كتاب الحج من الاختيارات الفقهية  1

كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 1

الدرس في كتاب الحج من الاختيارات الفقهية 1، الدرس الأول:( كتاب الحج ... وطريقة المجد أبي البركات في العمرة ثلاث روايات ثالثها تجب على غير أهل مكة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

طاعة الوالدين وأحكامها

يلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية، ولا تجب الطاعة إذا كانت تسبب ضرراً عليه. يجب على الأبناء مراعاة حدود الطاعة وعدم الإضرار بأنفسهم.

أحكام الحج الواجب وعلاقته بالأبوين والزوج

لا طاعة للأبوين في منع الإبن من الحج الواجب، ولا يجوز للزوج منع زوجته من الحج الواجب مع وجود محرم، بل يجب عليه النفقة عليها أثناء الحج.

وجوب الحج والعمرة وفوريتهما وتفاصيل العمرة

استدل العلماء على وجوب الحج والعمرة وفوريتهما من القرآن والسنة، والعمرة هي الطواف بالبيت والزيارة بركعتين بعد الطواف، وسيتم شرح تفاصيلها في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الحج. قال: ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية، وإن كان فاسقين، وهو ظاهر إطلاق أحمد. وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر عليه. فإن شق عليه ولم يضره وجب، وإلا فلا. وإنما لم يقيده أبو عبد الله لسقوط الفرائض بالضرر، وتحرم الطاعة في المعصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فحينئذ ليس للأبوين منع ولدهما من الحج الواجب، لكن يستطيب أنفسهما، فإن أذنا وإلا حج. أورد المؤلف رحمه الله في هذا الكتاب، فيما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، من الاختيارات الفقهية هذه المسألة، وستفتح بها هذا الكتاب. كما تقدم معنا أن المؤلف رحمه الله يذكرها هنا اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المسائل التي اختلف فيها أهل العلم. فهو لا يستوعب جميع مسائل هذا الكتاب، وسائر ما يذكره في ثنايا هذا الكتاب وغيره من كتب الفقه التي تمر بنا في هذا الكتاب. ولذلك قد يحتاج أحيانًا أن ينبه على بعض المسائل التي يحتاج للتنبيه عليها في ثنايا ما يعلق عليه من هذه المسائل التي تمر بنا. فقوله: كتاب الحج، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الحج. والمقصود كما تقدم ليس استيعاب جميع أحكام الحج، ولكن المقصود ذكر ما نقل وما اطلع عليه المؤلف من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الكتاب. كتاب الحج، والحج أحد فرائض هذا الدين ومبانيه، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو أصل معلوم بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». وخطب النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، فقال: «إن الله فرض عليكم الحج فحجوا». الحديث. وفيه أن رجلًا قام فقال: في كل عام يا رسول الله؟ حتى قال عليه الصلاة والسلام: «لو قلت نعم لوجبت». ثم ذكر قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم». والحج واجب، وكذلك العمرة واجبة على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، وسيأتي التنبيه على ذلك إن شاء الله. وهنا ذكر هذه المسألة توطئة لما يتعلق بهذا الكتاب، فيما إذا منع الأبوان أو أحد الأبوين الإبن أو البنت من الحج. فقال: ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية. وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب ومن السنة. وقوله: وإن كان فاسقين، يعني تلزم الإبن الطاعة حتى للأب الفاسق، ما دام أمر الطاعة في الطاعة. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. فيفهم من الآية أن طاعة المشركين من الأبوين واجبة ما دامت في طاعة الله. فالفاسق من باب أولى. وإنما الذي حذر الله عز وجل منه طاعتهما فيما فيه الشرك أو ما يفضي إليه من المعاصي. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم وغيره: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة في المعروف». وقوله: وهو ظاهر إطلاق أحمد، يعني الأمر بالطاعة مطلقًا للأب التقي والأب الفاجر، والأم التقية والأم الفاجرة، ولكن بشرط أن تكون الطاعة في طاعة الله. لا يظنن ابن أو ابنة أن طاعة أحدهما لأبويه إن كان فيهما فسوق مساءة له، لا من الناحية الشرعية ولا حتى من الناحية العرفية. بل الله عز وجل أمره بطاعتهما إذا أمره بطاعتهما مع الكفر والشرك. كما قيل: ليس بعد الكفر ذنب، فما دون ذلك من باب أولى. فإذا ابتلاك الله بأم فاجرة، لا يعني فجورها ألا تطيعها في طاعة الله. أنت تحرص على نصيحتها وتجتهد في ذلك، وتحرص على منعها من فجورها بكل ما تستطيع، ومع ذلك تطيعها في طاعة الله. وقوله: وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر عليه، يعني الطاعة فيما فيه منفعة لهما. فإن كان ليس فيه منفعة فلا شك أنه لا طاعة في ذلك. يعني إذا كان فيه ضرر. وليس المقصود بالمنفعة هنا ما يدخل في معنى الواجب، لأنه قد تكون الطاعة للكافر. فالمنفعة قد تكون منفعة مباحة. فما دامت هناك منفعة فلا ينبغي أن يتردد في طاعتهما ولو كان ذلك في المباح، ما دام أنه لا ينافي الشرع، يعني ليس فيه معصية لله، وليس به ضرر عليه فلا بأس. قال: فإن شق عليه ولم يضره وجب، وإلا فلا. ومعنى ذلك أنه تجب الطاعة حتى مع المشقة. تجب الطاعة حتى مع المشقة ما دام لا يضره. وكثير من أوامر الأبوين قد يكون فيها مشقة للإبن. قد يطلب الأب أن تنفق عليه لكبر سنه، يقول: أنا قد كبرت وما أريد أن أعمل، أريدك أن تنفق عليه. وأنت تعرف أن النفقة عليه أو عليهما فيه مشقة عليك، لكنه لا يضرك، تستطيع ولكن بشيء من المشقة. فهنا يجب أن تطيعهما في ذلك. وهذا من أقل المعروف مجازاة لهما، حتى ولو كان كافرين. بل ربما كان ذلك مدعاة لدخولهما في دينك دين الإسلام، إذا علم أن الدين يأمره بذلك. وقوله: وإلا فلا، يعني إذا حصل الضرر. فإن كانت المشقة توصل إلى الضرر فلا ضرر ولا ضرار، كما قال عليه الصلاة والسلام. وقوله: وإنما لم يقيده أبو عبد الله لسقوط الفرائض بالضرر، يعني لم يقيده في هذا الباب لأن الفرائض تسقط بالضرر، يسقط وجوبها. وقوله: وتحرم الطاعة في المعصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، للأحاديث الواردة في هذا الباب. حديث علي معناه في صحيح مسلم وغيره من الأحاديث الأخرى. وهذا هو المقصود من إيراد هذه التوطئة. ولهذا قال: فحينئذ ليس للأبوين منع ولدهما من الحج الواجب، لكن يستطيب أنفسهما، فإن أذنا وإلا حج. لو منع أحد الأبوين أو كلاهما الإبن من الحج أو البنت من الحج على الوجه الذي أذن الله عز وجل به، فإنه لا طاعة لهما في ذلك. ولكن لا بأس أنه يستطيب أنفسهما. وهل هذا على إطلاقه؟ الجواب: لا، ليس على إطلاقه. قد تكون هناك استثناءات. مثاله: لو أن الأب عنده مرض أو يلحقه ضرر بذهاب هذا الإبن، لا يندفع بغيره. فهنا لا شك أن هذا الواجب مقدم. فكونه يقع الضرر بهما أو بأحدهما بسفره، ولا يندفع هذا الضرر بغيره، هذا لا يسقط عنه الحج. لكن يؤخر عنه الحج، مثل المريض الذي عنده استطاعة، لا يسقط عنه الحج، ولكن يتأجل عنه الحج. وكذلك إذا مرض مثلًا أحد الأبوين، وعلم الإبن أو الإبنة أنه لا يدفع هذا الضرر عنهما، ولا يقوم بحقيقة حقهما إلا هو، فعند ذلك يجوز له أن يؤخر الحج، بل قد يجب لأجل القيام بهذا الواجب. فلو زاد مع ذلك أن الأب أو الأم أمر أحدهما أو كلاهما هذا الإبن بأن لا يحج بهذا العام، لم يمنعاه من الحج مطلقًا، ولكن منعاه من الحج هذا العام خاصة، لحاجتهما إليه. فإن كانت الحاجة حقيقية ظاهرة كما تقدم، فلا شك أنه يؤجل الحج. قال رحمه الله تعالى: وليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب مع ذي رحم محرم، بل عليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك. حتى إن كثيرًا من العلماء أو أكثرهم يوجبون لها النفقة عليه مدة الحج. وهذه مسألة أخرى تلحق بالتي سبقت في إذن الزوج لزوجته. إذا لم يأذن الزوج لزوجته مع كون حجها على الوجه الشرعي الصحيح، ليس به معصية ولا ضرر، وهو على الوجه الشرعي ليس فيه أي خلل، فلا يجوز للزوج أن يمنع زوجته. فإذا منع، هل يجوز لها أن تحج بدون إذنه؟ الجواب كما ذكر وسمعنا أنه يجوز لها أن تحج. بل زاد رحمه الله شيئًا وهو أنه يجب عليه النفقة. لا يقول الزوج: قد خالفت أمري وخرجت بغير طاعتي وإذني. فإذا منعها النفقة، لا يجوز له ذلك، بل يجب عليه أن يعطيها النفقة، لأن ذلك من طاعة الله، ولا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. وهذا لا شك إنما هو في الحج الواجب. ولهذا قال: وليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب. مفهوم أن غير الواجب يجوز له أن يمنعها. فإذا أرادت أن تذهب حجة تطوع ونفل، ولم يأذن لها الزوج، لا يجوز لها أن تذهب. قد يقول قائل: إذن تحرم تكفير الذنوب الخطايا. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب الخطايا كما ينفي الكير خبث الحديد». حديث من حديث ابن عباس ومعنى عن ابن مسعود. الجواب: وإن كان فالأجر يكتب لها محفوظًا كاملًا، ما دامت قد صدقت وبذلت كل الوسع. فإن كان زوجها معتديًا فالإثم عليه، كونه منعها من طاعة وبر. ولا يجوز الظلم في الطاعات كما لا يجوز الظلم في الحقوق. وأما إن كان له مقصد صحيح فهو معذور وهي معذورة، مثل صيام التطوع. قد يكون للزوج رغبة في صيام التطوع، ولكن للزوج كذلك مقصد آخر، فمنعها من صيام التطوع. فهو إن كان مقصده صحيح معذور، وهي معذورة. وإن كان منعها تعديًا وظلمًا فلا يجوز له ذلك. ومدة النفقة التي أشار إليها رحمه الله، يعني في مدة الحج ينفق عليها. ويعطيها نفقة. وبه نعلم كذلك أن نفقة الحج لا تلزم الزوج، بل الحج واجب على المرأة. فإن تصدق الزوج على المرأة بنفقة الحج، فهذا إحسان منه. وإلا فلا يجب عليه. لا يجب على الزوج أن ينفق على المرأة نفقة الحج. فإن كان مستطيعًا فلا شك أن تمام حسن العشرة بينهما أن يحسن إليها من استطاعته، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. من رجل أن يحسن إلى امرأته بإعارتها جمله الذي أوقفه في سبيل الله. وأخبره أن ذلك من سبيل الله، أي الحج. قال رحمه الله: والحج واجب على الفور عند أكثر العلماء. ودليل الفورية معلوم بأدلة عامة. وهكذا فهم من بعض الأدلة الخاصة. وإن لم تكن صريحة. فأما الأدلة العامة، فعموم ما ورد من الأمر بالمسارعة بالطاعات. وقد ذكر العلماء مبحثًا بكتب الأصول: هل الأمر يقتضي الفور أم يقتضي غير ذلك من التراخي؟ والصحيح أن الأصل في الأمر أنه يقتضي الفورية لعموم الأدلة في هذا الباب. ولما ورد في قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة في صلح الحديبية، حين أمرهم بأن يتحللوا من عمرتهم، فتأخروا. فدخل على امرأة عليه الصلاة والسلام، وأخبرها أنهم قد هلكوا، إذ أمرهم ولم يستجيبوا ولم يبادروا. فأشارت إليه أن يخرج، أمر الحلاق. القصة. فخرج فحلق، فحلق الناس حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا. الحديث. فالشاهد: فهم العلماء من هذا الحديث أن الأصل في الأمر أنه يقتضي الفورية. ولهذا أدل كثيرة تدل عليه. منها قصة آدم مع إبليس، التي ذكرت في مواضع من القرآن. قال الله عز وجل في حق إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾. فقالوا: هذا يقتضي الفورية. أي أن الأمر يقتضي الفورية. إذ لو لم يكن يقتضي الفورية لم يكن في تأخر إبليس عن السجود لوم. ففهم من هذا أن الأصل في الأمر يقتضي الفورية. وأما من الأدلة الخاصة التي استدل بها من استدل من أهل العلم على وجوب الحج وفوريته، أشياء منها: فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فرض الحج في السنة الثامنة، وحج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة، وحج في السنة العاشرة عليه الصلاة والسلام. قيل: أنه أجل الحج ليس لأنه على التراخي، ولكن أراد أن يطهر البيت من بقايا أهل الجاهلية. ولهذا أمر أبا بكر أن يحج بالناس، وأن لا يطوف بالبيت مشرك ولا عريان، وغير ذلك مما أمرهم به عليه الصلاة والسلام، حتى تكون حجته عليه الصلاة والسلام حجة موافقة للشرع. وزاد بعض أهل العلم أن العرب كانوا يتلاعبون بالأشهر، فيقدمون ويؤخرون. وكانت الحجة التي حج فيها أبو بكر، والحج في ذاك الوقت كان على ما عليه الناس، فكانت الحجة في ذاك العام على غير وقته الشرعي الصحيح. فلهذا لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أبا بكر أن يحج ليعلم الناس. ولما كان العام المقبل، وقد علم النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيوافق الحج على سنته. ولهذا قال في حجة الوداع عليه الصلاة والسلام: «إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض». وذكر الحديث. وفيه أن الحج في تلك السنة وافق الحج الذي حج عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وغير ذلك مما ذكر أهل العلم. المهم: فهم العلماء من هذا الفورية في الإتيان بالحج. وهكذا كذلك ما جاء في أحاديث كثيرة في الرخصة لمن لم يحج أن يحج، والإذن بالتخلف عن الجهاد. ومنها قصة المرأة التي سبق الإشارة إليها، فقد أمرها أن ترافق امرأته. ودل ذلك على تقديم الحج وفوريته. وهكذا كذلك ما جاء معناه في حديث بريدة، فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الضعن، أفأحج عنه؟ قال: حج عن أبيك واعتمر». قال: هذا يدل على الفورية، ما أنه غير مستطيع، فالمستطيع من باب أولى. وغير ذلك، وكما ترون هذه الأدلة وإن كانت ليست صريحة، لكنها فيها إشارة إلى هذا المعنى. والله أعلم. قال رحمه الله: والقول بوجوب العمرة على أهل مكة قول ضعيف جدًا، مخالف للسنة الثابتة. ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد أن أهل مكة لا عمرة عليهم، رواية واحدة. وفي غيرهم روايتان. وهذه مسألة أخرى من مسائل الحج، تتعلق بوجوب العمرة. أولًا: هل العمرة واجبة؟ الصحيح أنها واجبة كما تقدم. وأدلة ذلك كثيرة. ومن أقرب الأدلة صراحة على المقصود قول الله عز وجل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وهذا وإن كان عند بعض أهل العلم ليس بصريح، لكنه أقرب الأدلة في الصراحة من أدلة القرآن، إذ أن أمر الله عز وجل بالإتمام يدل على معنى الوجوب، خصوصًا وأنه قرن بالحج، والحج واجب، فالعمرة كذلك. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في حديث أبي رزين الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم بإسناد حسن، فيما تقدم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه، وأنه شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الضعن، يعني السفر والركوب على المركوب، فهل يحج عنه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «حج عن أبيك واعتمر». فقرن الأمر بالحج والعمرة، فدل على أن الحج والعمرة مما أوجبهم الله على أهل الإسلام. قد يقول قائل: قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس». وذكر الحج ولم يذكر العمرة. الجواب: أن العمرة تدخل في الحج. أن العمرة تدخل في الحج. ولهذا قال العلماء: من حج حجة الإسلام ولم يعتمر، وجب عليه أن يأتي بعمرة مع هذه الحجة. أنحاء الحج ثلاثة: أن يأتي الحج قارنًا بين الحج والعمرة، كما سيأتي وصفه إن شاء الله. أو يأتي متمتعًا بأن يتحلل بعد العمرة، ثم يأتي بالحج في يوم الثامن. أو يأتي بحجة مفردة. فمن حج حجة الإسلام ولم يأت بعمرة من قبل، وجب عليه أن يأتي بعمرة في حجته، سواء أن يأتي بها مع الحج، كأن يكون قارنًا أو متمتعًا، أو يفرد الحج ثم يأتي بعمرة بعد الحج. وفي بعض هذه الصور خلاف، وسيأتي الإشارة إليه إن شاء الله في موضعه. وبقي ما أشار إليه: هل العمرة واجب على أهل مكة؟ ذكر رحمه الله أن الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو المروي عن الإمام أحمد، لأن شيخ الإسلام رحمه الله، حسب عند كثير من الأئمة أنه من الحنابلة. ولأنه رحمه الله كثيرًا ما يتكلم في المسائل العلمية، ولأنه يذكر كثيرًا ويشرح كثيرًا كتب الحنابلة، فإنه يذكر مذهب الإمام أحمد. ولا يعني أنه لا يذكر غيره، ففي كتبه الأخرى يذكر الكثير من أقوال أهل العلم. الشاهد: يذكر هنا أن الإمام أحمد رواية واحدة عنه، ليس فيها اختلاف، أن أهل مكة لا عمرة عليهم، يعني لا تجب عليهم العمرة. وقوله: للسنة الثابتة، مخالف للسنة الثابتة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت أنه أمر أهل مكة أن يأتوا بعمرة. ولا كان أهل مكة يأتون بعمرة، بل كان أهل مكة يطوفون ولا يعرفون الإتيان بالعمرة. وإنما العمرة لغير أهل مكة. ولهذا روي عن ابن عباس لما أتاه بعض أهل مكة يريدون العمرة، وبين لهم أنه ليس لأهل مكة عمرة. ثم قال: من أبى منكم إلا أن يأتي بالعمرة، فليخرج إلى أدنى الحل، يعني إلى أقرب الحل. لأنهم أهل حرم، وإنما عمرة مكة الطواف بالبيت والزيارة، فهو يطوف ويركع ركعتين، وهذه هي العمرة. نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.