلك على الوجه الشرعي، فليس له حكم. ولا شك أن الأحوط ألا يفعل هذا. وقوله: «وهو قول أكثر العلماء واختاره ابن عقيل»، يعني على هذا الوصف، ولو كان السبب وطء شبهة، كالمثال الذي مثل ونحوه، وله صور ونظائر كثيرة. وقوله: «أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين في التحريم للمحرمية»، يعني أن معنى الأمومة ها هنا ليست أمومة محرمية، بل أمومة تحريم، يعني يحرم النكاح لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا لم يجز للرجل الأجنبي أن يخلو بأحد أمهات المؤمنين، ولا أن يسافر بها، ولا أن يصافحها، ولو كان لا يجز له أن ينكحها؛ لأن معنى عدم النكاح ليس كونها محرم. ولهذا يقول بعض أهل العلم بعبارة أخرى: هي أم المؤمنين بالمنزلة والتحريم لا بالمحرمية والمصاهرة أو النسب. فالحاصل أراد أن يشير بهذا لهذه القضية خاصة، ولما سبقت الإشارة إليه في نكاح الشبهة، وما كان بمعناه مما قد يكون التحريم لمعنى، ولا يقتضي ذلك ثبوت المحرمية. فمثلًا نكاح الزنا، أو نقول فعل الزنا إذا وقع، ولو كان لا يثبت به نسب، ولا يكون كذلك مقتضيًا لمحرمية، لكن لا يعني ذلك أنه يعامل معاملة عدم المحرمية. واستدل العلماء لهذا بأحاديث، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «احتجبي منه يا سودة». فالنبي صلى الله عليه وسلم أجري في هذا الحديث، وفيه قصة طويلة، الخلاصة أجري النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث على معنيين. فلما رأى الشبه بالزاني أمر سودة أن تحتجب، مع أنها في الظاهر هي محرم له، لكن لما وجد ذاك السبب أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحتجب. واستدل العلماء بهذا على إجراء الحكمين في مثل هذا المقام، ولو حتى كان من الزنا. وهذا هو الصحيح. فلهذا الصحيح أنه لا يجوز أن يتزوج الرجل بابنة المزني بها، حتى ولو تاب. وهكذا العكس. قال رحمه الله تعالى: «ويجوز للرجل». وهنا تنبيه يذكره بعض الفقهاء، مسألة يقولون: يجوز للمرأة أن تسافر من دون محرم مع جماعة النساء. الصحيح أن هذا لا يجوز. وبعضهم يستدل بما جاء في صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه أمر عثمان على حجة، وأرسل مع عثمان بعض أمهات المؤمنين، فقالوا: كان ذلك وفيهم عائشة، قالوا: كان ذلك لأن هؤلاء خرجوا في رفقة النساء، فكان ذلك مجيزًا للسفر من دون محرم. والصحيح أن هذا الاستدلال ليس بصحيح؛ فقد ثبت أن عائشة رضي الله عنها سافر معها ابن أختها، أسماء وهو الزبير، عبد الله بن الزبير. ولا مانع أن يكون باقي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كان لهن محرم من جهات أخرى. وعدم الثبوت أو نقول عدم النقل، ليس نقلًا للعدم. يذكر بعض الفقهاء هذه القاعدة: عدم النقل ليس نقلًا للعدم. كونه لم ينقل أنه سافر محرم مع فلانة وفلانة، لا يعني ذلك أنه لا وجود للمحرم. والأصل هو ثبوت ذلك، ولو قدر أنه لم يقع، فالعبرة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. وقد صح صريحًا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالمحرم، وعدم جواز سفر المرأة من دون محرم، وهذا هو الأصل. ولا يصح كذلك أن يقال في هذا المقام: أن أمهات المؤمنين هم محرميتهم ثابتة بهذه الأمومة؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام ها هنا: إنما هن أمهات المؤمنين في التحريم لا المحرمية. قال رحمه الله: «يجوز للرجل الحج عن المرأة باتفاق العلماء، وكذا العكس على قول لإمام الأربعة، وخالف فيه بعض الفقهاء». يجوز للرجل الحج عن المرأة، فاختلاف الجنس لا يؤثر في الحج، لا يشترط يعني أن تحج عن المرأة امرأة، وعن الرجل رجل. حتى ولو كان في الواقع أن قوة وجهد المرأة ليس كقوة وجهد الرجل؛ لأن بعضهم قال: يجوز أن تحج، يجوز أن يحج الرجل عن المرأة، ولا يجوز أن تحج المرأة عن الرجل، زعموا أن حج المرأة لن يكون مثل الرجل أي في القوة وإلى آخره. وهذا ليس بصحيح، بل يجوز الرجل عن الرجل، والمرأة عن المرأة، والرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل، كله يجوز، ولا مانع من ذلك. ويدل على هذا أحاديث كثيرة. فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل من قبل الرجال ونساء، ومرت معنا قريبًا بعض هذه الأحاديث. سئل النبي عليه الصلاة والسلام في أن يحج عن الرجال وعن النساء. ففي قصة الخطعمية أنها سألته عن أبيها، فأذن لها أن تحج عنه، وهي امرأة وأبوها رجل. وهكذا كذلك صح أنه سئل عن رجل يحج عن رجل. والأصل هو الحل، ولا دليل صحيح صريح يمنع. وهكذا كذلك يجوز للرجل ولغيره أن يحج عن غيره، لكن بالوصف الشرعي الصحيح كما تقدم. ومن الوصف الشرعي أن يحج عن من يصح الحج عنه. فمثلًا تارك الصلاة، التارك للحج متعمدًا، الصحيح أنه لا يحج عنه؛ لأنه مفرط في الحج، وهو مضيع لدين الله عز وجل، كيف يحج عنه؟ إنما الحج على من له عذر. ويجوز الحج عن الغير في الفرض وفي التطوع على الصحيح. ولكن الأفضل أن يتطوع الإنسان لنفسه، لا شك. وينبغي أن يحرص الحاج عن غيره على تصحيح نيته. وهذا ما علق عليه شيخنا رحمه الله محمد بن صالح العث عن الغير، كما في التعليق: أنه ينبغي للحاج عن غيره أن يصلح نيته، أي معنى كلامه في أخذ الأجرة. فتصحيح النية في أخذ المال سبب لحصول الأجر لهذا الحاج عن الغير، وكذلك لحصول العمل النافع للمحجوج عنه. وأما إذا كان المقصود المال، فالفاعل للحج يحرم نفسه أجر هذا الحج. إنما الأعمال بالنيات. وإلا لو قصد ما عند الله وفضل الحج أجر كما يؤجر صاحب الحج، واستجيب له كما يستجاب لصاحب الحج. وينبه هنا أنه ينبغي أن يدعو لصاحب الحج، ويكثر من ذلك، ويدعو لنفسه، فيفعل هذه العبادة كما يحب أن يفعلها لنفسه. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وهكذا كذلك تصحيح النية سبب لإتقان هذا العمل. وأما إذا لم يخلص النية، وكان قصده المال، فإذن هو لن يتقن هذه العبادة. ولهذا ينبغي لمن يبحث عن من يحج أن يبحث على صاحب الدين الذي قصده من الحج ليس المال، وإنما الحج والخلاص في أداء الأمانة التي وكل بها. قال رحمه الله: «والحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست واجبة». وأما إن كان له أقارب محاويج، فالصدقة عليهم أفضل. وكذلك إن كان هناك قوم مضطرون إلى نفقته. فأما إذا كان كلاهما تطوعًا، فالحج أفضل؛ لأنه عبادة بدنية مالية. وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك، لكن هذا بشرط أن يقيم الواجب في الطريق، ويترك المحرمات، ويصلي الصلوات الخمس، ويصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ولا يتعدى على أحد. وهذه مسألة أخرى لها تعلق بهذا الفصل، التي أو هذا الفصل الذي تضمن مجموعة من المسائل، هي مما تتقدم الحج، يعني تسبق الحج. فيقول ها هنا: «والحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست واجبة». أما الصدقة الواجبة فلا شك أنها مقدمة على حج التطوع. ولكن إذا كانت صدقة نفل، وحج تطوع، أيهما أفضل؟ هذا أم هذا؟ الصحيح أنه يقدم الحج؛ لأن الحج متناول للصدقة وزيادة، متناول لمعنى الصدقة وزيادة. ففيه صدقة وزيادة، عن الصدقة فيه صلاة، فيه طواف، فيه سعي، ودعاء، وذبح، وصدقة، وغير ذلك. وهذا ظاهر. ولهذا قال بعض أهل العلم: أن الحج تناول جميع أنواع العبادات من بدنية ومالية وقلبية، ومن صلاة حتى الصيام، فيه الصيام لمن لا يستطيع الذبح. وقوله: «وأما إن كان له أقارب محاويج فالصدقة عليهم أفضل»؛ لأنه تعلق بهذه الصدقة المستحبة ما هو أفضل من الحج. فدفع الحاجة قد تصل إلى حد الضرورة. ولهذا قال بعده: «وكذلك إن كان هناك قوم مضطرون إلى نفقته»، حتى ولو كان ليس بقريب. فدفع الضرر عن الغير مقدم عن حج التطوع. بل الصحيح أن دفع الضرر عن الغير من الواجب لمن يستطيعه، إذا تأكد أن هذا الإنسان متضرر، فيجب عليه مدام هو مستطيع أن يدفع عنه الضرر. وهذا من فروض الكفايات. وقوله: «فأما إذا كان كلاهما تطوعًا فالحج أفضل»، يعني إذا كان الحج تطوعًا والصدقة تطوعًا، فالحج لا شك أفضل ومقدم، كما سبق في أول هذه الفقرة. وبه وبه نعلم أن قوله: «وكان له أقارب محاويج أو كان هناك قوم مضطرون»، أنه شيء زائد عن التطوع، أنه شيء زائد عن التطوع. فدفع ضرورة وحاجة هؤلاء أعظم من مسألة التطوع. وقوله: «لأنه عبادة بدنية مالية»، يعني لأن الحج كما تقدم تناول عدة أعمال صالحة، ولهذا كان أفضل. وقوله: «وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك»، يعني لمن استطاعها. فمثلًا رجل يستطيع للأضحية، أيهم أفضل؟ الأضحية والأكل من اللحم والتصدق ببعض اللحم والإهداء، أم يتصدق بالمال؟ قد يقول قائل: يعني المال في هذا الزمان، الناس يحتاجون إليه أشد. الجواب: لا، الأضحية أفضل، والعقيقة أفضل. والأضحية التي تذبح يوم الأضحى، والعقيقة التي تعق عن المولود، للذكر شاتان وللأنت شاة. وهذا يقيد بما تقدم، يعني إذا لم يعارضه واجب. أما إذا عارضه واجب، فلا شك أنه يقدم الواجب. أو عارضه ضرورة، يقدم الضرورة. مثلًا عندك أب مريض، وكان عندك مال محفوظ للأضحية، وأنت تعرف أن حاجة الأب في علاجه تحتاج لمال، فتتركه وتتأخر في علاجه لأجل إبقاء الأضحية، أم تقدم دفع المال لتطبيبه؟ لا شك الفطرة، فضلًا عن الشرع، تأمرك بأن تقدم تطبيب القريب على مثل هذا، مثل هذه الطاعة. وهكذا يقال بالنسبة كذلك للضرورة. لو رأيت إنسان متضرر، ما تنتظر ضرورته إلا بمالك الذي معك. ومن هذا المال مال الأضحية، فهل تقدم دفع الضرورة أم الأضحية؟ لا شك تقدم دفع الضرورة. ولك أجر أعظم من أجر الأضحية، كأنك ذبحت أضحية وزيادة. ومثله العقيقة. وهذه المسائل خفية ودقيقة، وربما لم ينبه عليها إلا بعض الفقهاء. ولبعد نظر هذا الإمام الجليل رحمه الله تعالى، وكذلك إدراكه لحاجة الأمة لتنبيههم لمثل هذه المعاني، نبه عليها رحمه الله في هذا الموضع. لأن معرفة الأولويات كما قيل هو روح هذه الشريعة. كون الإنسان يوفق لمعرفة الأولويات وترتيبها، يوفق لمعرفة حقيقة هذه الشريعة؛ لأن معرفة الأحكام ربما يعرفها الكثير، لكن معرفة تقديم وترتيب هذه الأحكام في أولوياتها، هذا لا يعرفه إلا الراسخون من أهل العلم. فأهل الرسوخ هم الذين يعرفون تقديم الأولويات وترتيبها. وقوله رحمه الله: «لكن هذا بشرط أن يقيم الواجب في الطريق إلى آخره»، إشارة منه أن الحج أفضل من الصدقة، والأضحية كذلك العقيقة، بشرط أن لا يعارضه شيء محرم. فإن عارضه شيء محرم أو شبهة، فلا شك أن انتقاله إلى الصدقة الخالية من الشبهة والمحرم أفضل. فمثلًا إذا ابتلي زمان ما أن يكون الحج لا يسلم من المحرمات، أو في زمان ما وفي مكان ما الحج لا يسلم من المحرمات، فهنا يقدم لا شك الصدقة على الحج. مثل مثلا إنسان ما يستطيع أن يحج إلا في رفقة فيها اختلاط، وفيها بدع وخرافات؛ لأنه ما أحد يخرج من الحج إلا كذلك. يعني الصوفية ونحوهم، بعض البلاد يتسلط المتصوفة على شؤون الحج، فمن حين أن تنطلق حملة الحج إلى أن ترجع وأنت في بدع وخرافات وضلالات وأشياء. فهنا يقال: إذا كنت ما تستطيع أن تحج حجة بعيدة من المنكرات، الأفضل أن تتصدق. ولو استطعت أن تتصدق بحج على رجل لم يحج، هذا أفضل. مثلًا يحج على الوجه الصحيح، ترسل لإنسان في بلد ما يحج، هذا أفضل من أن تذهب مع مثل هذه الرفقة؛ لأنها قد تضرك. وهذا كذلك من ترتيب الأولويات حتى لا يقول: قال شيخ الإسلام: الحج التطوع أفضل من الصدق التطوع. يقول الشيخ رحمه الله: ولكن اشترط شرطًا أن لا يكون هذا الحج التطوع فيه ما يخالف الشرع، أو ما يضر بك. ولهذا قال: «أن يقيم الواجب في الطريق، ويترك المحرمات، ويصلي الصلوات الخمس، ويصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ولا يتعدى على أحد». فإذا لم يكن كذلك، وما كان بمعناه، يعني إذا كان هناك ما يخالف الشرع أو يضر به، فلا شك أن الصدقة مقدمة. وقس على هذا كل ما كان بمعناه مما في هذه المسألة، وفي غيرها من المسائل الأخرى. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا.